مثقّفو دمشق ينشدون ضالّتهم على الأرصفة

رصيف للمارة وللكلمة
الدوريات والمجلات الرائجة («المجلة»)
مجلات في إحدى بسطات دمشق («المجلة»)
مكتبة الأسد في دمشق
بسطة كتب تحت جسر الرئيس وسط العاصمة دمشق («المجلة»)

دمشق: تشكل الكتب والإنتاجات الثقافية بأنواعها، شكلاً من أشكال الغنى الثقافي للبلدان، ومؤشر الغنى يوضح حال البلد المعرفي والثقافي والتنموي من خلال الإنتاجات كماً ونوعاً، إلا أن حال الإنتاجات هذه اختلف منذ 10 سنوات في سوريا، وبات الإنتاج ضرباً من الرفاهية في بلد تعصف به أزمات اقتصادية واجتماعية، وحالة من عدم الاستقرار بالمجمل.

تتعدد البسطات والزبون واحد


تكثر بسطات الكتب (بضائع لباعة يفترشون الطرق) في الشوارع الرئيسية في العاصمة دمشق، فيما تغيب بعض الشيء عن باقي المحافظات، البعض يعتبر بسطة الكتب نوعا من إهانة الثقافة والمعرفة، فيما يراه آخرون نوعا من العمل بغض النظر عما يباع، فهي حاجات للإنسان، وكل شخص حر بما يريد أن يشتريه من حاجاته ومن أي مكان شاء.
وهناك من يقول إن سعر الكتاب على البسطة أرخص بكثير من سعره في المكتبات، وطبعا الحديث هنا عن الكتب الأصلية والصادرة عن دور النشر، أما بالنسبة للكتب المقلدة، فالأمر مغاير، فالكثير ممن لديهم القدرة على شراء الكتب الأصلية، يجدون أن المقلد إهانة للحقوق والنشر، في حين أن القراء العاديين لهم الحق بشراء الكتاب حتى لو كان مقلداً ويعود ذلك للأسعار الكبيرة للكتب الأصلية.
أبو شادي، صاحب بسطة في شارع 26 أيار الواصل بين ساحة السبع بحرات وساحة المحافظة في دمشق، قال لـ«المجلة» إن لديه العديد من الدوريات الشهرية ونصف الشهرية والموسمية، منها ما هو معروف ويلقى رواجاً بين الناس مثل دوريات عالم المعرفة وناشيونال جيوغرافيك، ومنها ما يأتي به بطلب من الزبائن.
بالنسبة لأبو شادي فإن الإتيان بمثل هذه الدوريات يعود لسبب مادي بحت فهو يجلبها من بيروت بسعرها العادي، ويقوم برفع الثمن بشكل يحافظ فيه على الزبون ويتناسب مع الواقع الاقتصادي، أما عن الدوريات التي يكون قد مر عليها الوقت، فيبيعها بثمن أرخص عما كانت عليه، كي يستطيع الاستفادة منها بعيدا عن بسطته.
ويضيف أبو شادي أن في بسطته العديد من الروايات التي تلقى رواجاً بين أوساط الشباب في الوقت الحالي، خاصة وأن هناك عددا لا بأس به من الناس يميلون لشراء الكتب من أجل المظاهر لا القراءة، وهذا ما دفع به لعرض كتب تتحدث عن الذكاء العاطفي، وعن تعلم اللغات، وعن بناء القادة والمدراء وغيرها من المطبوعات المتداولة.
يبتعد أبو شادي عن بيع الكتب المقلدة بشكل سيئ ويصرّ على بيع الطبعات الجيدة، فهو يتفقد النسخ ثم يقوم بعرضها على بسطته، مبيناً أنه لجأ لهذا النوع من الكتب المنسوخة لكون أسعارها مناسبة وتباع بشكل أسرع من الكتب الأصلية التي ارتفع سعرها بشكل كبير لكونها تتوازى مع سعر الصرف.
أما بالنسبة للكتب المنسوخة أو المقلدة بطريقة غير جيدة أو المختصرة، فهو لا يأتي بها على الإطلاق، لأنها معيبة بحق من يريد القراءة حتى لو كان مستجدا، والأخير أشد عرضة لترك القراءة بعد ذلك، الأمر الذي يخشاه أبو شادي، لأن بيع الكتب والدوريات تحقق له منفعة جيدة مقارنة بغيرها من الأعمال.
يسمي أبو شادي من يأتيه بالزبائن، لا القرّاء، ولا يتعاطى كثيراً مع من يتوقف عند بسطته ، عدا عن بعض رواده ممن يطلبون كتاباً ما أو دورية معينة، فيقوم بمراعاتهم والدردشة معهم حول العمل والحياة بمجملها على عكس أبو طلال صاحب الحديث الثقافي البحت والنقاش الذي يدفع الناس للاقتناع بشيء ما في تفاصيل الحياة.

