السودان: انقلاب أم توسيع حاضنة الانتقال؟

تحالفات جديدة بدعم من «العسكري» ورفض المكون المدني
1 وفي تطور جديد على المشهد، طالبت قوى «إعلان الحرية والتغيير»، بنقل رئاسة «مجلس السيادة» الانتقالي إلى المدنيين
2 الأوضاع الحالية هي نتيجة لسياسة الإقصاء الممنهج لقوى سياسية مؤثرة في المشهد السياسي
3 تحالف «قوى الحرية والتغيير» يتهم المكون العسكري بمحاولة السيطرة الكاملة على السلطة

تحولات سريعة تحدث في السودان هذه الأيام أبرزها انعقاد تحالف سياسي جديد يضم عددا من القوى السياسية داخل وخارج الحكومة الانتقالية بدعم ضمني من المكون العسكري، في مقابل رفض مُعلن لهذا التحالف الجديد من قبل المكون المدني الذي يمثل تحالف «الحرية والتغيير» الحاضنة السياسة للثورة الشبابية التي أطاحت بحكم الرئيس عمر البشير، وتثير هذه الحالة الضبابية سيناريوهات عدة أبرزها الانقلاب على الوضع الحالي عبر المكون العسكري وقوى مدنية مساندة، أو الوصول إلى تفاهمات لكافة الأطراف تؤدي إلى توسيع القاعدة السياسية للحكومة الانتقالية بإشراك قوى جديدة ما عدا أنصار النظام المعزول، وبالتالي إعادة تشكيل الحكومة وضم ممثلين لقوى جديدة على مستوى مجالس السيادة والوزراء والشركاء أو على مستوى البرلمان القومي وبرلمانات المحليات التي لم تتشكل حتى الآن.

والتقى رئيس الوزراء عبد الله حمدوك برئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان (الثلاثاء) في مساعٍ للوصول إلى قاسم مشترك للتعامل مع الأوضاع المتفجرة بين كافة الأطراف بما فيها أزمة شرق البلاد المستفحلة.

ويأتي ذلك في خضم صراع بين تحالف قوى الحرية والتغيير والمكون العسكري، حيث يتهم الأخير الأحزاب الممثلة في الحكومة حاليا بأنها تفتقد للحواضن الاجتماعية الداعمة للانتقال، وأنها تقوم بمعاداة مكونات وجهويات مؤثرة في الاستقرار السياسي ما يهدد أمن البلاد فضلا عن اتباعها سياسة «شيطنة» المؤسسة العسكرية والإضرار بسمعتها ما يضع أمن البلاد في خطر، كما يتهم العسكريون شركاءهم المدنيين في السلطة.

 

اختطاف طموحات الثوار

فيما يندلع صراع آخر واتهامات متبادلة داخل تحالف الأحزاب الحاكمة نفسها حول هيمنة مجموعة محدودة على القرار السياسي في الحكومة الانتقالية واختطاف طموحات الثوار الشباب وتجييرها لصالح الأجندة الحزبية.

لكن تحالف «قوى الحرية والتغيير» الذي يضم أحزابا (مثل حزب الأمة القومي، والتجمع الاتحادي، والمؤتمر السوداني، والبعث العربي الاشتراكي الأصل، وقوى سياسية ومهنية أخرى)، يتهم المكون العسكري بمحاولة السيطرة الكاملة على السلطة، واحتكار الموارد الاقتصادية ذات الجدوى والمؤثرة في برنامج الإصلاح الاقتصادي، إضافة إلى محاولة عرقلة عملية تفكيك نظام الرئيس البشير، والعمل على إعادة إشراك واجهات للنظام القديم في السلطة.

وكانت حركات تحمل السلاح وقوى سياسية، أعلنت عن تحالف سياسي مواز لـ«الحرية والتغيير»، ويضم التحالف قوى سياسية شاركت في تشكيلات حكومية في النظام المعزول، ولم تك جزءا من تحالف «الحرية والتغيير»، لكن من بين أطراف التحالف الجديد قوى عضوة ومشاركة في الحكومة الانتقالية أبرزها الحركات حاملة السلاح والموقعة على اتفاق سلام في العاصمة الجنوبية جوبا (حركة تحرير السودان بقيادة حاكم إقليم دارفور الحالي وحركة العدل والمساواة بزعامة وزير المالية والتخطيط الاقتصادي).

