التكنولوجيا والناس

هكذا فجأة ومن دون سابق إنذار توقفت خدمات منصات «واتساب»،و«إنستغرام»،و«فيسبوك»،وأصبح مئات الملايين من الناس منقطعين عن بعضهم البعض. استحوذ هذا الخبر على اهتمام العالم أجمع كما دفعت هذه الأعطال وزارة الدفاع الأميركية للتأهب خوفا من أن يكون هذا الحادث مقدمة لهجوم ما.

الأسباب تعود إلى عطل داخلي يقول القيّمون على منصات التواصل المعطلة لبضع ساعات في تصريح مقتضب وغير واضح بما فيه الكفاية، مما سيتيح لنظرية المؤامرة أن تخّيم على الجو العام من خلال طرح إمكانية تهكير هذه المنصات من قبل «الخصوم»الروس أو الصينيين. خسر زوكربيرغ صاحب المنصات الثلاث بوقت قصير جدا حوالي السبعة مليارات دولار وانخفضت بالموازاة أسهم «فيسبوك»5 في المائة في بورصة نيويورك. وهو أمر متوقع، خاصة بعد سلسلة المقالات الاستقصائية التي نشرتها «وول ستريت جورنال»،غداة حصولها على وثائق ومراسلات داخلية تؤكد معرفة إدارة «فيسبوك»بعيوب لدى التطبيق «تسبب ضررا»من دون أن تقوم بإصلاحها.

وهذا الحدث سيفاقم من النقاشات القائمة أصلا في أميركا، خاصة بعد فوز الرئيس دونالد ترامب بالرئاسة. والنقاشات تدور حول تأثير منصات التواصل على خيارات الناس ولعب دور في توجيهها نحو خيارات معينة، خاصة في الاستحقاقات المهمّة كالانتخابات الرئاسية أو مثلا في أحداث ذات طابع خطر وعام كجانحة كورونا ولقاح الكوفيد.

وقد أثار «فيسبوك»جدلا واسعا بعدما استطاع تطبيق موجود على منصته من الاستحواذ على معلومات خاصة لملايين المستخدمين واستعمالها لأهداف انتخابية. وهي فضيحة عرفت باسم «كامبريدج أناليتيكا»ما زالت موضوع نقاش حتى يومنا هذا. فالمعركة الخفية التي تدور بين تيم كوك المدير العام التنفيذي لشركة «آبل»،وزوكربيرغ المدير العام التنفيذي لـ«فيسبوك»،تدور حول تفريط الأخير في سرية معلومات مستخدميه بغية جنى أرباح أكبر، وقامت «آبل»في هذا الصدد برفض مشاركة معلومات آتية من تطبيق يعود لزوكربيرغ وتبيعه «آبل»عبر منصات التطبيقات الخاصة لديها (آبل ستور) مع طرف ثالث (فيسبوك) مما أثار سخط زوكربيرغ الذي اعتبر أن الأمر لا يعدو كونه منافسة غير شريفة. وفي هذا المجال أكدت العاملة السابقة لدى «فيسبوك»فرنسيس هاوغن- والتي كانت تستعد للإدلاء بشهادتها أمام الكونغرس قبل انقطاع خدمات «فيسبوك»و«واتساب»و«إنستغرام»بساعات- أن «فيسبوك»يجنى أرباحا على حساب المستخدمين ومعلوماتهم الخاصة.

وستشهد السنين القادمة من دون شك صراعا كبيرا بين أصحاب تلك الشركات والمشرعين، خصوصا حول منصات التواصل الاجتماعي ومدى قوة التأثير التي تتمتع بها على المجتمعات وقدرتها على التأثير على الناس من خلال بث أو السماح ببث أخبار مفبركة أو حجب أخبار صحيحة عن الجمهور، وسيدور البحث حول إمكانية الحد من هذا التأثير المباشر، وإيجاد وسائل للحد من قدرة هذه المنصات على «تسليع»الإنسان أي جعله سلعة من خلال بيع المعلومات الخاصة به لطرف ثالث. كما ستكون هناك محاولات لإيجاد جواب على دور تلك المنصات، هل هي مسؤولة عما ينشر عندها أم لا؟

ولكن ما يهمنا أو ما يمكننا استنتاجه جراء حادث توقف منصة «فيسبوك»لبضع ساعات هو مدى اعتماد الإنسان العصري عليها لتسهيل أعماله وحياته اليومية.

والعطل الذي طرأ على منصات زوكربيرغ الثلاث سيعيد إلى الضوء مسألة سياسة الهيمنة التي تتبعها «الغافام»(غوغل، أمازون، فيسبوك، مايكروسوفت، آبل) أي العمالقة الخمس لعالم النت وخطرها على المجتمع الأميركي. وفي نهاية المطاف هناك اليوم أربعة أشخاص يسيطرون على ما هو أكثر من مجرد شركات ناجحة، يصل إلى حد التأثير المباشر على الحياة العامة في أقوى ديمقراطيات العالم ليجعلها تبدو لوهلة ركيكة.

فهل يسار إلى كسر احتكارات عمالقة «الغافام»؟

هذا هو العالم الذي نحن بصدده والذي يربط حياتنا بأدق تفاصيلها بالتقنيات. هذه الحادثة على أقرب تقدير مثال وبروفة على ما ستكون عليه الحروب القادمة بين الدول والتي مع الوقت سيكون اعتماد مواطنيها على التقنيات في كل تفاصيل حياتهم اليومية أكبر وأعمّ. في المستقبل مثلا سيزداد عدد السيارات ذات القيادة الذاتية. فماذا يمكن أن يحصل أن طرأ عطل ما عليها وبدأت تتصرف بشكل عشوائي لتخلق فوضى كبيرة وتعطل قطاع التنقلات وتخلف ضحايا سير؟

هذا نقاش ذو طابع فلسفي وحقوقي مهّم جدا، إذ يتناول دور التكنولوجيا في حياة الإنسان وأخطار اعتماده بالكامل عليها في كل شيء لدرجة يصبح فيها عاجزا بالكامل إن هي تعطلت أو عُطلت عن قصد.

هل هذا هو رأينا يوم حددت «فيسبوك»شكل الحروب في المستقبل أو على الأقل أحد تكتيكاتها؟

 التكنولوجيا نعم، شرط أن تكون في خدمة الإنسان لا أن يكون الإنسان عبدا لها.