الأبرز على البسطات...

كتب دينية وتحفيزية وترفيهية وكتب لتعليم اللغات بوقت قياسي ونسخ عن الأبراج، مع بعض الروايات الرائجة ذات العناوين الرنانة، هي الأكثر رواجاً على البسطات، لكونها تساهم في زيادة المبيعات، فأصحاب البسطات هم بائعون وجدوا بيع الكتب على الرصيف مهنة مناسبة بعيدا عن تجارات البسطات الرائجة.
بعض المكتبات أيضاً وجدت في الكتب آنفة الذكر طريقة لبيع الكتب بسرعة قياسية، وتحديدا المطبوعات بخسة الثمن، غير المكلفة، فراحت تتلقف الكتب صاحبة العناوين المطروقة، بعيدا عن الكتب السورية ودور نشرها، ومن هذه المكتبات من افترشت الطريق أيضا ووضعت بسطات عند أبوابها.
ويرى خبراء بحسب بحث علمي باسم «عن العمل الثقافي السوري في سنوات الجمر» نفذته دار ممدوح عدوان للطباعة والنشر، لصالح مؤسسة اتجاهات، أن الإنتاج الأدبي يعاني من ارتفاع التكاليف وصعوبة الإنتاج، بالتوازي مع تراجع كمي للنسخ المطبوعة من قبل المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، وذلك في بيئة غير مستقرة يشوبها القلق الفكري والحياتي وانعدام الاستقلالية في العمل والتفكير عند الكتّاب، مع غياب متنام لشريحة القراء في المجتمع السوري.
وذكر البحث أن نوع المنتجات الموجودة في السوق السورية ما هي إلا نتيجة لغياب منتجات أدبية جديدة، وتراجع مؤشر الغنى الاقتصادي سواء الكمي أو النوعي حيث كان قبل الأزمة فوق الوسط بـ 2.2 مقابل 1.4 في الوقت الحالي، علماً أن الغنى كان للمنتج الفني والدراما مع فقر في المنتج الأدبي والعلمي
ووجد الخبراء أن مشكلة الإنتاج تعود لغياب شرط الإبداع لدى الكتّاب والمعتمد أساساً على الحرية الفكرية، وأشاروا إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي حولت الأدب إلى نفس رقمي «فيسبوكي» سريع، إضافة لبعض الأعمال من الكتابات الساخرة والتوثيقية.
يقول رؤوف سقباني، أحد الأشخاص الذين يرتادون بسطات الكتب، إن قراءة الكتب متعة كبيرة، فهي أشبه بفيلم وثائقي تراه بعقلك أو رواية ترسم ملامح شخصياتها بمخيلتك، «ومنذ عشرين عاماً كنت أشتري الكتب من مصروفي الخاص ثم من راتبي أتيح جزءاً منه لبعض الكتب لأشتريها من مكتبة النوري أو دار دمشق، لكن اليوم أصبح الوضع مختلفاً، فما لا أجده في المكتبة ألقاه على البسطة».
يتابع رؤوف: «الحالة برمتها اختلفت، هناك تراجع ثقافي كبير، فالكثير أصبح يعتمد على الإنترنت كوسيلة للحصول على المراجع، فيما يتجه آخرون إلى الألعاب والأمور الترفيهية بعيدا عن الواقع المعاش اليوم في سوريا، والكتاب أصبح مدعاة للضحك إذا ما كان بيد شاب في أحد المقاهي».
من جهته يقول العم أبو سامي (اسم مستعار) لصاحب دار نشر عريقة في دمشق، إن الكتب القيمة لم تعد تأتي إلى سوريا إلا في حالات نادرة لصعوبة وصولها وغلاء ثمنها، مع ضعف في الطباعة والترجمة، حيث يتم الاعتماد على الكتب الاستهلاكية التي تحقق الفائدة ويؤمن بها صاحب المطبعة استمرارا لعمله.
ويتابع: «لم يعد هناك وجود للعناوين البارزة أو للمكتبات التي تسعى لجلبها، حتى المعارض التي كانت توفر عروضاً لشراء الكتب بالجملة، لم تعد متاحة لارتفاع التكاليف وصعوبة الاستيراد، ويبين أن الكتب والمطبوعات القديمة التي كانت توجد في المنازل إما استخدمت للزينة أو بيعت بشكل أو بآخر».

