خريطة الانتخابات العراقية... تنافس محموم وتحالفات جديدة

الناخب العراقي عالق بين الطائفية والعشائرية
مواطنون عراقيون يدلون بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية في النجف (رويترز)

بغداد: من المنتظر أن يشهد العراق يوم الأحد الموافق 10 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري إجراء الانتخابات التشريعية المبكرة، والتي تتمتع بأهمية خاصة كونها الأولى التي تجري بعد الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي اندلعت عام 2019 وطرحت عددا من المطالب، في مقدمتها إجراء انتخابات مبكرة. كما تجرى هذه الانتخابات وسط استعدادات حكومية وإجراءات أمنية كبيرة، إضافة إلى دعم أممي ودولي واسع.

 

قانون الانتخابات الجديد

كانت الحكومة العراقية وعدت بانتخابات تشريعية مبكرة لتهدئة غضب الشارع إثر الاحتجاجات الشعبية التي هزت البلاد في أكتوبر 2019. وعلى أثر ذلك، بدأ التحضير للانتخابات التي ترافقت مع تصاعد الدعوات لتغيير مفوضية وقانون الانتخابات.

وقد جرى إلغاء مفوضية الانتخابات القديمة، واستبدالها بمفوضية جديدة من القضاة، كما صوت البرلمان على قانون انتخابات جديد، وذلك بعد نقاشات استمرت أسابيع نهاية 2019 ومطلع 2020.

ووفقا لقانون الانتخابات الجديد، فقد تم تقسيم المحافظات العراقية إلى دوائر انتخابية متعددة بلغ عددها 83 دائرة، أي بعدد المقاعد المخصصة للنساء في البرلمان، لضمان فوز امرأة واحدة في كل دائرة انتخابية، وخصص لكل دائرة انتخابية ما بين 3 و5 مقاعد.

 

* تم تقسيم المحافظات العراقية إلى دوائر انتخابية متعددة بلغ عددها 83 دائرة

 

الناخبون والمرشحون

وفقا لإحصاءات الأمم المتحدة، يبلغ عدد سكان العراق 40.2 مليون نسمة، 60 في المائة منهم دون سن الـ25. ويبلغ عدد الناخبين في هذه الانتخابات 25 مليونا يتوزعون على 83 دائرة انتخابية و8273 صندوق اقتراع.

ويجري انتخاب النواب لدورة من أربع سنوات، فيما نظام الاقتراع أحادي ويصوت الناخبون وفقه لمرشح واحد. ولن يصوت العراقيون المقيمون خارج البلاد خلال الانتخابات هذه المرة.

ويتنافس المرشحون على 329 مقعدا، بينها 83 مقعدا تمثل 25 في المائة من المجموع الكلي خصصت للنساء، بالإضافة إلى تسعة مقاعد للأقليات موزعة بين المسيحيين والشبك والصابئة والإيزيدين والكرد الفيليين.

ويبلغ عدد المرشحين أكثر من 3240 بينهم نحو 950 امرأة، أي أقل بالنصف من عدد النساء اللواتي ترشحن في انتخابات 2018.

وأكثر عدد من المقاعد خُصص لمحافظة بغداد، 71 مقعدا، بينما أقلها كان لمحافظة المثنى التي خصص لها 7 مقاعد فقط، ويتنافس المرشحون ضمن 235 حزباً، بعضها انضوى ضمن 22 تحالفا، والبعض الآخر دخل الانتخابات منفردا، يضاف إلى ذلك وجود 789 مرشحاً مستقلا لم ينضووا ضمن الأحزاب أو التحالفات.

وقد بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات السابقة 44.52 في المائة وفق الأرقام الرسمية.

 

* لن يصوت العراقيون المقيمون خارج البلاد في الانتخابات هذه المرة

رئيس مركز الخلد للدراسات خالد الشمري

 

وعود انتخابية

وقبل أيام من انطلاق العملية الانتخابية، تصدّر ملف تخفيض قيمة الدينار العراقي أمام الدولار المشهد في حملات القوى والأحزاب السياسية المتنافسة في الانتخابات.

فقد أطلقت عدة قوى سياسية عراقية وعوداً للناخبين بإعادة قيمة الدينار إلى سابق عهده عند عتبة 1200 دينار للدولار الواحد بدلاً من القيمة الحالية وهي 1450 ديناراً للدولار.

