تانغو إيران مع الغرب

لطالما شكلت إيران عنصر اهتمام غربي في كل المحطات السياسية الإقليمية والعالمية قبل وخلال وبعد الحرب الباردة التي عاشها العالم حتى سقوط الاتحاد السوفياتي أواخر القرن الماضي. حتى بعد أن نجح الإمام الخميني في انتزع السلطة- أولا من الشاه حليف الغرب والأميركيين، وثانيا من الأحزاب اليسارية الإيرانية التي شاركت بشكل فاعل في تلك الثورة- ظلت العلاقات السرية والمفاوضات قائمة بين إيران والغرب. من احتلال السفارة الأميركية في طهران، لحرب الخليج، مرورا بـ«إيران غيت»،واحتلال العراق، وصولا إلى الاتفاق النووي مع أوباما ومحاولة إعادة إحيائها من قبل إدارة الرئيس بايدن، شهدت العلاقات الأميركية الإيرانية لحظات تعاون وتقارب بين «العدوين اللدودين»حكمتها أولا وآخرا مصلحة البلدين.

تعامل إيران مع الغرب كان غير تقليدي منذ حكم الإمام الخميني لها، وقام  بالأساس على ابتزازه من خلال استعمال جماعات إرهابية تتحكم بها أو تستعملها لأهداف استراتيجية معينة. الخطف مثلا كان من الأدوات المهمّة في طريقة العمل الإيراني وتعاطيه مع الغرب كما شهدنا في لبنان أيام فوضى الحرب الأهلية، وهناك أيضا التفجيرات كالتي هزّت فرنسا في الثمانينات من القرن الماضي أو الاغتيالات كما في العراق الذي شهد عمليات ضد الجيش الأميركي.

وقد حرصت إيران على استعمال طرف ثالث في عملياتها الإرهابية: الجهاد الإسلامي في لبنان أيام الحرب الأهلية بقيادة عماد مغنية، وفي بوينس أيريس وتفجيرات أميا، وجماعة فؤاد علي صالح في باريس، والحشد الشعبي في العراق، وغيرهم من الجماعات المرتبطة بها؛ إما عقائديا كما حزب الله وإما ماليا كما حماس والجهاد الإسلامي، وهذا كله كي لا يكون هناك خيط مباشر بين الاعتداءات التي تقع ونظام الملالي في طهران. الغرب الذي كان يعرف أن إيران تقف في مكان ما وراء تلك الهجمات كان غالبا يغض النظر عن مواجهتها وغالبا ما كان يلبي مطالبها حرصا منه على إعادة الهدوء إلى شوارع عواصمه، وفي بعض الحالات كانت هناك رغبة بعدم إضعاف هذا النظام إلى درجة يصير معها الانقلاب عليه سهلا، هذه مثلا كانت استراتيجية الرئيس السابق كارتر لأغراض السلام الذي كان يبحث عنه في الشرق الأوسط، وأيضا الرئيس أوباما والتي يتبعها الرئيس الحالي بايدن رغبة منه في خلق نوع من التوازن بين «الشيعة والسنة»في المنطقة من دون أن يفضي هذا التنافس إلى حرب على حسب ما قاله أوباما لجيفري غولدبرغ في حديث أدلى به لبلومبرغ في آخر عام رئاسته. الاستثناء الوحيد لتلك السياسة الغريبة المتساهلة مع إيران التي تحكمت في علاقتها مع الغرب أي عداوة لا تفضي إلى حرب، وتعاون لا يفضي إلى سلم، كان قيام الرئيس ترامب بإعطاء الأوامر باغتيال قاسم سليماني.

إيران كانت تعرف منذ احتلال السفارة الأميركية في طهران لمدة 444 يوما أن الغرب والأميركيين رسموا حدودا حمراء حول موضوع سقوط النظام، وتصرفت إيران مذ ذاك الوقت على هذا الأساس، بمعنى أنها كانت تدرك تماما أن محاورتها للغرب وإن كانت بشكل عنفي لن تقود إلى قرار منه بالتخلص من نظامها. عرف حكام إيران قراءة ما بين السطور. لم يعط سليماني الضوء الأخضر لميليشياته في العراق بالهجوم على الأميركيين إلا عندما تأكد أن حرب الرئيس بوش في المنطقة لن تشمل طهران، وأن تلك الأعداد الهائلة للجيش الأميركي لن تكون موجهة ضده وطبعا بعد سقوط صدام والنظام العراقي بأكمله. هذا ينطبق على كل تصرفات الإدارة الإيرانية التي لا تواجه خصومها بالمباشر بل دائما خلال طرف ثالث وبالإرهاب.

إذن إيران تنطلق في تعاطيها الإقليمي من قناعتها، وبعد خبرة طويلة عمرها من عمر ثورة الإمام الخميني، أن الغرب لا يريد تغيير النظام فيها. لذا ما تقوم به في لبنان مثلا وإن كان لا يحظى برضا الغرب لكنه من دون شك لن يلقى اعتراضا منها. عندما يأتي وزير خارجية إيران عبد اللهيان ويعرض بناء معامل للكهرباء، وعندما يعلن أمين عام حزب الله أنه يجب على اللبنانيين عدم الخوف من الأميركيين فهم يعرفون مسبقا أن كل ما يقومون به لن يعترض عليه الأميركيون. وهم يستفيدون من العداء الظاهر للولايات المتحدة الأميركية ويوظفون تغاضيها عن أفعالهم في خانة الانتصارات الوهمية. عندما قررت أميركا اغتيال سليماني كل ما فعلته إيران كان دفن الرأس في الرمال والتضرع لله من أجل خسارة ترامب الانتخابات الرئاسية الأميركية.

لا أحد في العالم يعتقد أن إيران ند للولايات المتحدة، ولا حتى الإيرانيون أنفسهم، إنما ولأسباب تتعلق بقراءة الأخيرة للشرق الأوسط يعرفون أنها متساهلة معهم ويستغلون هذا التساهل لأغراض دعائية فقط لا غير.

ما تفعله إيران اليوم في لبنان هو برضا أميركي وغربي. وفي هذا المجال لا يخفي الرئيس الفرنسي ماكرون رغبة بلاده في التعامل مع حزب الله بالذات، وهذا ما سيحصل مع استلامه وزارة الأشغال العامة والتي إذا ما التزم الفرنسيون بوعد بالمليارات الـ11 في مؤتمر سيدر سيكون لها حصة الأسد منها.

هل يجب أن نتعجب نحن اللبنانيين من تلك التطورات التي تغض النظر عن وقوع لبنان تحت سيطرة إيران؟ اعتراض الغرب الشفهي واستعداده تمويل «المجتمع المدني»بملايين الدولارات من أجل خوضه الانتخابات النيابية ليست إلا لحفظ ماء وجهه، فهو اليوم- أكثر من أي وقت مضى- معني فقط بالحفاظ على مصالحه فقط، وإن مرّت عبر إيران وحزب الله في لبنان.

هذا حصل قبلا مع تسليم الأميركيين لبنان لحافظ الأسد مقابل تأييده ومشاركته في معركة تحرير الكويت من قوات خصمه اللدود صدام حسين، وهذا يحصل منذ مدة مع رغبة الغرب في أن يكون إيران لاعبا فاعلا في الشرق الأوسط ولو على حساب بلاد الأرز.