عن كتب البحث العلمي

لمى منصور، طالبة ماجستير في كلية الحقوق، تعمل على إتمام رسالتها في القانون الدولي، تبين أنها تأتي بالمراجع والأبحاث المساندة، إما من أصدقاء لها أو من مكاتب في بيروت، لكن ومع انتشار فيروس كورونا فإن الأمر أصبح معقداً شيئاً ما بالنسبة للانتقال بين سوريا ولبنان، حيث إن التكلفة ارتفعت مثل أجرة التاكسي وتحليل «PCR» والإقامة.
وتتابع أن عملها لا يتيح لها كل هذه المصاريف، ولا تريد أن تطلب من أهلها، حيث أصبحت تعتمد على مراجع باللغات الأجنبية أو من مطبوعات منشورة على الإنترنت تحصل عليها بصيغة «PDF»، ووصلت في نهاية المطاف إلى الأرصفة والكتب الموضوعة عليها.
وتقول لمى إن رسالتها تحتاج إلى وفرة في المعلومات، ولم تعد المكتبة الوطنية أو الجامعية تلبي حاجاتها، لافتقارها إلى الكتب القديمة، فبحثها يحتاج لمعلومات قديمة وحديثة، في آن معاً، كي تستطيع تقديمه للجنة في الجامعة ونيل درجة الماجستير، وهذا ما دفعها لقصد كل السبل.
توجهت لمى إلى الرصيف للبحث، ووجدت بعضاً من الكتب، التي شكلت مفاجأة بالنسبة للدكتور المشرف على رسالتها حول الطريقة التي حصلت بها عليهم لاعتمادها كمراجع، وحكت له، القصة كاملة، ليأتي بعدها طلب الدكتور أن تسأل عن بعض الكتب والدوريات علّها تكون موجودة على رصيف من أرصفة الثقافة الدمشقي على حد وصفه.

نوادر في رفوف على الرصيف!


