«عمالة الأطفال» في سوريا تتفاقم

90 % من الأطفال السوريين يحتاجون إلى الدعم
الحرب ألقت على كاهل أطفال سوريا ومسؤوليات تتجاوز أعمارهم
طفل سوري يعمل في مهنة ميكانيك السيارات (مركز تمكين)
أطفال سوريا بين شهيد وشاهد على الكارثة
طفل غطى يداه التراب من العمل في الأرض (مركز تمكين)

القامشلي: رغم إبرام وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة العمل لدى النظام السوري مذكّرة تفاهم مع منظمة العفو الدولية قبل أكثر من 3 سنوات، التزمت بموجبها بالحدّ من ظاهرة عمل الأطفال ومكافحتها، إلاّ أنه لا يزال هناك عشرات الآلاف من الذين تقل أعمارهم عن 15 و18 عاماً في مختلف المناطق السورية يعملون في مهنٍ تصفها المنظمة الدولية بالقاسية.
ويعمل آلاف الأطفال في مهنٍ متعددة بدءاً بأعمال البناء الصعبة إلى ورشات الخياطة وصيانة السيارات، وصولاً بالمخابز ومحلات بيع المواد الغذائية والأسواق الشعبية التي تُباع فيها الخضراوات والفاكهة، إلى جانب غيرها من المهن التي تتطلب جهداً عضلياً يزيد على طاقتهم وقدراتهم الجسدية.
ومع أن عمالة الأطفال في سوريا ليست ظاهرة جديدة، لكنها قبل الحرب الحالية التي تشهدها البلاد منذ نحو عقدٍ من الزمن، كانت تقتصر غالباً على فصل الصيف بعد أن تُغلق المدارس أبوابها، فكان أغلب الأطفال يلتحقون بأعمال مؤقتة في ورشات قريبة من منازلهم لكسب المال ولتعلّم مهنةٍ جديدة، لحين بدء العام الدراسي فيواصلون تعليمهم. إلا أن هذا الأمر قد تغيّر تماماً مع الحرب التي أرغمت الآلاف من الأطفال على ترك مقاعد الدراسة لإعالة أسرهم.

العمل مقابل نصف دولار أميركي


«المجلة» قابلت عدداً من الأطفال العاملين الذين تقلّ أعمارهم عن 17 عاماً، وتوافقت تصريحات معظمهم على أنهم أجبروا على ترك الدراسة لمساعدة عائلاتهم في تأمين قوت يومهم بعدما تغّيرت أوضاعهم المعيشية بسبب الحرب.
ويتقاضى الطفل عادةً أجراً يومياً يقل بكثير عن العمّال الراشدين، ويحصل أغلبهم على ألف ليرةٍ سورية فقط، أي ما يعادل أقل من نصف دولارٍ أميركي، وهو أجر رأت فيه منظمات معنية بشؤون الأطفال «استغلالاً» لواقعهم.
ورفض معظم الأطفال الذين قابلتهم «المجلة» التقاط صورٍ تظهر وجوههم أو ملامحهم، في حين أشار أرباب عملهم إلى أن «هؤلاء الأطفال يعملون لدينا في مهنٍ مختلفة لتأمين لقمة العيش لعائلاتهم، وهو ما جعلهم خارج النظام التعليمي».
وقال طفل يبلغ 14 عاما، إنه أُرغم على العمل لإعالة والدته وشقيقه الصغير والوحيد بعد مقتل والده برصاصٍ طائش في ريف دمشق خلال مواجهاتٍ مسلّحة بين النظام ومعارضيه عندما كان في السابعة من عمره.
وأضاف لـ«المجلة»: «مهما كانت أجرتي زهيدة، فهي تساعد في إعالة أسرتي التي أصبحت مسؤولاً عنها بعد رحيل والدي»، مشدداً على أن «عملي في ورشة للخياطة قد يساعدني مستقبلاً في إيجاد فرصة عملٍ أفضل في كبرى ورشات البلاد».
وتابع: «لقد حرصت على أن يستكمل شقيقي دراسته أملاً في حصوله على فرصة عمل أفضل مني قد تساهم لاحقاً في تغيير واقع حياتنا بشكلٍ كامل».
ومن جهتها، تقول والدته: «لم أكن أرغب في أن يعمل طفلي في سنّ مبكرة ويخسر طفولته وأحلامه، ولكن الظروف أرغمته على ذلك خاصة وأنني موظفة وراتبي لا يكفي لإعالة أسرتنا».

