خبيرة اقتصادية: الدولار مساره تصاعدي... والاستقرار الاقتصادي رهن تحرير الليرة اللبنانية

بيروت:«بكم سعر الدولار اليوم؟»، سؤال أصبح «الشغل الشاغل» للبنانيين مؤخرا في ظل الانهيار المالي والمعيشي الذي تعيشه البلاد، حتى بات السؤال عن قيمة الدولار في السوق السوداء يستبق عبارة «صباح الخير».

فبعد أقلّ من شهر على تأليف حكومة نجيب ميقاتي الجديدة، تلاشت الأجواء الإيجابية، بعد نفاد جرعة الدعم النفسي التي تلقاها سعر صرف الليرة فور تشكيل الحكومة، فلم يدم هذا الانتعاش طويلا مع انحدار سعر الليرة مجدداً وتجاوزها عتبة الـ20 ألفا، نزولاً من مستويات كادت تلامس 13 ألف ليرة لكل دولار، في رد فعل تلقائي للمبادلات النقدية في الأيام الأولى التي تلت صدور مرسوم التأليف، عقب نحو 13 شهراً من الفراغ الحكومي.

فلماذا لم يدم هذا الانخفاض طويلاً، وما سبب التدهور الإضافي للعملة مؤخرا؟ وهل سنشهد مزيدا من التدهور في قيمة الليرة؟ هي أسئلة تؤرق المواطن اللبناني في ظل الواقع المأساوي الذي يعيشه مع خسارة العملة منذ 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 أكثر من 90 في المائة من قيمتها، على وقع اشتداد الأزمات المالية والاقتصادية المترافقة مع أزمة سياسية. بدورها طرحت مجلة «المجلة» هواجس المواطنين اللبنانيين على الخبيرة في الاقتصاد النقدي والمالي والأستاذة الجامعية الدكتورة ليال منصور، التي أكدت أن المسار الطبيعي للدولار هو الصعود، مشددة على أن «كل شخص روج أن الدولار سيهبط هو أسوأ من السياسيين، مشيرة إلى أن الدولار اليوم عاد إلى مساره الطبيعي ولا شيء يدعو للاستغراب».

 

* ما أسباب ترنّح الدولار صعودا وهبوطا في السوق السوداء؟

- لا شيء اسمه انخفاض في الدولار، ولا صحة لما يروّج له بأن ثمة تلاعبا بالعملة الأميركية كي ترتفع، فالطبيعة «الدولارية» في لبنان متجهة صعودا، وعندما تنخفض فهذا الأمر عكس الطبيعة، وهو كذب.

وللأسف ثمة أشخاص يروجون إلى أن الدولار سوف ينخفض، وهم أسوأ من الطبقة السياسية، لأن مسار الدولار إلى صعود، وما نشهده اليوم في الأسواق أن الدولار عاد إلى طريقه عندما كان 19 ألف ليرة وسيستمر صعودا.

تصديق هذه الأخبار الكاذبة في علم الاقتصاد، يسمّى «Psychological Effects»، وهو أمر موجود في كل دول العالم ويستخدم خصوصا قبل الانتخابات. وفي لبنان للأسف هناك جهل كبير على المستوى الاقتصادي.

 

* ما أسباب ارتفاع الدولار؟

- عودة الدولار إلى مساره الطبيعي عندما كان 19 ألفا، أمر طبيعي ولا شيء يدعو لاستغراب اللبنانيين، لأنه لا وجود لمؤشر إيجابي واحد يوحي بذلك. فلا انخفض التضخم، ولا ثقة في الحكومة وقدرتها على الإصلاح، وما من دولة خليجية اقترحت المساعدة، فيما لم يتحسن الـ«Consumer confidence»، ولم تنخفض «الدولرة».

وبالتالي فإن انخفاض الدولار عند تأليف الحكومة كان نتيجة للأخبار المضللة والترويج لأجواء إيجابية غير موجودة على أرض الواقع، مع العلم أن الرئيس الذي تم تكليفه وهو ميقاتي ينتمي إلى الطبقة السياسية نفسها مما يعني أن التعويل على قدرته على التغيير ووضع لبنان على سكة الإصلاح غير واقعية.

 

* هل ثمة علاقة بين رفع أسعار المحروقات وارتفاع الدولار؟

- حتى لو أنه لم يتم رفع الدعم عن المحروقات، فإن الدولار كان سيرتفع بأي حال. وبالتالي كل ما يتعلق برفع الدعم والتعاميم الصادرة من هنا وهناك أو تشكيل حكومة وإسقاط حكومة كلها عوامل لا تؤدي إلى ارتفاع الدولار إنما تسرّع الوتيرة.

 

* هل تنجح المفاوضات مع صندوق النقد في إنقاذ لبنان؟

- نجاح المفاوضات مع الـ«IMF»، لا يعني القبول بخطة الإنقاذ التي ستعرض على الحكومة كما هي، إنما إجراء مفاوضات بمعناها الحرفي. وبرأيي لن يتحسن الوضع الاقتصادي في لبنان في حال مجرد إجراء مفاوضات مع الـ«IMF»، إنما في حال نجحت السلطة في المفاوضات التي يجب أن تكون على مستوى نظام سعر الصرف. وإلا فإن الدولار لن يرتفع فقط إنما سيقفز. وسيتوقف عن الارتفاع بالآلاف وسيقفز بعشرات الآلاف، لأن صندوق النقد يفرض تحرير سعر صرف الليرة وفي حال وافقت الحكومة فسوف يترحم اللبنانيون على اليوم وعلى العشرين ألفا للدولار الواحد.

ففي حال أراد ميقاتي فعليا أن يكون بطلا وينقذ لبنان فعليا، فلديه الفرصة من خلال إجراء المفاوضات مع صندوق النقد بشرط التمسّك بسعر الصرف على أساس «الدولرة» الشاملة أو صندوق تثبيت القطع «Currency Board». وفي هذه الحالة لن ينجح ميقاتي فقط في إنقاذ لبنان وإنما سيصبح بطلا.

ويعيش اللبنانيون أياماً صعبة على وقع الأزمة الاقتصادية والمالية الحادة التي تضرب البلاد، فيما يؤدي استمرار انهيار الليرة اللبنانية أمام الدولار الأميركي إلى انخفاض القدرة الشرائية وارتفاع قياسي في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية والخدمات الأخرى.

وقد أدت الأزمة الاقتصادية إلى خسارة آلاف اللبنانيين وظائفهم، وإلى ارتفاع نسب الفقر والبطالة لأرقام قياسية.

يذكر أن الدولار سجل رقما قياسيا في يوليو (تموز) الماضي، حيث تجاوز 23 ألف ليرة بعد اعتذار سعد الحريري عن تشكيل الحكومة بعد 9 أشهر من تكليفه.

وخسرت الليرة اللبنانية منذ 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 أكثر من 90 في المائة من قيمتها، على وقع اشتداد الأزمات المالية والاقتصادية المترافقة مع أزمة سياسية.