أميركا تقرّ قانون «الاستقرار في ليبيا»... فهل ينقذ طرابلس من موجة عنف جديدة؟

رغم فشل المفاوضات بين مجلسي النواب والدولة
متطوع ليبي خلال أعمال إعادة ترميم مدرسة تضررت جرّاء القتال في إحدى ضواحي طرابلس بتاريخ 19 نوفمبر 2020 (أ.ف.ب)

القاهرة: في إطار سعيها لخلق واقع جديد في الأزمة الليبية بما يحقق مصالحها، قامت الولايات المتحدة الأميركية بإقرار قانون «الاستقرار في ليبيا» لإجبار كل الأطراف على الذهاب إلى الانتخابات الرئاسية المقررة في الرابع والعشرين من ديسمبر (كانون الأول) المقبل، والذي ينص على معاقبة الجهات الأجنبية أو أي طرف سياسي أو عسكري حال انهيار الحكومة المؤقتة ووقف اتفاق إطلاق النار، وهو ما تزامن مع فشل الاجتماعات التي تستضيفها العاصمة المغربية الرباط بين لجنتي مجلس النواب، ومجلس الدولة الليبيين دون الوصول إلى نتائج محددة بشأن القاعدة الدستورية، وقانون الانتخابات التشريعية، وهو ما يلقي بظلاله على مستقبل الوضع في ليبيا ما بين الضغوط الأميركية، والمصالح الإقليمية لبعض الدول المتداخلة في الأزمة.

كما يلقي بعدد من التساؤلات حول مدى نجاح الولايات المتحدة في إجبار الأطراف المتصارعة على الوصول إلى حلول لإنهاء الأزمة؛ فهل تملك الولايات المتحدة من أوراق الضغط ما يمكنها من الوصول إلى هذه النتيجة؟ وما هي مواقف الأطراف الدولية الأخرى، والأطراف الإقليمية من التداخلات الأميركية؟ وما هي تداعيات فشل الاجتماعات بين مجلسي النواب، والدولة، في الرباط؟ وهل باتت ليبيا على مشارف مرحلة جديدة تعيدها إلى دائرة العنف من جديد في حال عدم الاتفاق على إجراء الانتخابات في موعدها المقرر؟ أم إن الأمور لا تزال تسير في سياقات أخرى بعيدا عن اللجوء إلى العنف، وأن الولايات المتحدة لا تزال تملك قدرا من السيطرة على الأوضاع في البلاد، وهو ما دفعها لإقرار مثل هذا القانون؟

 

جانب من توقيع الاتفاق بين الشراكة الليبية والأميركية في طرابلس (الحكومة الليبية)

 

* أي طرف عاقل في ليبيا لا بد أن يسعى لكسب الأطراف المتداخلة في الأزمة سواء الإقليمية أو العالمية

 