نهاية سبتمبر (أيلول) من عام 2019 انتهت سيرة أكرم كلثوم الملقب بأبو طلال بائع كتب الرصيف تحت جسر الرئيس وسط العاصمة السورية دمشق، تاركاً وراءه الكثير من المنشورات على صفحات التواصل الاجتماعي التي نعته وروت عنه فعائله ولطفه، ولم يعد يصفف الكتب والنوادر المطبوعة التي تغنى بها على مدار عشرين عاماً، كما خسر القراء- حسبما أحب أن يصفهم- نصائحه لهم.
ابن السلمية الحاصل على الشهادة الابتدائية فقط، التفت للكتب بعد تقاعده منتصف التسعينات، علّها تؤمن احتياجاته، ووجد الرصيف مكاناً هادئاً، وسط زحمة الناس والميكروباصات في مركز أساسي للنقل في دمشق، يراه المارة جالساً متصفحاً لأحد كتبه، أو واقفاً ينفض الغبار عن كتبه النادرة، أو متحدثاً لأحدهم ناصحاً له لانتقاء كتاب.
مهنة أبو طلال التي اختارها جاءت مع تراجع الدوريات وطباعة الكتب، لينتقي بعدها النوادر والكتب الأصلية لا الكتب التجارية كما كان يصفها، معتبراً أن طباعة النسخ الأصلية وبيعها بأسعار زهيدة، أمر معيب بحق من كتب وأمن ونشر، فمكتبته «الرصيفية» تحوي فقط المطبوعات الأصلية، وغيرها ذات الصفحات الصفراء القديمة برائحة غبار، يمحوه كل يوم بمنفضته، والتي لا يبتعد عنها طوال النهار، كي يبقي على الحالة الفريدة في مهنته.
كان سعي أكرم، هو الحصول على الكتب من هنا أو هنالك، شخص ما، ورث مكتبة كان يتلقفها، آخر لديه كتب أو وجد شيئا ما ذا قيمة، كان لا يفوتها، فإن لم يقرأها، كان يعطيها لمن هو بحاجة إليها، حتى إنه راح لعرض أشياء على واجهة بسطته وأخرى خبأها، لشخص يستحقها.
لا يرى أبو طلال نفسه مثقفاً بل قارئاً شرهاً للكتب، تحتوي مكتبته في الغالب على الطبعات الأولى، سواء من الروايات العالمية، أو السير الذاتية، والنوادر التي لا يمكن الحصول عليها من بيروت، ونتيجة لذلك اهتم الناس له ولما لديه، حتى إنهم أخذوا مشورته في الكثير من الأحيان في انتقاء حاجاتهم.
العديد من الأشخاص وجدوا عند أبو طلال، ضالتهم من كتاب ممنوع، أو مطبوعة لا وجود لها في مكتبات العاصمة، أو دورية عز وجودها لطالب أو باحث عن المعرفة، فكان «ورّاق دمشق» كما يفضل أن يلقب نفسه، الملجأ للعثور على الكتاب المفقود، مع نصح من قبله في مطبوعة أخرى قد تغني العقل وتضيف للقارئ.
تقول مرح الناطور، وهي ممرضة في إحدى مستشفيات العاصمة، إنها تحب قراءة الروايات على اختلافها العربي أو العالمي، وكانت تقصد زاوية أبو طلال بشكل دوري، حتى بعد أن توفي، لما لديه من كتب قيمة ومثيرة، لتبين أن من استلم البسطة من بعده وعلى قلة خبرته إلا أنها تبحث لتحصل على ما تريد، والاختلاف فقط بالنسبة لها، كانت بالنصيحة التي حصلت عليها سابقاً من أبو طلال، والتي لم تعد موجودة اليوم.
وتتابع، هناك الكثير من المكاتب التي تحوي العديد من المطبوعات المقلدة، وهذا ما لا يثيرها، فهي تحب قراءة الكتاب «الأنتيك» الذي لمسته أياد كثيرة قبلها، فقيمة أي كتاب برأيها، تأتي من عدد المهتمين، فكيف الحال إن كان نفس الكتاب انتقل من قارئ لآخر.
من جهته، يقول أحد المارة، عند سؤاله حول قراءة الكتب ليجيب أن قراءاته تقتصر على كتب الجامعة والمراجع التي يأتي بها في حال كان يقوم بكتابة بحث علمي، ويعتبر كتابة البحث شيئا لا بد منه لاجتياز سنوات الدراسة ليس إلا، في حين لا يعطي بالاً للروايات أو الكتب بسبب اعتقاده أنها نوع من الرفاهية في الوقت الحالي داخل سوريا.
بالعودة إلى مؤشر الاستفادة المجتمعية من الإنتاج الثقافي نقلا عن المركز السوري لبحوث السياسات فإن الحالة كانت فقيرة حتى قبل الأزمة في سوريا، ونوه البحث آنف الذكر، أن الاستفادة من المنتج الثقافي تتيح عدة عوامل أبرزها، الارتباط بالمصلحة العامة ونفاده إلى الأسواق، والتفاعل معه، إضافة لتهيئة البنية التحتية للإنتاج الثقافي.
وعلى الرغم من كل المعلومات التي تحدثت عن ضعف الإنتاج وتراجعه في سوريا، إلا أن الواقع مغاير تماماً في حال وجود أشخاص كالعم أبو طلال، علّهم يوجدون أو يسعون لإيجاد رصيف يتحول بعدها إلى دار نشر أو مكتبة وطنية.

 


مقالات ذات صلة