ورقة اللاورقة وتسويق الوهم

نشرت إحدى الصحف العربية نسخة من ورقة «اللاورقة»التي قدمتها المملكة الهاشمية الأردنية للإدارة الأميركية والدول المعنية بالملف السوري على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، والتي تتضمن مقترحات للحل في سوريا كما يراه الأردن.

وإذ اعتبرت الورقة المقدمة أن «تغيير النظام هدف غير فعال»، فإنها اقترحت التعامل من جديد مع نظام بشار الأسد ضمن خطة مبنية على مبدأ «خطوة مقابل خطوة».

وإن كان لافتا للمتابعين أن تسمية الورقة الأردنية «اللاورقة»ما هو إلا انعكاس لرغبة الأردن في إبقاء رؤيتها في إطار الطرح غير الرسمي والقابل للنقاش والتعديل. ولكن وكما سرب عن هذه الورقة اللاورقة، فإن عمان ترى أن تغيير النظام ليس هدفا فعالا، إلا أنها وفي الوقت نفسه ترى ضرورة إيجاد حل سياسي مبني على القرار الأممي 2254، ولكن لم تفسر عمان كيف من الممكن تطبيق القرار 2254 الذي ينص على دعم عملية سياسية بقيادة سورية وقيام حكم ذي مصداقية يشمل الجميع ولا يقوم على الطائفية، وفي نفس الوقت من دون تغير النظام؟

وإذ ترى عمان من خلال «اللاورقة»أن النهج الحالي للتعامل مع القضية السورية كان له ثمن مكلف، إلا أنها تجاهلت أن الكلفة الأكبر دفعتها سوريا والسوريون دون أن ننكر الأعباء التي وقعت على كاهل دول الجوار.

إلا إن كانت الخسائر الاقتصادية جراء إغلاق الحدود بالمفهوم الأردني أكبر من خسائر مئات آلاف السوريين لحياتهم عدا الدمار الذي لحق بسوريا نتيجة استخدام نظام الأسد نفسه جميع أنواع الأسلحة بما في ذلك السلاح الكيماوي.

بعض الفقرات المسربة من المقترح الأردني غامضة لدرجة الاستفزاز، فمثلا وبحسب المقترح الأردني؛ فإن النهج الجديد «المعتمد»يقدم حوافز للنظام مقابل الإجراءات المطلوبة والتغييرات السياسية التي سيكون لها تأثير مباشر على الشعب السوري، وأنه سيتم تحديد «العروض»للنظام بعناية مقابل «الطلبات»التي ستطرح عليه، فهل نتحدث مثلا عن تخفيف العقوبات عن نظام الأسد وشركائه مقابل تخفيف ساعات تعذيب المعتقلين في سجون النظام؟ أم نتحدث مثلا عن التطبيع مع الأسد مقابل تعهد منه بوقف ملاحقة أقارب وجيران معارضيه؟ أم قد يكون المطلوب هو عفو عن مجازر الأسد الكيماوية وغير الكيماوية مقابل عفو الأسد عن معتقلي الرأي؟ أي عناية تلك التي تتحدث عنها اللاورقة في التعامل مع نظام لم يسلم أحد من شروره، بما في ذلك الأردن نفسه ونظامه؟

في الجانب الإنساني مثلا تتحدث اللاورقة عن تقديم عروض من قبل المجتمع الدولي للنظام السوري وهي إرسال مساعدات صحية إلى سوريا، بما في ذلك المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، هل يعقل أن الأردن لا يعرف أن المساعدات الطبية لا تطبق عليها العقوبات؟ هل يعقل أن الأردن لا يعرف أن المساعدات الطبية لم تتوقف وما اللقاحات المضادة لكورونا إلا مثال بسيط على ذلك؟ أم إن من أعد الورقة اللاورقة أراد أن يظهر أن السوريين في المناطق الخاضعة لسلطة بشار هم ضحايا العقوبات الدولية وليسوا ضحايا بشار ونظامه وفساده؟

أما في الجانب السياسي، فقد طالبت اللاورقة مثلا باعتماد«دستور معادة صياغته على أساس مسار اللجنة الدستورية، الإفراج عن المعتقلين والسجناء السياسيين وكشف مصير المفقودين، والموافقة على تشكيل هيئة حكم انتقالية أو شكل حكم حقيقي يؤدي إلى حكم أكثر شمولاً في سوريا، وإجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة تؤدي إلى تشكيل حكومة شاملة». كل ذلك مقابل رفع العقوبات عن النظام والتطبيع معه وإعادة العلاقات وعودته إلى المحافل الدولية، يبدو أن مفهوم الجريمة والعقاب كما مفهوم العدالة هو الغائب الأكبر عن التفكير الأردني، عدا عن أن منطق الأمور ببساطة يتعاكس مع ما تطرحه اللاورقة، فكيف يمكن الحفاظ على نظام وتشكيل حكم انتقالي في الوقت نفسه؟ وحده من صاغ اللاورقة يعرف كيف يحل هذه المعضلة، أم إنه صاغها ليقول «ها أنا هنا».

أما فيما يتعلق بفقرة انسحاب القوى الأجنبية من سوريا فقد حددت اللاورقة مثلا أن يطالب النظام إيران رسميا والميليشيات الموالية لها بالانسحاب من سوريا، ولكن لم تذكر اللاورقة لماذا سيطالب النظام إيران بالانسحاب؟ ولماذا ستلتزم إيران بالانسحاب إن كان الجميع يهرول للتطبيع مع الأسد وطهران دون أن يقدم أي منهما أي «تنازل»يذكر؟

وفي ما يتعلق بموضوع مكافحة الإرهاب، فوفقا لـ«اللاورقة»الأردنية، المطلوب هو التعاون بين النظام السوري مع التحالف الدولي في مواجهة العناصر الإرهابية في شرقي سوريا والمناطق الخاضعة لسيطرة النظام جنوبي سوريا والصحراء، ولكن يبدو أن كاتب الورقة اللاورقة نسي أن حكم إدانة بحق النظام السوري قد صدر عن محكمة أميركية بعدما أثبتت المحكمة ضلوع النظام في التفجيرات الدامية التي ضربت العاصمة عمان عام 2005.

يبقى الغائب الأكبر والأبرز عن ورقة اللاورقة الأردنية هو الشعب السوري، حيث إن الطرح الأردني لم يذكر شيئا عما عانى منه السوريون ولا عن الضحايا، ولم يتم ذكر مأساتهم إلا كورقة مساومة وتبادل مصالح مع الأسد، ولكن لا عجب إن كانت المعارضة السورية والتي تدعي تمثيل الشعب السوري الطامح للحرية صامتة صمت القبور وغائبة عن المشهد، وإن كان تم ذكر قوات سوريا الديمقراطية في الطرح الأردني، فهذا لحسابات ليست بعيدة عن المساومات الإقليمية والدولية.