شوكة أميركية في خاصرة مصر

الفشل الذي حدث، ويحدث بين مجلس النواب، ومجلس الدولة الليبيين سيستمر، لأن ما بني على باطل فهو باطل، وذلك حسب رؤية الكاتب والمحلل السياسي الليبي عثمان بن بركة في تصريحات خاصة لـ«المجلة»، وذلك لأن بناء هذه المجالس ليس بناء صحيحيا لأنها بنيت على أساس توصيات اللاعبيين الدوليين في الملف الليبي، ووكلاء المحاور الدولية، وعليه فإن قرارات هذه المجالس ليست قراراتها، وهذه المجالس جميعها خارج الوطن، ولم يبنها الشعب الليبي بإرادته حتى تعبر عن إرادة الشعب الليبي، وسواء اجتمع مجلس النواب، ومجلس الدولة في الرباط، أو في الجزائر العاصمة، أو في تونس العاصمة، أو حتى في القاهرة، فهما مرتبطان بمحاور. هذه المحاور مرتبطة باللاعبين الدوليين سواء كانت الولايات المتحدة، أو روسيا، أو فرنسا، وإيطاليا، وألمانيا، وهؤلاء هم الأطراف الدوليون الذين يلعبون في الملف الليبي بكل حرية، حسب مصالحهم، أما مدى تأثير الولايات المتحدة الأميركية على الملف الليبي فهذا أمر واضح، فاليوم ليبيا تقع تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهذا يعني أن ليبيا دولة محتلة، وهناك تساؤلات مهمة يجب طرحها، من الذي قاد هجوم حلف الناتو على ليبيا في العام 2011؟ ومن الذي قاد عملية اغتيال معمر القذافي وتدمير الدولة الليبية؟ فالإحصاءات والكتابات والوثائق موجودة، وتقول إن الولايات المتحدة الأميركية هي على رأس مشروع تدمير ليبيا، وتدمير المنطقة، وإعادة بنائها وفق رؤية الشرق الأوسط الجديد، وهذا موضوع معروف لنا كشعب ليبي، ونحن كشباب ثوري على قناعة بأن بلادنا محتلة، ولا سبيل أمامنا سوى النضال، سواء أكان نضالا سلميا، أو غير سلمي، وذلك حتى نحرر بلادنا، ويتوهم من يعتقد أن الولايات المتحدة بعيدة عن الملف، فهي من خلال تركيا، ومن خلال عدة دول أخرى تقف وراء هذا الملف.

أما بالنسبة لمصر فهي دولة محورية وتقع في منطقة محورية، وهي لن تسمح بالعبث بالملف الليبي على حساب أمنها القومي، ولكن كيف تتعامل مع هذه المتغيرات؟ فهي سوف تتعامل بحكمة وحنكة سياسية، وحكمة قياداتها، لأنه كلما انهار الوضع في الملف الليبي فذلك يؤثر عليها بالسلب، وهي تناور وفق مصالحها، وكيف تحقق أمنها القومي في المنطقة الغربية لمصر؟ وعليه كلما كان هناك استقرار وعدم وجود قوات معادية لمصر في ليبيا كانت مصر محايدة وتعمل على دعم التنمية ودعم الازدهار والاستقرار في ليبيا، وكلما كانت هناك قوى معادية لها في الأراضي الليبية فالمصريون سوف يعملون بنفس العقلية، ولا يمكن في هذه الحالة توجيه اللوم لهم، فالإخوة في مصر تفرض عليهم حالة في المنطقة الغربية وعليه فإن غرب مصر الآن يمثل خطورة على أمنها القومي تماما كما في الشرق المصري، ولا يمكن لمصر التساهل والتهاون في هذه القضية، وعليه فإن التهاون والتساهل في مناطق بنغازي، وسرت وطرابلس، وهذه المناطق، يمتد أثره حتى الإسكندرية والقاهرة وأسوان وفي سيناء، وتجربة عام 2011، واضحة تماما حيث تتصارع أعداد في ليبيا، وتكون الضحايا من الشرطة المصرية والمواطنين في سيناء بالمئات، وعليه فإن الموضوع جد معقد، وربما تحاول الولايات المتحدة جعل ليبيا شوكة في خاصرة مصر، من خلال أدوات ليبية بلا شك، ومصر تفهم وتعي هذه اللعبة جيدا.

 

* عوامل الانقسام لا تزال تسري في ليبيا، لأن غالبية الأطراف لا تعي أن الانقسام الحزبي، والقبلي لا يصب في مصلحة ليبيا

 

رغبة أميركية غير حقيقية

فيما قال مصدر ليبي مسؤول في حكومة الوحدة الوطنية، فضل عدم ذكر اسمه، في تصريحات خاصة لـ«المجلة»: الولايات المتحدة الأميركية ليس لديها رغبة حقيقية في جمع الأطراف الليبية والضغط عليهم للوصول لحل للأزمة الراهنة فهي وكل الدول التي تدور في فلكها لا يريدون حدوث استقرار في ليبيا، ولا يوجد أي مؤشر يوحي بإجراء انتخابات حرة وشفافة في ظل عدم وجود ضمانات حقيقية للقبول بنتائج الانتخابات إذن جرت في موعدها.