وقررت حكومة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي خفض قيمة الدينار بنحو 25 في المائة، من سعر صرف 1200 إلى 1450 للدينار أمام الدولار، وذلك على ضوء المعالجات التي أقرتها الحكومة لمواجهة الأزمة المالية التي عصفت بالبلاد، وتراجع إيرادات الدولة من العملة الصعبة نتيجة انخفاض أسعار النفط آنذاك.

ويرى رئيس مركز الخلد للدراسات خالد الشمري في حديث لـ«المجلة» أنه «لا يمكن القيام بذلك إطلاقاً وإنما هذه السياسة النقدية اتبعت بطريقة معينة وتم تخفيض الدينار العراقي إلى 1450، وفي العام 2003 كان سعر الصرف 1500 دينار لكل دولار، ولكن ارتفع سعر صرف الدينار نتيجة لتعاملات البنك المركزي النقدية حيث كان لديه وفورات مالية، ولكن عندما شحت هذه الوفورات كان لا بد من تصحيح للدينار العراقي فأصبح بالسعر الجديد».

وأضاف الشمري: «أما ما يقوله النواب فلا يمكن تطبيقه ولا يملكون سلطة لذلك، إذ إنها سياسة البنك المركزي النقدية وليس قرارا تشريعيا، وبالتالي وعودهم لا تعدو كونها شعارات انتخابية وليست حقيقية لبناء الاقتصاد العراقي». وتابع: «ولكن إذا كان النواب القادمون لديهم نية وطنية بإعادة بناء البلد، فيمكنهم تخفيض الإنفاق التشغيلي الذي لا طائل منه في كثير من بنوده، بالإضافة إلى تحويله إلى إنفاق استثماري وتشغيل الأيدي العاملة وتقليل البطالة، وهذه الإجراءات أفضل من تغيير سعر الصرف دون أن تكون هناك إيجابية للاقتصاد العراقي».

ولفت الشمري إلى أنه «منذ عام 2003 ولغاية اليوم لم تكن هناك أي سياسة اقتصادية لبناء الدولة العراقية بكل الوجوه التي حكمت باختلافها. والدليل أن أي من هذه الكتل لم يضع برنامجا اقتصاديا حقيقيا ومنهاجا متكامل لوضع خطة اقتصادية متكاملة».

ومن ناحيته، يرى المحلل السياسي علي البيدر في حديث لـ«المجلة» أن «توزع القوى خريطة القوى السياسية في الانتخابات كان متوقعاً، إذ بقيت على نفس هيكلها الطائفي، وتواجدت ضمن إطار طائفي على المستوى المناطقي والقومي، ولم نر أي اندماج على صورة التحالفات الجديدة، ولعل أكبر ما حدث هو وجود كتلة عمار الحكيم وكتلة حيدر العبادي».

وأضاف أنه «لا تزال الدوافع العشائرية والمناطقية والطائفية والحزبية هي التي تتحكم بالناخب العراقي، ولا وجود لدوافع إصلاحية أو وطنية بالمشهد الانتخابي، خصوصاً أن توزيع الدوائر الانتخابية بهذه الطريقة جعل بعض الأطراف تعمل على إذكاء النعرات الطائفية على المستوى المناطقي وبالتالي تحفز جماهيرها من خلال هذه العناوين، وهذا الأمر سيؤدي إلى إنتاج تجربة برلمانية ركيكة، ويقودنا إلى حالة من الطائفية الجديدة وهو ما يجعل النائب يمثل كانتونات، ففي السابق كان النائب يمثل 100 ألف نسمة في محافظة بغداد، والآن سوف يصبح ممثلا لأقل من 50 ألف نسمة في قاطع من قواطع بغداد، وبالتالي تنحصر دائرة تمثيله الدستورية».

 

المحلل السياسي علي البيدر

 

* يتنافس المرشحون على 329 مقعدا

 

التزوير

ولا شك أن العملية الانتخابية تترافق مع مخاوف من احتمالات تزوير، وهذا ما دفع رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى الإعلان أن حكومته ستتعامل بحزم مع محاولات التزوير في الانتخابات البرلمانية، موضحا أن الحكومة أوفت بتعهداتها التي قطعتها أمام الشعب العراقي.

ولفت الكاظمي إلى أن الانتخابات المقبلة تمثل فرصة تاريخية للتغيير وتصحيح المسارات، مؤكدا المتابعة المستمرة للتجاوزات والخروقات من قبل المرشحين والأحزاب، حيث سيتم التعامل معها قانونياً من قبل المفوضية.