هجرة العقول السورية... فرص لامعة في المهجر وحلم بالحصول على «وطن»


وتضيف: «هناك أطفال أصغر سناً من ولدي يعملون معه في ذات ورشة الخياطة، ولهذا ينبغي على المنظمات المعنية بشؤون الأطفال تأمين واقع أفضل لهم بدلاً من إصدار بياناتٍ حول عددهم».
وتتابع: «الأجر الذي يحصل عليه ابني زهيد جداً مقارنة مع الكبار وغلاء المعيشة في البلاد، إلا أننا مجبرون على القبول بذلك من أجل تأمين متطلبات حياتنا بعد رحيل زوجي».
وقد يكون العمل في ورشةٍ للخياطة، أفضل بكثير من العمل في أعمال البناء التي تتطلب رفع أوزانٍ ثقيلة ومجهودا كبيرا يفوق طاقة الأطفال، كما تقول والدة طفلٍ آخر يبلغ من العمر 12 عاماً.
وتضيف أن «زوجي مريض، ولا يستطيع أن يعمل، ولذلك اضطر نجلنا إلى العمل مع جارنا في مجال البناء، فهو يساعده في إعادة ترميم البيوت المدمرة جزئياً نتيجة الحرب، ويحصل على أجرٍ مقابل ذلك ليساعدنا في تأمين قوت يومنا».
وتابعت في حديثها لـ«المجلة»: «كنت أتمنى أن يكمل ولدي دراسته. لكن الظروف كانت أكبر من أمنياتنا، فراتبه البسيط يساهم في تأمين حاجاتنا إلى جانب عملي كمربيّة في حضانة أطفال».
وأكدت أن «عمل ابني الكبير شاق، لذلك أخاف عليه ولا أحبّ أن يتعلّق بهذه المهنة، فهو يصعد إلى سطوح مبانٍ عالية ويحمل أوزاناً ثقيلة ترهق جسده الصغير، لكن ما باليد حيلة، فهو يضطر للعمل لمساعدتي في تأمين مصروفنا الشخصي ودفع إيجار البيت، لأنه معيل الأسرة بعد مرض والده واضطراره للتوقف عن عمله كسائق سيارة أجرة».

ضبط وتقنين عمالة الأطفال


وفي وقتٍ سابق هذا العام، اتهمت منظمة العفو الدولية، النظام السوري بعدم تطبيق مذكّرة التفاهم التي أبرمها بالشكل المطلوب، مؤكدةً أن عمالة الأطفال تستمر وتزداد رغم تعهّده بمحاربة هذه الظاهرة.
ولا تقتصر ظاهرة عمالة الأطفال على مناطق النظام فقط، بل تمتد لمناطق أخرى خارجة عن سيطرته، كما هو الحال في مناطق «الإدارة الذاتية» لشمال سوريا وشرقها، إضافة للمناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة المسلّحة المدعومة من تركيا.
وفي هذه المناطق أيضاً يعمل آلاف الأطفال في مهنٍ مختلفة لإعالة أسرهم خاصة المقيمين في مخيماتٍ للنازحين تقع شمال غربي سوريا وشرقها. وهم على الأغلب يعملون في قطف المحاصيل الزراعية والمهنٍ الصناعية.
وأصدرت «الإدارة الذاتية» التي تشمل مناطقها كامل محافظتي الرقة والحسكة، بالإضافة لأجزاء من محافظتي حلب ودير الزور، أواخر مارس (آذار) الماضي، تعميماً يتضمن مجموعة من الشروط لضبط وتقنين عمالة الأطفال في كامل مناطقها.
وحرص مكتب «حماية الطفل» لدى «الإدارة الذاتية» على منع الأطفال دون سن العاشرة من العمل نهائياً. وأرغم أرباب عملهم في بعض الحالات التي سمح فيها بعمالة الأطفال إلى مراقبتهم خلال العمل مع الأقارب أو الأسرة العاملة في الزراعة بشرط أن تتراوح أعمارهم بين 10 و15 عاماً وأن لا يكون العمل «خطراً» على صحتهم، كما في حالة المهن التي تتطلب رفع الأوزان الصلبة أو المتعلقة بالبناء أو تلك التي تتطلب التعامل مع آلاتٍ حادّة.
وتكشف تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) أن 90 في المائة من أطفال سوريا يستحقون الدعم بعد 10 سنوات من الحرب، وتصف عمالة الأطفال على أنها «مشكلة واسعة الانتشار وأكثر تعقيداً من بين مشكلات حماية الطفل».
وورد في تقرير المنظمة الدولية أيضاً أن حوالي 2.45 مليون طفل في الداخل السوري و750 ألف طفل سوري إضافي في الدول المجاورة لا يذهبون إلى المدارس، و40 في المائة منهم من الفتيات، وهو ما يعني بقاءهم في المنازل أو دخولهم إلى سوق العمل في بلدهم أو الدول التي لجأوا إليها، ولا توجد أرقام دقيقة عن أعدادهم أو ظروف عملهم.
وإلى جانب عمالة الأطفال في الورشات الصناعية، لا تخلو شوارع المدن السورية من المتسولين، حيث يبيع أطفال لا يتعدى عمرهم العشر سنوات، علب المحارم والمياه المعدنية والعلكة وغيرها من المواد البسيطة، وهم يتسولون المال والطعام من المارة ويمكن ملاحظة أعدادهم التي تضاعفت خلال فترة الحرب.
وتتفاقم هذه الظاهرة في مختلف المناطق السورية، بالتزامن مع غياب المراقبة والنظام والمؤسسات والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الطفل نتيجة العمليات العسكرية التي تشهدها البلاد، حيث شكل خطف بعض العاملين في تلك المؤسسات لمرات عديدة سبباً لتوقف بعضها عن العمل، مما أدى إلى غياب الرقابة عن هذه الظاهرة التي تهدد بضياع جيل كاملٍ من الأطفال السوريين بعد توقفهم عن التعليم ليصبح الشارع هو منزلهم ومدرستهم.
وأكدت منظمة اليونيسيف في تقرير لها أن الظروف التي رافقت تفشي فيروس كورونا، تدفع 90 في المائة من الأطفال السوريين «نحو حافة الهاوية»، خاصة أولئك الذين يضطرون للعمل مع عائلاتهم في أعمالٍ موسمية في الدول المجاورة لسوريا مثل الأردن وتركيا وكُردستان العراق، ولبنان الذي يتحمل فيه الأطفال اللاجئون الجزء الأكبر من أعباء الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يشهدها، فثلاثون في المائة منهم من الذين تتراوح أعمارهم بين 6 سنوات و17 عاماً، لم يدخلوا المدرسة نهائياً بعدما انخفض معدل الالتحاق بالمدارس الابتدائية للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و14 عاما بنسبة 25 في المائة عام 2021 فقط.
وبلغ عدد الأطفال السوريين اللاجئين المنخرطين في سوق العمل في لبنان ما لا يقل عن 27.825 طفلا، وفتاة واحدة من أصل كل خمس فتيات تتراوح أعمارهن بين 15 و19 عاما متزوجة، بحسب آخر إحصائيةٍ أصدرتها اليونيسيف.