الولايات المتحدة دولة ذات نفوذ كبير في مختلف أرجاء العالم، ولكنها لا تريد تحريك ساكن في الملف الليبي وتريد أن يبقى الوضع على ما هو عليه كي تحقق أطماعها وغاياتها الإمبريالية على حساب الشعب الليبي. ويجب أن يعول أبناء ليبيا على ذواتهم لترميم بيتهم الداخلي ورأب الصدع وإصلاح ذات البين، لأن القانون الذي أقرته أميركا عبارة عن فزاعة كي لا تفلت من بين أيديهم خيوط التلاعب بأشباه الساسة والعسكريين الذين رهنوا مصير البلاد لدى القوى الاستعمارية الغاشمة. كما أن مواقف الأطراف الداخلية تتغير حسب المصلحة، ولا يوجد طرف حقيقي يرفض الإملاءات الأميركية أو غيرها بل هي أطراف هشة لأنها تستمد قوتها من الخارج وتسعى إلى نيل رضا الدول الإقليمية والدول الكبرى، كما أن مواقف الأطراف محكومة بالمصلحة وبالتالي لا يوجد هناك طرف قادر على القيام بدور جوهري بمعزل عن الشرعية الدولية الموجودة لتكون سيفا مسلطا على الشعوب المطحونة.

كما أن تداعيات فشل اجتماعات مجلسي النواب، والدولة في الرباط ستنعكس على موعد الانتخابات بشكل سلبي لأن المجلسين لا يوجد لديهما مصداقية في إنجاز العملية الانتخابية في موعدها لأن هدفهم الاستمرار في السلطة بطرق ملتوية، وينبغي على الشعب الليبي إسقاط كل هذه الأجسام البالية المرهونة للخارج والانطلاق في عملية إعادة بناء الدولة الوطنية على أسس وقواعد يقبل بها كل الليبيين.

 

مؤسسات شكلية مرتهنة لمصالح التحالف الأنجلوسكسوني

عمليا ليس هناك شيء اسمه مجلس نواب ومجلس دولة، ولا حكومة ولا مجلس رئاسي. فهذه مجرد مؤسسات شكلية ليبية جاء بأغلبها الغرب، أو رهنها لإرادته عمليا؛ فهي تعمل فعلا ضمن الإرادة الأجنبية، وذلك حسب الكاتب والمحلل السياسي الليبي عز الدين عقيل في تصريحات خاصة لـ«المجلة»، قائلا: ليبيا دولة مرتهنة كليا للقرار الأجنبي وخاصه الأنجلوسكسوني. ومعظم الليبيين غير مقتنعين بالدور المريب الذي تقوده الولايات المتحدة وهو إظهار الأمر وكأن فكرة إجراء الانتخابات تعاني، بينما الحقيقة أن أميركا تريد إعطاء هذا الانطباع الاصطناعي لليبيين ليتخلى الجميع عن حماسهم وخاصة من يخططون لخوض الانتخابات ولا يدورون بفلكها، وذلك لتفاجئ الجميع بإجراء الانتخابات في موعدها أو في موعد قريب جدا منه، بصورة تعطي السبق بالحضور والدعاية الانتخابية وتحقيق عنصر المفاجأة لصالح النخبة التي حضرتها بنفسها لحكم ليبيا على غرار نخبتها بالعراق وأفغانستان.