ويؤكد الشمري أن التزوير «سوف يحدث بأي شكل من الأشكال ولكن هذه الانتخابات هناك دور لبعض المنظمات غير الحكومية العالمية ومفوضية الانتخابات والأمم المتحدة وهذا قد يحد من عمليات التزوير». وأضاف: «ستكون نسبة المشاركة في الانتخابات متدنية».

 

* يبلغ عدد المرشحين أكثر من 3240 بينهم نحو 950 امرأة

* الشمري: وعود النواب لا تعدو كونها شعارات انتخابية وليست حقيقية لبناء الاقتصاد العراقي

 

أبرز المتنافسين

وعلى الرغم من الحركة الاحتجاجية التي شهدتها البلاد في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، إلا أن القوى السياسية التقليدية نفسها لا تزال مهيمنة على المشهد السياسي العراقي. فيما قاطع الناشطون الذين شاركوا في الاحتجاجات والشيوعيون الاستحقاق الانتخابي.

ويعتبر التيار الصدري، الذي يتزعمه السيد مقتدى الصدر، من أبرز المرشحين لتعزيز وجوده في البرلمان هذه الدورة، مع الإشارة إلى أنه تمكن من الفوز بأكبر عدد من مقاعد البرلمان خلال انتخابات 2018.

وبالنسبة للتحالفات، فهناك تحالف دولة القانون، بقيادة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي زعيم حزب الدعوة، والذي شغل أطول مدة رئاسة وزراء بين عامي 2006 و2014.

وتحالف «قوى الدولة الوطنية»، برئاسة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي ويضم أيضا «تيار الحكمة» بزعامة عمار الحكيم.

وكذلك هناك تحالف «تقدم» بزعامة رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، وتحالف «عزم» بزعامة خميس الخنجر.

أما الفصائل الموالية لإيران، فيمثلها مرشحون ضمن تحالف «الفتح» بقيادة هادي العامري.

وتوجد قوائم أخرى جديدة بينها «قادمون للتغيير»، بزعامة أمينها العام حسن الرماحي وتضم غالبية من المستقلين.

وفيما يخص الأحزاب الكردية، فيلعب الحزبان الرئيسيان، الديمقراطي الكردستاني، بزعامة مسعود بارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني برئاسة نجل وابن شقيق رئيسه الراحل جلال طالباني، دورا رئيسيا في المشهد السياسي الكردي في العراق. أما المعارضة فتمثلها في الإقليم أحزاب بينها «الجيل الجديد» و«كوران» التي تعني «التغيير» باللغة العربية.

ويرى الشمري أن «الانتخابات قد تشهد تغييرا في بعض الوجوه ولكن ليس لها دور في عملية التغيير الحقيقية، وهناك وجوه موصومة بالفساد الكبير وتجدها تتصدر واجهة الشاشة العراقية». وأضاف أن «الانتخابات ستؤدي إلى بقاء الكتل بشكلها الأساسي وإنما في تغييرات داخلية بسيطة في بعض الوجوه، وقد تفرز نسبة صغيرة جداً لا تزيد على 10 في المائة في أفضل الأحوال التي يمكن أن تكون لها رؤى أساسية في عملية التغيير».

وتابع: «أعتقد أن دوافع الناخب العراقي تنطلق من قضايا عشائرية وعائلية، وهناك نسبة بسيطة تنظر إلى البرنامج والرؤية».

 

* البيدر: ما تزال الدوافع العشائرية والمناطقية والطائفية والحزبية هي التي تتحكم في الناخب العراقي

 

 

 

ويلفت الشمري إلى أن «العراق توجد به ديمقراطية شكلية لا تؤدي دورا حقيقيا لإعادة هيكلة الاقتصاد وإعادة هيكلة المجتمع العراقي وتقليل البطالة التي يُعاني منها الشعب العراقي».

وفيما يتعلّق باعتكاف معظم مجموعات تشرين عن المشاركة في الانتخابات، يلفت البيدر إلى أن «قادة حركة تشرين انتهى بهم الأمر في ثلاث اتجاهات، الأول جرى استقطابه لمنظومة السلطة وتقريبه منها ومنحه بعض الامتيازات الوظيفية، والقسم الآخر جرت تصفيته وجرت إصابته إصابة مباشرة جعلته قعيد الفراش أو جرى خطفه أو اعتقاله أو حتى تخويفه، والقسم الثالث هرب من بغداد إلى إقليم كردستان أو حتى خارج العراق من أجل أن يشعر بالأمان، وبالتالي انخفضت قوة ومحرك تشرين الحقيقي عبر غياب هذه العناصر النوعية، ومن يتحدث باسم تشرين لا يمتلك ثقة المواطنين».