واعتبر محللون الخطوة التي يساندها المكون العسكري ضمنيا، بأنها انقلاب مشترك بين المكون العسكري وقوى مدنية رافضة لهيمنة أطراف في «الحرية والتغيير» على القرار السياسي، فيما وصفها آخرون بأنها تحدث توازنا وحاضنة سياسية واسعة تحقق الاستقرار السياسي والأمني خلال الفترة الانتقالية وتجنبها الانهيار.

وفي تطور جديد على المشهد، طالبت قوى «إعلان الحرية والتغيير»، بنقل رئاسة «مجلس السيادة» الانتقالي إلى المدنيين.

وجاء في بيان صادر عن اجتماع المجلس المركزي للحرية والتغيير (الثلاثاء): «الالتزام الصارم بالوثيقة الدستورية واتفاقية جوبا للسلام في السودان، وإكمال السلام، بما في ذلك دورية رئاسة المجلس السيادي، والتي يجب أن تنتقل للمدنيين، وفق ما نصّت عليه الوثيقة الدستورية».

وجدد البيان الالتزام بإصلاح وتطوير القطاع الأمني والعسكري، وتنفيذ الترتيبات الأمنية الواردة في اتفاقية السلام، واعتماد خطة تؤدي إلى بناء قوات مسلحة واحدة، وانضمام كل القوى خارج القوات المسلحة إليها.

وطالب بأن تكون الحكومة المدنية مسؤولة مباشرة عن قوات الشرطة وجهاز الاستخبارات العامة، وأكد المجلس تمسكه بتسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية.

 

ضرورة الإصلاح في المؤسسة العسكرية

وفي تحليله للبيان، يقول أستاذ العلوم السياسية الدكتور محمد خليفة صديق لـ«المجلة» إن البيان كان متوقعا في ظل حالة الاحتقان وحالة التشظي في الحاضنة السياسية، لكنه يبدو أنه أعد على عجل للحاق بسوق السياسة الذي لا ينتظر.

ورأى أن البيان نص على الالتزام الصارم بالوثيقة الدستورية، ثم ناقض البيان الوثيقة بدعوته لأن تكون الحكومة المدنية مسؤولة مباشرةً عن قوات الشرطة وجهاز المخابرات العامة، وأن تُجري كل الإصلاحات اللازمة، بما في ذلك استيعاب الشباب في هذه الأجهزة وتطويرها في ظل الحكم المدني الديمقراطي، ومعلوم أن الوثيقة الدستورية أسندت في فصلها الثاني، المادة (8)، البند (12)، مهمة إصلاح الأجهزة العسكرية للمؤسسات العسكرية، نفسها.

ورغم أن إسناد هذه المهمة للعسكر وحدهم من أخطاء الوثيقة الدستورية، إذ إنها مهمة ذات أهمية قصوى، مثلها مثل الحرب، يجب أن لا تُترك للعسكريين وحدهم؛ فالسودان يحتاج إلى جيشٍ وطنيٍ خالص مهمته حماية الدستور والوطن والحدود، وإنهاء لعبة الانقلابات العسكرية التي أصبحت هي ووظيفة الجيش السوداني الأساسية، كما لا بُدَّ من إشراك العسكريين المتقاعدين والذين تم فصلهم تعسفياً، في مهام إصلاح القوات المسلحة للاستفادة من خبراتهم في هذا المضمار، حسب ما ذكر الدكتور صديق.

وأضاف أن تأكيد البيان على دعم لجنة إزالة التمكين وتفكيك نظام الثلاثين من يونيو (حزيران) في إكمال مهامها الضرورية لإنجاح الانتقال، دون الحديث عن مفوضية الفساد المرتقبة يشير إلى تخندق المجلس المركزي وراء لجنة التمكين، رغم أنه ذكر أن يكون دعم لجنة التمكين وفق خطة ومنهج يحقق بناء دولة القانون ويحاسب المفسدين.

واعتبر أن اعتراف البيان بعدالة قضية شرق السودان دون الحديث عن مسار الشرق يشير إلى إمكانية التراجع عن مساندة مسار الشرق، بجانب استعداد قوى الحرية والتغيير للجلوس مع كافة الأطراف بشرق السودان، بينما كانت ترفض في الماضي الجلوس مع قادة الاحتجاجات الحالية باعتبارهم من فلول النظام السابق.

واعتبر أن حديث البيان عن أولوية «قحت» أنها إكمال هياكل الفترة الانتقالي (من مجلس تشريعي ومفوضيات ومحكمة دستورية ومجلس القضاء والنيابة، دون الحديث عن مواقيت يشير إلى أنها تمارس سياسة شراء الوقت وأن قيام هذه الهياكل لن يكون قريبا.