بل إن الولايات المتحدة لم تكتف بهذا فقط، بل حركت وبشدة هذه الأيام ملف موضوع جرائم الحرب التى ارتكبت في ليبيا بصورة انتقائية بالنسبة لتواريخ هذه الجرائم التي مرت عليها سنوات، وذلك لتستخدم هذا الملف كهراوة لتحطيم أولئك الذين لا تنفع معهم أساليبها هذه أو الذين يتمتعون بشعبية واسعة لتعطيلهم عن المنافسة. والدليل على ذلك أن المهمة الأولى والأهم لستيفاني  ويليامز، وفق المنطق الطبيعي والإرادة الحقيقية السليمة لصنع سلام بليييا كان يجب أن تهتم بحل أهم معضلتين في الأزمة الليبية وهما: مساعدة  الأطراف الليبية الحاكمة، وإجبارها على الوصول لقاعدة دستورية ما دام الغرب الأوروبي يعلم تماما حجم تمسك القائمين على الحكم في ليبيا به، ورفضهم المغامرة بالتنازل عنه بإجراء انتخابات يعلم أغلبهم أنها ستلقي به إلى قارعة الطريق وتنهي مستقبله السياسي وخاصة سياسيي الصدفة منهم. إلى جانب قيامها وفقا للمنطق السوي بتضمين القاعدة الدستورية المعنية في الإعلان الدستوري وإعادة فتح الدائرة الدستورية التي أغلقها المبعوث الأممي، غسان سلامة تنفيذا لأوامر أجنبية للقيام بتحكيم الخلافات بين أطراف الحكم.

غير أنه وبدلا من تنفيذ هذه المسؤولية الدولية الضامنة جدا لإجراء الانتخابات في ليبيا ذهبت ستيفاني، وسفير بلادها في طرابلس إلى إنشاء نظام حكم سياسي انتقالي جديد وفاشل يقوده أشخاص جدد وشرهون للبقاء فيه لفترة أطول وهو ما باتوا يعملون عليه جديا. ولقد أقاموا هذا النظام السياسي الجديد رغم أنهم يعلمون أن بقاء السراج  كان أفضل بكثير لإجراء الانتخابات لأنه كان يعيش حالة من الشعور بالذنب حيال بقائه طويلا في الحكم، وكان مهيأ فعلا أكثر من أي شخص غيره لإجراء الانتخابات.

وأما المعضلة الثانية التي أهملتها ستيفاني وسفير بلادها عامدين فهي حل الإشكال الأمني الجسيم الذي يعصف بالبلاد ويجعل فكرة الانتخابات مجرد فكرة مجنونة لا أكثر وهو جمع أمراء الحرب حول مائدة للتفاوض ومساعدتهم على الوصول لاتفاق سلام ينتهي إلى نزع السلاح وتفكيك الميليشيات وإعادة هيكلة وتنظيم مؤسستي الجيش والشرطة وهو ما يعني صناعة النفوذ الحكومي الذي يحتاجه إقرار السلام بكل دولة وتحتاجه الحكومات لفرض سيادة وهيبة الدولة. غير أن رغبة التحالف الأنجلوسكسوني ومعهم الفرنسيون هذه المرة للدفاع عن الدول الأفريقية الفرنكفونية والكومنولثية ضد الغزو الصيني عبر مشروع طريق الحرير  العملاق للقارة الأفريقية والذي خصصت له الصين أكثر من 200 مليار دولار لتجديد وتأسيس البنى التحتية بدول القارة ودفع هذه الدول مجتمعة إلى الاتفاق بالقيعان العميقة لبلدانهم على الإبقاء على ليبيا وجنوبها تحديدا كبؤرة فوضى لنشر الجيل الرابع من الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة بالدول الأفريقية لتقويض أي فرصة صينية لتحقيق الهيمنة الاقتصادية على القارة ولو كانت في صالح مستقبل شعوبها.

وعليه، فإن ما يجري حتى اليوم في ليبيا هو مجرد ضحك على ذقون الليبيين من جانب التحالف الانجلوسكسوني خاصة لتوريطهم بانطباع وهمي يقول إن هذه الدول الغربية حريصة على صناعة الاستقرار في ليبيا، علما بأنه يمكن للدول الغربية وخاصة التحالف الأنجلوسكسوني صناعة السلام بليبيا عمليا على فنجان من القهوة وخلال ساعات من اتخاذ جملة من الإجراءات الأكثر من عادية بحال شاءوا فعلا صناعة السلام في  ربوع ليبيا.

