روسيا تستغل الفوضى الداخلية في جورجيا لمصالحها في جنوب القوقاز

هل ستفسح الولايات المتّحدة المجال لهيمنة روسيّة في أوراسيا؟
- عضو في لجنة الانتخابات يساعد امرأة على الإدلاء بصوتها في مركز اقتراع خلال الانتخابات البلدية الوطنية في تبليسي، جورجيا، السبت 2 أكتوبر 2021 (أ.ب)

نظّمت جورجيا في الثّاني من أكتوبر (تشرين الأوّل) الجولة الأولى من انتخاباتها البلديّة في جو غير مسبوق من التوتر. وشكّلت الأزمات السياسيّة المتواصلة وتوتّر العلاقات مع الحلفاء الغربيّين وجائحة كورونا خلفيّةً للانتخابات التي لم تكن لتكون ذات أهميّة عظمى لولا هذه الظروف الاستثنائيّة. فقد بقيت جورجيا لأسابيع في الفترة بين شهري أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) تتصدّر لائحة الوفيات الناتجة عن فيروس كورونا نسبة لعدد سكّانها، وساهمت الجائحة المستعرة مع انخفاض معدّلات التطعيم ضدّ الفيروس في إبقائها على لائحة الدول «الممنوعة زيارتها»في معظم الدّول الغربية، الأمر الذي صعّب حضور بعثات المراقبة كما جرت العادة في انتخابات البلاد. ولكنّ الوضع المضطرب الذي وصلت إليه جورجيا اليوم ناتجٌ عما حدث قبل الانتخابات وجعل ديمقراطيتها ومستقبلها الأورواطلسي أبعد ما يكون عن الضمان والاستقرار.

 

نفور الحلفاء الغربيين

أظهر تسريبٌ كبير لجهاز أمن الدولة الجورجي الشهر الفائت أنّ الحكومة كانت تتنصّت على دبلوماسيّين وإعلاميين ورجال دين وشخصيّات بارزة أخرى أبرزهم من سفارتي الولايات المتّحدة وإسرائيل وعدد من البعثات الأوروبيّة في البلاد، فأوصلت هذه الفضيحة سوء العلاقات بين جورجيا وحلفائها الغربيّين إلى الذروة.

وفي ربيع 2021، وبعد أزمة برلمانية دامت لأشهر- قاطعت خلالها الأحزاب المعارضة البرلمان بعد انتخابات أخرى حامية- نجح رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال في التوصّل إلى تسوية بين الحزب الحاكم والبرلمانيين المعارضين.

وألزمت هذه التسوية حكومة الحلم الجورجيّ بالدعوة لانتخابات برلمانية مبكّرة إذا حصدت أقلّ من 43 في المائة من الأصوات في الانتخابات البلديّة المقرّرة في الثاني من أكتوبر (تشرين الأوّل).  وقع حزب الحلم الجورجيّ ومعظم البرلمانيين المعارضين التسوية وانتهت المقاطعة مؤقّتًا، ولكنّ الحزب الحاكم عاد وتنكّر للتسوية وتراجع عن التزاماته قبيل الانتخابات رغم محاولات ميشال المستمرّة لإنقاذها.

وقرّرت الحكومة الجورجيّة أيضًا قبل الانتخابات رفض مساعدة أوروبية بقيمة 75 مليون يورو لعدم رغبتها في تحقيق شرط إصلاح النظام القضائي المرتبط بالمساعدة.

وادّعى رئيس حكومة جورجيا أنّ اقتصاد البلاد بحالة جيّدة وأنّه لا يحتاج أيّ تمويل. ولكنّ تصريح بعثة الاتحاد الأوروبي بخصوص هذا القرار تحدّث بصراحة عن عدم تحقيق الشروط الإصلاحية المطلوبة، ونصّ على التّالي: «نحترم قرار السلطات الجورجيّة، ولكنّنا في الوقت عينه نلفت إلى أنّ جورجيا فشلت في تنفيذ شرط تعزيز استقلاليّة ومحاسبة ونوعيّة النظام القضائي المرتبط بهذه المساعدة المالية الكبيرة».

 

توقيت خاطئ للتملّص من الاتفاقات

لم يتردّد مسؤولو الحكومة الجورجيّة في الأشهر القليلة الماضية في الردّ على الانتقادات البنّاءة التي وجهها نظراؤهم الأميركيون والأوروبيون، ولم يخجلوا أيضًا من القيام بخطواتٍ مريبة على صعيد السياسة الخارجية؛ ففي أغسطس (آب) الفائت، بدأ جهاز أمن الدولة الجورجيّ بالتعاون رسميًا مع لجنة أمن الدولة لجمهورية بيلاروسيا بموجب اتفاقيّة تعاون وقعها الطرفان عام 2016 ودخلت حيّز التنفيذ هذا العام.

