السعودية أطلقت الاستراتيجية الوطنية للاستثمار... رفع سقف الطموحات لأعلى مستوى

جعل المملكة ضمن أكبر 15 اقتصاداً عالمياً
تركز الاستراتيجية على قطاعات معينة، أهمها الصناعة والطاقة المتجددة والنقل والخدمات اللوجستية والسياحة والبنية التحتية الرقمية والرعاية الصحية

جدة: مع وقوع السعودية في قلب الاقتصاد العالمي، لا يشعر صناع القرار الاقتصادي فيها أن وضعها في دائرة المورد الآمن للطاقة واقتصار النظر إليها من ذلك المنظار، سيكون مرضياً بعد اليوم. ولا يبدو أن الخروج من دائرة الإدمان على النفط، توريداً ودخلاً رئيسياً، سيمر عبر مسارات سهلة أو محسنات بديعية، وبخاصة مع رفع سقف الطموح لأعلى مستوى عبر جعل المملكة ضمن أكبر 15 اقتصاداً في العالم بحسب رؤية المملكة 2030. فالمملكة تطمح للوصول بناتجها الإجمالي المحلي إلى 1.7 تريليون دولار عام 2030، صعوداً من 700 مليار دولار بنهاية عام 2020، الأسوأ تأثيراً على الاقتصاد العالمي برمته. ولكن كيف سيحدث ذلك النمو؟ وكيف ستضيف المملكة 100 مليار دولار إلى ناتجها المحلي سنوياً؟

استثمارات تريليونية في الداخل

وبحسب ما توحي به الأقوال والأفعال، فإن كلمة السر تكمن في تقوية الاقتصاد الداخلي عبر تكثيف الاستثمار الداخلي بالدرجة الأولى، والعمل الجدي على جذب المزيد من الاستثمارات الخارجية. ومن المعروف أن الاستثمار الخارجي لا يأتي إلا بوجود ثقة استثمارية داخلية، مصدرها الحكومة والقطاع الخاص والأفراد، يراقبها الخارج بدقة، ويبني عليها قرارات الاستثمار.
من هنا، أطلق ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، قبل أيام الاستراتيجية الوطنية للاستثمار، الهادفة إلى إبراز وتعزيز قوة المملكة الاستثمارية. إن مهمة الاستراتيجية تتلخص في أن تكون أحد الممكنات الرئيسية لتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030.  
وتعد الاستراتيجية، حصيلة عمل تشارك بين مختلف الوزارات المعنية كالاستثمار والتجارة والسياحة والاقتصاد، إلى جانب قيادات من القطاع الخاص وغيرهم من الخبراء والمستشارين.
أوضح ولي العهد أن المملكة تعتزم ضخ 7.2 تريليون دولار في شرايين الاقتصاد حتى عام 2030، مصادرها تأتي على النحو التالي:
•    800 مليار دولار من صندوق الاستثمارات العامة محصصة للاستثمارات المحلية.
•    1.33 تريليون دولار من مبادرات ومشاريع برنامج «شريك»، وهو يمثل إطار عمل حكومي تعاوني، يقوده ولي العهد، انطلق في مارس (آذار) الماضي، وهو متاح للشركات الخاصة الكبرى فقط ذات المشاريع، التي سيكون لها أثر كبير على الاقتصاد الوطني. وقد سمي بذلك لأنه يجسد روح الشراكة بين القطاعين العام والخاص بصفتها الفلسفة الموجهة للبرنامج.
•    1.06 تريليون دولار من استثمارات الشركات تحت مظلة الاستراتيجية الوطنية للاستثمار.
•    2.66 تريليون دولار من الإنفاق الحكومي من خلال الميزانية العامة للدولة خلال السنوات العشر المقبلة.
•    1.33 من الإنفاق الاستهلاكي الخاص خلال 10 سنوات.