 

مفوضية الانتخابات الليبية

 

هيمنة أنجلو سكسونية على ليبيا 

لا أظن أن أميركا الدولة الفاشلة في فيتنام والصومال، والتي حولت العراق إلى دولة فاشلة رغم احتلالها له بمئات الآلاف من الجنود والشركات الأمنية والعسكرية ولعقدين من الزمان وأهدرت أموالا تجاوزت تريليون دولار، بقتل شعبه وتدمير مقدراته دون أن تحقق فيه ولو شبه استقرار، والتى حولت ليبيا إلى دولة فاشلة كليا في 2011.. بعمل إجرامي خالص اعترف به أوباما نفسه الذي قاد ذلك العدوان  قبل أن يغادر السلطة بأنه كان خطأ كبيرا، وهو ما كرر الاعتراف به في مذكراته التي صدرت مؤخرا، وأميركا التي ما تزال تجر ذيول هزيمتها بأفغانستان التي حولتها هي الأخرى إلى دولة فاشلة بعد احتلالها بعشرات الآلاف من جنود جيوشها وجيوش الدول العظمى من حليفاتها ولمدة تجاوزت 20 عاما دون أن تحقق فيها ولو استقرارا «على الريحة» بل والتى اعترف وزير دفاعها أوستن قبل أيام خلال تحقيق أمام لجنة بالكونغرس رسميا بهزيمة الجيش الأميركي فيها، فهل أميركا هذه يمكن لها أن تعيد الاستقرار إلى ليبيا؟ وكيف؟ بالمراسلة؟! أم بمجرد إصدارها  قانونا لصناعة الاستقرار في ليبيا؟ خائب بعمق خيبتها بكل مغامراتها العسكرية الخارجية حتى الآن. أي اعتقاد أحمق هذا الذي يصدق صاحبه أن ما لم تحققه أميركا بمئات الآلاف من الجنود والتحالفات العسكرية مع دول عظمى، وإهدار التريليونات من الدولارات فوق أراضي شعوب بعضها بدائي ولا زال يحارب ببنادق الصوان ستحقق الاستقرار في ليبيا ببضعة أوراق من أوراقها المغرورة.

كما أن الأطراف الداخلية في ليبيا ليس لها وجود أمام الهيمنة الأنجلوسكسونية على البلاد. فيما تعتبر تركيا «صبي» أميركا بكل ما في الكلمة من معنى، ودخولها ليبيا كان أصلا لتنفيذ أوامر أميركية، ما تزال قائمة. وروسيا مجرد سمسار بدماء الليبيين تسعى للحصول مقابل هذه الدماء على مكاسب سياسية ليست بليبيا أصلا. بمعنى أنها  مستعدة لبيع ليبيا وحلفاؤها فيها، من القوى المحلية المتحالفة معها في أي وقت مقابل تحقيق هذه المكاسب غير الليبية.

 

* ليس هناك وسيلة للضغط مالياً على ليبيا لأنها دولة مليئة بالثروات ولا تحتاج دعماً من أحد، وهذا ما يدعو للتفاؤل بحذر

 

 

سعي مصري لتحسين أوضاع ليبيا

وأضاف عقيل أن مصر تسعى من خلال دورها في الأزمة الليبية لتحسين موقف الليبيين غير أن الموج عال والظروف المصرية لا تستطيع الصمود بكل الاتجاهات. ولذلك لن تكون هناك أي تداعيات لفشل مجلسي النواب، والدولة، إلا إذا أرادت الدول الغربية أن تكون هناك تداعيات لتوريط البلاد في حرب مثلا. فقد صنعت أميركا عبر ابنتها ستيفاني ما يسمى لجنة الحوار وهي برلمان مواز أشد وأقوى صلاحيات من المجلسين اللذين ذكرت. وعليه بإمكان أميركا البدء منذ الغد بتهميش المجلسين لحساب برلمان ستيفاني، تماما كما فعلت حين همشت حفتر لصالح عقيلة صالح بالصخيرات. ثم عادت وهمشت عقيلة لصالح حفتر في أبوظبي وسان كلو، وباريس، وباليرمو، قبل أن تعود وتهمش حفتر لصالح عقيلة بنظام ستيفاني الأخير.