وتشير المصادر الجورجيّة إلى أنّ الاتفاقيّة شاملة وتنصّ على التّالي: «تشمل هذه الاتفاقية تبادل المعلومات المتعلّقة بالإرهاب والتطرّف والمنظّمات الانفصالية والأفراد الذين يحضّرون لعمليّات إرهابية وأفعال أخرى تهدّد أمن البلدين. علاوة على ذلك، يستطيع البلدان بموجبها إرسال ممثلين/ ملحقين أمنيين إلى أراضي الطرف الثاني». وتشير الاتفاقيّة أيضًا إلى أنّ وكالتين أمنيّتين ستتوليان تنظيم اجتماعات العمل ودراسة الزيارات والمؤتمرات وتنفيذ البرامج والتدريبات المشتركة ومساعدة البلدين عبر توفير جميع الوسائل والمعدّات التقنية.

ويثير القرار بتوقيع هذه الاتفاقية المزيد من الريبة في المشهد العالمي في ظلّ استمرار العقوبات الغربيّة على بيلاروسيا لانتهاكاتها في مجال حقوق الإنسان واضطهاد المجموعات المعارضة. وكانت الولايات المتّحدة الأميركيّة قد فرضت مجموعة جديدة من العقوبات على بيلاروسيا قبل دخول الاتفاق الجورجيّ- البيلاروسي حيّز التنفيذ. وفي المقابل، عمدت روسيا وبيلاروسيا العام الماضي إلى تعميق تحالفهما وتعزيز الدمج بين قواتهما العسكرية وبنيتهما التحتية الأمنية.

وتعني هذه الاتفاقية بالدّرجة الأولى أنّ جورجيا ستتشارك معلومات حسّاسة مع روسيا عبر بيلاروسيا، مما سيزيد التوتّر مع حلفائها الغربيّين ولا سيّما بعد الأخبار الأخيرة حول التنصّت غير الشرعي والذي يقود إلى استنتاج بسيط: إذا كانت الأجهزة الأمنية الجورجيّة تتجسّس عليهم، فإن هذا يعني أنّ الأجهزة الأمنية البيلاروسيّة والروسية تتجسّس أيضًا. وساهم هذا الأمر في زعزعة ثقة حلفاء جورجيا الغربيين الذين من المفترض أن يساعدوها على تحقيق طموحها بالانضمام إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي.

عاد الرئيس السابق لجورجيا ميخائيل ساكاشفيلي (ميشا) بعد 9 سنواتٍ عاشها في المنفى (رويترز)

قضيّة ميخائيل ساكاشفيلي

شهد الأوّل من أكتوبر عودة الرئيس السابق لجورجيا ميخائيل ساكاشفيلي (ميشا) بعد تسع سنواتٍ عاشها في المنفى. عند خروج حزبه من السلطة عام 2012، أطلقت حكومة الحلم الجورجي بقيادة الملياردير الأوليغارشي بدزينا إفنشفلي موجة من التحقيقات انتهت أخيرًا بإدانة ساكاشفيلي بإساءة استخدام السلطة والفساد.

وهرب ساكاشفيلي من جورجيا إلى أوكرانيا وحصل على الجنسية الأوكرانية وأسّس حزبه الخاص. في البداية، شغل منصب حاكم أوديسا في عهد زميله السابق في مقاعد الدراسة الرئيس بترو بوروشنكو. ولكنّ العلاقة بينهما ساءت في وقتٍ لاحق بعد أنّ اتّهم ساكاشفيلي بوروشنكو بالفساد وتحوّل إلى ناقدٍ شرسٍ له. 

أُدين ساكاشفيلي لاحقًا علنًا «بمساعدة أعضاء منظّمة خارجة عن القانون والتغطية على نشاطاتهم الجرميّة». وعمد مناصروه في ذلك الوقت إلى إعاقة سيّارة الشرطة التي حضرت لاعتقاله وساعدوه على الهرب وتم بث هذه المشاهد مباشرة على الشاشات. واستطاع ساكاشفيلي خلال مداهمة شقّته الوصول إلى سطح المبنى وادّعى أنّه مستعدّ للموت من أجل أوكرانيا ولكنّه هرب بعدها إلى بولندا وجرّده بوروشنكو من جنسيّته الأوكرانية. 

وبعد خروج بوروشنكو من السلطة، عاد ساكاشفيلي إلى أوكرانيا واستردّ جنسيّته الأوكرانية بقرار من الرئيس فلاديمير زيلينسكي الذي عيّنه في مجلس الإصلاح الوطني. ولكنّه خلال السنوات التسع التي أمضاها في أوكرانيا، كان ميشا يعمل على الترويج لحزبه المعارض «الحركة الوطنية المتّحدة»في جورجيا. 

وكان الرئيس الجورجيّ المنفيّ قبل كلّ انتخابات يدعو إلى إسقاط سلمي للحكومة واعدًا بالعودة إلى جورجيا التي قاد فيها ثورة الزهور عام 2003. ولكن نكث ميشا بوعوده بالعودة إلى بلده الأمّ وأدّى عدم تخلّيه عن دوره في الحركة الوطنيّة المتّحدة إلى إلحاق الضرر بها وخسارتها لفرصتها بإعادة تكوين نفسها والفوز مجدّدًا بالأكثرية البرلمانية. كما أنّ الوقت الذي أمضاه في أوكرانيا لم يمنحه قدر النجاح الذي كان يطمح إليه، حتّى أنّه كان مرشحًا في أبريل (نيسان) 2020  لتولّي منصب نائب رئيس الحكومة الأوكرانية ولكنّ البرلمان رفض تعيينه.

