اسألوا مضر بدران

بعد التدقيق بخبر الاتصال الذي تم بين رئيس النظام السوري بشار الأسد والملك الأردني عبد الله الثاني، كان المفاجئ هو أن الأسد من بادر بالاتصال وليس العاهل الأردني، علما أن مسار الأمور منذ فترة ليست قصيرة، وسلوك الأسد منذ استلامه للحكم بعد وفاة والده تعطي الانطباع بأن أيا كان هو من سيبادر إلى التواصل مع الأسد وليس العكس.

وإن جاء خبر الاتصال كتتويج للعديد من اللقاءات بين مسؤولي نظام الأسد ونظرائهم الأردنيين، على المستويات الاقتصادية والأمنية والعسكرية وأخيرا السياسية، إلا أن اللافت في الموضوع كان ترحيب الخارجية الأميركية بالانفتاح الاقتصادي الأردني على النظام السوري، وفتح معبر نصيب التجاري بين البلدين، بالإضافة إلى إعادة تسيير رحلات جوية بينهما، ورغم تراجع واشنطن عن مسألة الترحيب، لكن الجميع يعلم أن أحدا ولا سيما الأردن سيقدم على خطوة كخطوة التواصل مع النظام السوري والتطبيع معه من دون موافقة وضوء أخضر أميركي.

وقبل عامين، أقرّ مجلس الشيوخ الأميركي بحزبيه الديمقراطي والجمهوري قانون قيصر الذي يحظر التعامل مع النظام السوري، ويمنع أي دولة من التعامل معه دبلوماسياً وسياسياً وتجارياً وكل أشكال التعامل، فما الذي تغير حتى باتت الولايات المتحدة غير آبهة بتطبيق قانون أقره مجلس شيوخها؟ في الواقع من يتابع خطوات الإدارة الأميركية منذ تسلم جو بايدن لمهامه في البيت الأبيض يدرك أن ما يحصل هو استكمال لسياسة أوباما وإن كانت إدارة بايدن أقل وعودا من إدارة أوباما الذي فاجأ العالم يوم قام بمسح خطوط حمراء هو رسمها وعمل تسوية مع نظام الأسد من خلال روسيا طمعا في إرضاء إيران والوصول إلى الاتفاق النووي معها.

مسيرة الأسد منذ أن ورث الحكم عن أبيه، وسوريا هي من الجمهوريات النادرة التي تورث الحكم كما كوريا الشمالية، مليئة بتصدير الإرهاب وعمليات الاغتيالات وإرسال المتفجرات إلى الدول الشقيقة، هذا إذا أيقنا أن قتل أكثر من نصف مليون سوري وتهجير أكثر من نصف الشعب السوري أمر ليس ذا أثر عند دول شقيقة وصديقة.

ولكن ماذا عن تصديره للإرهاب؟ وهل يعقل أن البعض قرر للمرة الألف ربما أن يثق في الأسد ويقنع نفسه والآخرين بأن إعادة العلاقة مع النظام السوري هي من أجل مكافحة الإرهاب، أو أن خيرا اقتصاديا سيعم على دول الجوار إن صافح ملوكها ورؤساؤها بشار الأسد صاحب اليدين الملوثتين بدماء مئات الآلاف من السوريين، هل سيتوقف حينها الأسد عن تصدير الكبتاغون والمخدرات ويغرق الأسواق بما لذ وطاب من خضار وفاكهة؟

هل من يدعون إلى إعادة بشار الأسد إلى جامعة الدول العربية كخطوة أولى لـ«استعادته»من إيران وإعادته إلى الحضن العربي مقتنعين حقا بما يدعون إليه؟ ألم تفشل أقله أربع محاولات لتعريب الأسد منذ وصوله إلى السلطة حتى اندلاع الثورة السورية؟

في سوريا اليوم خمسة جيوش أجنبية، فإن قررت إدارة بايدن الانسحاب غدا من سوريا، فإن أيا من إسرائيل وإيران وروسيا وتركيا لن ينسحبوا، فهل يهرول البعض للتطبيع مع نظام لا يستطيع أن يحكم شبرا واحدا من سوريا؟ وماذا عن اللاجئين؟ هل ستتم إعادتهم بقوة السلاح إلى المدن التي غادروها بقوة البراميل المتفجرة والكيماوي؟ هل يعي المهرولون أعداد السوريين غير المعارضين لنظام الأسد الذين يهربون يوميا من جحيم حكمه؟

إن كان لإدارة بايدن مصلحة في التطبيع مع إيران وإعطائها اليد الطولى في المنطقة، فأين مصلحة الدول العربية في تطبيق سياسة بايدن وهم سيكونون أول المتضررين؟

لقد نجح بشار الأسد بما هو أهل له، نجح في صناعة الإرهاب ليعود ويبتز المجتمع الدولي بمحاربته، فهل يقع الجميع مجددا في فخ تصديق الأسد؟

ربما يحاول البعض تجنب طرح هذه الأسئلة على نفسه، لكن منطق الأشياء وطبيعة النظام السوري منذ 23 فبراير (شباط) عام 1966 وحتى اللحظة تفرض إجابات من نوع واحد، وهي أن نظاما قام على بعد طائفي واضح، واستعان بقوة أجنبية لحمايته، وفرض استقرار الداخل السوري بقوة الحديد والنار، وعبر افتعال أزمات أمنية في دول الجوار وخلق الاضطراب عبر الاغتيال السياسي الذي بدأه هذا النظام مبكرا جدا في تاريخه منذ مطلع السبعينات وحتى الآن.

حمى الله الأردن من شرور هذا النظام الذي اختبر العرش الهاشمي قديما أطماعه ورغبته في ترك الأردن داميا ومضطربا عندما حاولت قوات صلاح شديد احتلال الشمال الأردني في مطلع عام 1970، وعندما حاول حافظ الأسد اللعب بالأمن الداخلي الأردني عبر إرسال فرق الاغتيال والموت في محاولة لاغتيال رموز سياسية أردنية مثل محاولة اغتيال رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران في عام 1981، وعلى من لا يتمتع بذاكرة جيدة أن يسأل مضر بدران وأحمد عبيدات فربما يزودانه بما لم يعلم..