أميركا قادرة على دعوة برلمان ستيفاني أو  ما يسمى لجنة الحوار غدا وتكليفها بإقرار قاعدة دستورية جاهزة وينتهي الأمر. الخلاصة أن الأمر برمته بيد أميركا سواء لجهة تحويل التداعيات إلى مبرر لإشعال حرب، أو كمبرر لتهميش مجلسي النواب، والدولة، وإخراجهما كليا من الحياة السياسية الباقية لنظام ستيفاني الذي يقوده المنفي والدبيبة.

 

تأثيرات أميركية غير جوهرية

وفي السياق، قلل مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير جمال بيومي من الدور الأميركي وتأثيراته الجوهرية في الأزمة الليبية، وقال في تصريحات خاصة لـ«المجلة»: ليبيا بها ميزة كبيرة، وعيب أيضا، الميزة أنها ليست بالبلد الفقير حتى تضغط عليها الولايات المتحدة عن طريق المساعدات مثل لبنان، أو سوريا لما يعانيانه من إعسار مالي، والعيب أنها بلد يطمع في ثرواتها قوى دولية وإقليمية عديدة، وفي حالة ليبيا ممارسة الولايات المتحدة للضغط عليها تعد أمرا صعبا لأنه ليس لدى ليبيا نقاط ضعف كثيرة، ولكن الولايات المتحدة في نفس الوقت هي قوى عظمى، كما أن مصر أيضا قوة لا يستهان بها في الإقليم وأي طرف عاقل في ليبيا لا بد أن يسعى لكسب الأطراف المتداخلة في الأزمة سواء الإقليمية أو العالمية، إنما الضغط الأميركي المتصور لا يبعث على التفاؤل في مسألة إمكانية حل الأزمة. كما أن الأطراف الليبية الداخلية ستكون مواقفها متباينة من التدخل الأميركي حيث إن القوى المؤيدة لإجراء الانتخابات في موعدها سوف ترحب بالجهود الأميركية، والأطراف الأخرى سوف تضرب بالتهديدات الأميركية عرض الحائط طالما أن إجراء الانتخابات في موعدها ليس في صالحهم، وسينظر للمساعي الأميركية على أنه تدخل في الشأن الداخلي الليبي، وهو ما لا يبعث على التفاؤل لأن عوامل الانقسام لا تزال تسري في ليبيا، لأن غالبية الأطراف لا تعي أن الانقسام الحزبي، والقبلي لا يصب في مصلحة ليبيا.

كما أنه لا تأثير كبيرا للولايات المتحدة في ليبيا، إنما من يملك تأثيرا أقوى هو الجانب التركي بحكم تواجد قوات عسكرية لها في ليبيا، إضافة إلى مصر وذلك بحكم الجوار، إضافة إلى تونس والجزائر، وليس هناك وسيلة للضغط ماليا على ليبيا لأنها دولة مليئة بالثروات ولا تحتاج دعما من أحد، وهذا ما يدعو للتفاؤل بحذر. ولكن الخشية هي من الدخول في صراعات أخرى بعد فشل المفاوضات التي دارت بين مجلس النواب ومجلس الدولة في الرباط، والتي قد تنتهي إلى نوع من العنف، أو المواجهة المسلحة بين الأطراف الليبية، وهو ما لا نرجوه، لأنه في مثل هذه الأوضاع تكون كل السيناريوهات مفتوحة، وأي عاقل في ليبيا لابد أن يدرك ذلك ولابد أن تأخذ الأطراف مواقف تؤدي إلى الحل، لأن من يرفض الانتخابات يرى أن النتيجة لا تأتي في صالحة، وهنا نرى مشكلة كبيرة وهي مشكلة القبلية والتي توجد في جميع بلدان أفريقيا، ويكون الانتماء للقبيلة أكثر من الانتماء للدولة، وللدين أيضا. وهذا ما يعقد الأزمة الليبية.