بعدها، قرّر ساكاشفيلي أنّ الوقت قد حان لتحريك المياه الراكدة، فعاد إلى جورجيا وهو يعلم أنّه قد يتم إعتقاله. ويقبع الأخير حاليًا في السجن ويؤمن بأنّه سجينٌ سياسيّ ما دفعه إلى الإضراب عن الطعام. من جهته، دعا الرئيس الأوكراني إلى إطلاق سراحه والسماح له بالعودة إلى أوكرانيا كونه يحمل جنسيّتها. وتصدّرت أخبار اعتقال ميشا عناوين وسائل الإعلام العالمية ولكنّ المجتمع الدولي لم يطلق حتّى اليوم أيّ دعوات جديّة لتحريره.

وأظهرت الانتخابات الأخيرة في جورجيا أنّ الحكومة خسرت الكثير من شعبيتها وأنّ المعارضة بدأت باكتساب المزيد من الزخم، ولكنّ عودة ساكاشفيلي لم تحدث التغيير الذي كان يأمله.

بعد أيّام من اعتقاله، تجمّع مناصروه خارج السجن وطالبوا بإطلاق سراحه ولا تزال هذه المظاهرات مستمرّة وتتوسّع ببطء. ويشتهر ساكاشفيلي بمقاربته الثورية الراديكالية سواء لجهة استئصال الفساد في أوكرانيا أو إنهاء الحكم الحالي في جورجيا، ولذا استمرّ في المطالبة بانتفاضة سلميّة من السجن على نحوٍ غير مفاجئ. ولكنّ لم يتّضح بعد ما إذا كان الشعب الجورجيّ مستعدًا بعد 18 عامًا لثورة أخرى سلميّة أو لأي نوعٍ آخر.

ولم تخف حكومة الحلم الجورجي ازدراءها لميشا وحزبه وأعلنت الرئيسة الجورجيّة سالوميه زورابيشفيلي أنّها لا تنوي العفو عن الرئيس السابق المعتقل. ومن جهته، نشر رئيس الوزراء إراكلي غاريباشفيلي أخيرًا تصريحًا طويلًا في صفحته الرسمية على «فيسبوك»يدّعي فيه أنّ ساكاشفيلي كان يخطّط لانقلاب قبل اعتقاله ودعاه في مقابلة صحافية إلى «تحسين سلوكه»وإلّا ستعمد الحكومة إلى توجيه المزيد من الاتهامات له. ووصف غاريباشفيلي ميشا بالمجنون والمريض خلال المقابلة وزعم أنّه خطّط «لاستفزاز دنيء»يشمل اغتيال عدد من قادة المعارضة، ولكنّ الحكومة نجحت في إحباط هذا السيناريو.

 

الفرص في جورجيا لا زالت قائمة

تتناغم الفوضى الداخلية في جورجيا وتردّي علاقاتها مع الغرب مع الوضع العام في منطقة جنوب القوقاز، حيث دخلت أرمينيا وأذربيجان في حرب قبل عام على الأراضي المتنازع عليها في مرتفعات كراباخ. وسجّلت الولايات المتّحدة الأميركيّة في ذلك الوقت موقفًا محايدًا من النزاع، بينما نجحت كل من روسيا وتركيا في التوصّل إلى اتفاقٍ لوقف إطلاق النّار بين الطرفين. ولقي هذا الاتفاق ترحيبًا خصوصًا أنّه أنهى أسابيع من سفك الدماء في مرتفعات كراباخ. وتسيطر روسيا على 20 في المائة من الأراضي الجورجيّة (على المنطقتين الانفصاليتين أوسيتيا الجنوبية وجمهورية أبخازيا)، ما يعني أنّ موسكو تملك اليوم اليد الطولى في هذه الدول الثلاث بفضل وجودها العسكري وميل ميزان القوّة لصالحها في جنوب القوقاز.

وتعمل إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن ببطء على وضع استراتيجيّة أوراسيّة قويّة ومتماسكة، ولكنّ فرصها في جورجيا لم تتلاشَ بالكامل بعد، لأنّها لا تزال تملك الكثير من الأدوات المؤثّرة والقادرة على كبح جماح الميول البغيضة التي تظهرها حكومة الحلم الجورجي. ويتساءل كثيرون اليوم بالتزامن مع تحضير بايدن لقمّة «من أجل الديمقراطيّة»في ديسمبر (كانون الأوّل) المقبل عما إذا كانت جورجيا ستتلقّى دعوة للحضور. هل تنظر الولايات المتّحدة إلى هذه الأزمة على أنّها إنذار لتفعيل نشاطها من جديد في جنوب القوقاز؟ أم إنّها ستسحب نفسها أكثر من المنطقة تاركة الساحة للهيمنة الروسية الآخذة في التوسّع؟