ويلفت البيدر إلى أن «المزاج العام في العراق أخذ يتجه نحو الإصلاح، وإذا لم تأخذ القوى السياسية به فسينفجر الوضع بها، والجانب الآخر أن مخرجات هذه الانتخابات سوف تعيد وجود نفس منظومة السلطة ولكن ستجبر على تحقيق الإصلاح في المرحلة المقبلة وإلا فسوف تنهار المنظومة السياسية بالكامل وستقود البلد إلى كوارث لا يمكن من خلالها الإبقاء على العراق».

 

رئيس النقابة الوطنية للصحافيين ياسر السالم

* السالم: حقوق المرشحين في الظهور الإعلامي غير متكافئة

 

دور الإعلام العراقي في العملية الانتخابية

وفيما يتعلق بتعامل وسائل الإعلام العراقية مع العملية الانتخابية، يرى رئيس النقابة الوطنية للصحافيين ياسر السالم في حديث لـ«المجلة» أن الكثير من وسائل الإعلام العراقية مملوكة لأحزاب وكتل سياسية، وممولة من المال السياسي وبالتالي هي خاضعة لأجندات وقرارات تلك الكتل، أما الإعلام المستقل فقد غطى اتجاهات الرأي المختلفة بشأن الانتخابات، وعكس المزاج الجماهيري لكثير من الناخبين العراقيين من دون التطرق لدعايات المرشحين والكتل السياسية».

وأضاف: «إلا أن الإعلام المستقل في العراق هو إعلام محدود، إذ إن الغلبة للمؤسسات الإعلامية التابعة للأحزاب السياسية التي انخرطت للترويج لهذه الأحزاب وفي مهاجمة الخصوم، وكذلك تزييف الحقائق كمشاركة استبيانات كاذبة وتقديم اتجاهات رأي مخادعة للواقع، وبالتالي ابتعدت عن المهنية والموضوعية الإعلامية وانخرطت كجزء من الآلة الانتخابية لهذه الكتلة أو الأحزب». وتابع: «حقوق المرشحين في الظهور الإعلامي غير متكافئة إذ إن الكثير من المرشحين المستقلين بشكل فردي لم تُتح لهم الفرصة في الظهور في وسائل الإعلام، كما أن المفوضية لم تُحدد حجم الإنفاق، وهذا ما أدى إلى غياب العدالة فيما يتعلق بالدعاية والإعلام بالنسبة إلى المرشحين، وهذا يخلق تشكيكاً فيما ستسفر عنه الانتخابات من نتائج».

وأشار السالم إلى أن «بعض المؤسسات قادرة على لعب دور المساعد لمفوضية الانتخابات في رصد خروقات القواعد الانتخابية، وأعتقد أن مجال الخطورة في الخوض في هذا الجانب عالٍ جداً على اعتبار أن هناك نفوذا وسلطة لدى الأحزاب ومرشحيها وبالتالي يمكن أن تقع وسيلة الإعلام في حال ممارسة هذا النوع من العمل ضحية للنفوذ والسلطة التي تمتلكها الأحزاب السياسية، وحتى لو كانت وسيلة الإعلام قادرة على تغطية الانتهاكات الانتخابية فأعتقد أن الإقبال على هذه الخطوة سيؤدي إلى استهداف وسيلة الإعلام هذه».

ويشير السالم إلى أن «دور وسائل الإعلام في التأثير على اتجاهات الشباب العراقي الانتخابية محدود ولا يشكل إلا نسبة قليلة من دور وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي في هذا المجال، فوسائل الإعلام التقليدية فاشلة في هذا الشأن وغير قادرة على توجيه الرأي العام، لذا فإن تلك الأحزاب حينما تفشل مؤسساتها في الدفاع عن قضية أو تبنيها فإنهم يلجأون إلى الجيوش الإلكترونية من أجل التأثير في اتجاهات الرأي، وأستطيع أن أقول إن الإعلام العراقي غير مؤثر في صناعة اتجاهات رأي الناخب العراقي».