سوريون يروون لـ«المجلة» حكايات قاسية دمّرت صحتهم النفسية

 

قتل الطفولة

ويترتب على ظاهرة عمالة الأطفال نتائج كثيرة تؤثر على المجتمع بشكل عام وعلى الطفل نفسه بشكل خاص، وتحدثت عن هذه القضية الاستشارية والمعالجة النفسية كارولين عزّام التي أكدت أنها ظاهرة تقتل الطفولة وتفكك الروابط الأسرية، وتخرب بنيان المجتمع بشكل عام.
وركزت في حديث لـ«المجلة» على الأضرار النفسية والجسدية التي يعاني منها الطفل العامل الذي يكون دائماً عرضة للإصابة بضرر جسدي، خاصة إذا عمل في مجالات لا تناسب حجمه وقدراته كالعمل على آلات ثقيلة أو استخدام وسائل حادة، إضافة إلى «الأضرار النفسية التي تؤثر على جميع الأطفال العاملين نتيجة خسارتهم لطفولتهم والعيش في حاجة وحرمان، وكذلك تعرضهم للاستغلال والتعب وغياب الاستقرار النفسي والأمان، فحتى لو كانوا أطفالاً فإنهم يدركون ما يعيشون به ويعلمون خسارتهم لطفولتهم ولأبسط حقوقهم الإنسانية».
ولفتت إلى أن «أخطر ما يعيشه الطفل في الشارع، الاستغلال الجنسي وإجبارهم على القيام بأفعال ومشاهدة أمور لا تناسب أعمارهم، حيث يستغل بعض أرباب العمل خوف الأطفال من الإبلاغ عنهم وجهلهم بما يحدث معهم وخشيتهم من خسارة العمل ويقدمون على أفعال خطيرة تترك أثاراً كبيرة عند الطفل مهما كان عمره».
وأضافت أن «عمل الأطفال ووجودهم دائماً في الشوارع يجعلهم على تماس مع عصابات وجماعات إجرامية تقوم بأعمال السرقة والنشل، فيستغلون حاجة الأطفال للمال وجهل الأهل بما يحدث، مما يعرض حياة الأطفال للخطر الجسدي والنفسي، وفي أسوأ الحالات إلى الموت».
وتُعرّف الأمم المتحدة «عمالة الأطفال» بأنها أعمال تضع عبئا ثقيلًا على الأطفال وتعرض حياتهم للخطر، وتعتبر ذلك انتهاكًا للقانون الدولي والتشريعات الوطنية، فهي إما تحرم الأطفال من التعليم وإما تتطلب منهم تحمل العبء المزدوج المتمثل في الدراسة والعمل في آنٍ واحد، ولكن يبدو أن أطفال سوريا في الداخل والخارج سيواصلون دفع ثمن باهظ لفشل العالم في إنهاء الحرب وعدم الوصول إلى حلّ سياسي جذري للأزمة، وعودة تنفيذ القوانين والالتزامات الدولية لإنقاذ جيل كامل غير متعلم وبات مستهلكاً غير منتج أو مستقر في المجتمع.

العقوبات الاقتصادية على سوريا... هل تخنق النظام أم الشعب؟

مقالات ذات صلة