بالنسبة للكاتب الصحافي عباس إبراهيم وهو مؤيد لتحالف «الحرية والتغيير»، فإن الائتلاف الحاكم في السودان، بدأ في ترتيب صفوفه من جديد، رغم محاولات صناعة جسم جديد من بعض الأشخاص وتنظيمات مثل حركة تحرير السودان والعدل والمساواة، والذي يهدف لتغيير معادلة الحكم الانتقالي وخلق جدل دستوري بشأن الوثيقة الدستورية.

ورأى أن البيان الصادر من المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، هو بمثابة تدشين للهيكل الجديد للحرية والتغيير، مما بعني أنها بالفعل ذهبت في إيجاد حلول أثرت على الأداء الحكومي خلال السنتين ونصف السنة من عمر الانتقال.

وحسب عباس في حديث لـ«المجلة» فإن الظرف السياسي الحالي وحالة الاحتقان السائدة ستساهم في تصريع وتيرة الإصلاح، خصوصا وأن البيان أثار نقاطا مهمة يمكنها أن ترتب المشهد، إذ إن غياب التواصل المباشر مع جمهور الثورة كان له أثر سالب.

 

هشاشة الأحزاب

من ناحيته، يعتقد فتح الرحمن يوسف وهو كاتب صحافي وناشط في حركة العدل والمساواة أن الأزمة الحالية تسببت فيها هشاشة الأحزاب وعدم إدراكها لضرورة توحيد الجبهة الداخلية بعيدا عن المحاصصات، معتبرا أن على الأحزاب السياسية أن تلتزم بأعلى درجة في الاصطفاف نحو أهداف الفترة الانتقالية.

ورأى يوسف في حديثه مع «المجلة» أن ما يحدث هو تمظهر لعدم الرشد والخلل داخل الأحزاب ما تسبب في إغراء المكون العسكري للتمدد ولعب دور يتجاوز حتى مهامه الحقيقية، موضحا أن العسكر هم أمر واقع فرضته الوثيقة الدستورية برضاء الأحزاب نفسها، مما يتطلب التعامل مع المكون العسكري بحكمة إلى حين نهاية الفترة الانتقالية مشيرا إلى أن مجاراتهم في التصعيد تزيد الأزمة استفحالا.

وأوضح أن استعانة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك منذ وقت مبكر بالمجتمع الدولي هو في الواقع يعبر عن إلمامه بطريقة الصراع العميق الدائر بين القوى السياسية ومدى خطورته على الفترة الانتقالية.

ويعتقد يوسف أن غياب المشروع الوطني وبرنامج الحد الوطني الذي يجعل من الجميع الاصطفاف حول الفترة الانتقالية هو أحد أهم أسباب ما سماها بالفوضى الحادثة الآن، مؤكدا ضرورة العودة إلى منصة الحوار الذي لا يستثني أحدا، وأن تكون الأجندة الوطنية هي الأهم وليس الأجندة الحزبية أو المكاسب الشخصية، وأن تنشغل الأحزاب فيما يليها من جهود لبناء تنظيمها القاعدي استعدادا للاستحقاق الانتخابي.

وفي سياق مختلف، يقول هيثم عبد الله محمد السكرتير العام للحزب الاتحادي الموحد الذي وقع مؤخرا إعلانا سياسيا لإصلاح قوى الحرية والتغيير، إن هنالك رغبة لدى بعض الأطراف السياسية التي تم إقصاؤها من المشهد السياسي ومركز صناعة واتخاذ القرار إلى إعادة ذات النهج الذي مورس ضدها، معتبرا أن الأوضاع مفتوحة على كافة السيناريوهات بما فيها الانقلاب العسكري المدني بمعاونة المؤسسة العسكرية وأنصار النظام المعزول واستبدال الحاضنة السياسية للنظام السياسي، موضحا أن الشواهد تدل على ذلك على حد قوله.

ويضيف عبد الله لـ«المجلة» أن الأوضاع الحالية هي نتيجة لسياسة الإقصاء الممنهج لقوى سياسية مؤثرة في المشهد السياسي وكانت مؤسسة لتحالف الحرية والتغيير وفي طليعة التغيير الثوري للنظام السابق، معتبرا أن المدنيين ليسوا على قلب رجل واحد وكذلك الأمر بالنسبة للعسكريين ما يزيد أكثر من تعقيد المشهد السياسي.


مقالات ذات صلة