صندوق الاستثمارات العامة يقتحم القطاع العقاري السعودي بمشاريع عملاقة

 

ملامح الاستراتيجية الوطنية للاستثمار

تركز الاستراتيجية على قطاعات معينة، أهمها الصناعة والطاقة المتجددة والنقل والخدمات اللوجستية والسياحة والبنية التحتية الرقمية والرعاية الصحية.
من الملاحظ أن هذه القطاعات نوعية وكثيفة التشغيل، بمعنى أنها قادرة على امتصاص جزء معتبر من القوة العاملة الوطنية، وبخاصة توافد عشرات الآلاف من المواطنين إلى سوق العمل كل عام، لكن الأهم من ذلك أنها قطاعات ذات دخول مجزية. كما أنها فطاعات مستقبلية، تراهن عليها البلاد في تحسين مستوى التنافسية والارتقاء بجودة الحياة والبنية التحتية.
ويقول الخبير الاقتصادي، محمد الرغيس، في تعليق أدلى به إلى «المجلة»: «من المهم أن تترافق هذه الاستثمارات مع تحسين مخرجات التعليم السعودي، بشقيه العام والخاص، من أجل خلق فرص عمل مناسبة للمواطنين، والتأكد من الاستفادة من الخبرات الأجنبية في حدود معقولة، وبخاصة أن أهم أهداف الاستراتيجية هو خفض نسبة البطالة إلى 7 في المائة عام 2030، هبوطاً من 11 إلى 12 في المائة في الفترات الأخيرة».
كما تتطلع الاستراتيجية إلى رفع صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى 103.5 مليار دولار سنوياً مع زيادة الاستثمار المحلي إلى 453 مليار دولار سنوياً بحلول 2030 لتكون نسبة الاستثمار إلى الناتج الإجمالي المحلي السعودي من 22 في المائة عام 2019 إلى 30 في المائة عام 2030.
ويضيف الرغيس: «إن جذب استثمار أجنبي بهذا الحجم، يحتاج إلى تسهيل رحلة المستثمر وتحطيم العوائق البيروقراطية كاملة مع سهولة أكبر في الوصول إلى القطاعات والترويج لها بشكل مثالي عبر المؤتمرات واللقاءات التعريفية حول العالم. كما أن انخراط المملكة في سلاسل القيمة والتوريد العالمية، يرفع الكفاءة الاستثمارية ويفتح الباب أمام المزيد من الشراكات. وكثيراً ما يركز وزير الاستثمار، المهندس خالد الفالح، على سلاسل القيمة والتوريد؛ حتى ضمن قطاعات غير معتادة على المستوى الاستثماري كالثقافة مثلاً، وهي دلالة ذات مغزى على رغبة في الولوج إلى المستقبل في ظل انفتاح غير مسبوق وخطوات تحديثية للاقتصاد ككل».
وبالفعل يجري الحديث حالياً عن إقامة 5 مناطق حرة في أجزاء مختلفة من المملكة من أجل تعزيز حضور المستثمرين الأجانب وسهولة دخولهم وخروجهم من البلاد.

نظرة إلى المستقبل

يعتمد نجاح الاستراتيجية الوطنية للاستثمار على تضافر عدة عوامل، أهمها تماسك أسعار النفط عند حدود معقولة لتعزيز الملاءة المالية للبلاد، تتيح تمويل تلك الاستثمارات، إلى جانب نجاح وزارة الاستثمار في استقطاب شركات أجنبية باستثمارات نوعية مع استقرار البنية التشريعية، وهو ما عملت عليه رؤية المملكة 2030 إبان انطلاقتها قبل 5 سنوات مثل الملكية الكاملة للمستثمرين الأجانب بنسبة 100 في المائة، إلى جانب إعفاءات وحوافز للشركات التي تنقل مقراتها الإقليمية للبلاد.
كما أن الرقابة المتواصلة والشفافية واستمرار جهود مكافحة الفساد الجارية الحالية ووضع قيادات شابة، تتمتع بعقلية حديثة وموجهة استثمارياً، كلها عوامل تدعم نجاح الاستراتيجية الوطنية للاستثمار. ودائماً تبقى الأرقام وتقارير الأداء صاحبة القول الفصل.

المملكة تنافس التطوّر الصناعي العالمي بـ«الدرع العربية»

مقالات ذات صلة