هل سيؤدي الاشتباك الأخير في لبنان إلى اندلاع حرب أهلية جديدة؟

التاريخ يعيد نفسه على أرض المعارك السياسية
جندي من الجيش يساعد تلميذة في الوصول إلى والديها (رويترز)
مقاتلون من حزب الله وحركة أمل يستخدمون بندقية كلاشنيكوف وقاذفة قنابل صاروخية وسط اشتباكات في حي الطيونة، بيروت (أ.ف.ب- غيتي)
أنصار حزب الله وحركة أمل وهم يرددون شعارات ضد القاضي طارق بيطار، خلال مظاهرة في بيروت في 14 أكتوبر 2021 (أ.ب)

بيروت: هذا هو لبنان! أمّة ذات هوية تاريخية وتراث ثقافي، إنّما في ماضٍ حافل بالمعارك. دولة تتصف بتنوّعها الطائفي، لكن مقولبة دائماً في إطار المعارك الطائفية الحزبية.
والنتيجة تستنسخ نفسها منذ عصور؛ التحديث الرئيسي الوحيد هو الأزمة المالية غير المسبوقة التي لم يشهدها لبنان حتى خلال الحرب الأهلية. إذ يُنظر إلى الأزمة الحرجة الحالية على أنها تأتي بعد أزمة تشيلي، التي استغرقت 16 عامًا للتعافي من انهيارها في عام 1926، وأزمة إسبانيا خلال حربها الأهلية في الثلاثينات، والتي استغرقت 26 عامًا للتعافي. هنا، حيث قدّر البنك الدولي أن لبنان قد يستغرق ما بين 12 و19 عامًا للتعافي.
في عالم طبيعي، تتحد السلطات والمواطنون معًا للتغلب على الأزمة، ويتعايشون معًا للتفكير في استراتيجيات مستقبلية لجعل «بيروتهم» تنهض من جديد. إلاّ أنّ الحال في لبنان مختلف؛ فلا يزال الكثيرون يتبعون «قادتهم»، الذين يستخدمونهم لفرض السلطة والقوة في جميع أنحاء البلاد، لتحقيق مكاسب حزبية حتماً لا تعني حقوق الشعب، والانهيار الأخير هو الدليل القاطع.
الاشتباكات اللبنانية ليست جديدة إذن، إنّما في السابق كانت ترتدي الزي الطائفي، فيما اليوم تأتي في إطار السياسة باسم «حماية الطائفة».
الاشتباك الأخير الذي وقع يوم 14 أكتوبر (تشرين الأول) بين أطراف مسلّحة متعارضة حوّل أحياء بيروت إلى منطقة حرب، مما أثار مخاوف المواطنين وسجن الأطفال في مدارسهم. أدى ذلك إلى اندلاع حرب أهلية أخرى، رغم استمرارها لبضعة ساعات. إلاّ أنّ هذه الساعات أعادت اللبنانيين إلى الوراء وإلى سنوات من إراقة الدماء والدمار والعنف.
غير أنه وسط الأحزاب الطائفية، تبقى بعض الأصوات التي تدعو إلى التغيير، وتحقيق استقلالية القضاء وفصله عن السلطات الأخرى. ينتمي هؤلاء إلى غالبية اللبنانيين المستقلين الذين يدعمون المحقق الرئيسي في انفجار بيروت، القاضي طارق بيطار، الوحيد الذي تحدى السلطات من أجل العدالة.
هذا لم يناسب الحزبين الشيعيين- حزب الله المدعوم من إيران، وحليفه حركة أمل، اللذين نظما مظاهرة للمطالبة بإقالة القاضي. هنا وقع الاشتباك وقتل سبعة؛ اتخذ الاشتباك مرة أخرى بعداً طائفياً.
أعاد مشهد الرابع عشر من أكتوبر الصور التي ظلت عالقة في الذكريات اللبنانية عن الحرب الأهلية القاسية التي استمرت منذ عام 1975 وحتى عام 1990 وأودت بحياة 120 ألف مواطن. فهل سيشهد لبنان حرباً أهلية أخرى؟ وماذا عن التحليل المتوقع لتغيير في التحالفات اللبنانية بعد الاشتباك على أساس التحيّز الطائفي؟ وأين تقف التحرّكات المستقلة المدنية؟

جعجع ينفي اتهامات حزب الله بأن جماعته وراء أحداث العنف في بيروت


تداعيات الاشتباكات الأخيرة على تحالف حزب الله والتيار الوطني الحر

توحّد الشارع المسيحي يوم الاشتباك الدامي الأخير، ما يطرح تساؤلاً عن مصير اتفاقية مارمخايل التي وقعها حزب الله وحليفه التيار الوطني الحر في 6 فبراير (شباط) 2006. في هذا الإطار، وبحسب وكالة «رويترز»، قال مصدر مطلّع على التيار الوطني الحر الذي أسسه الرئيس الحالي ميشال عون: «اليوم، هناك مسيحيون يرفضون هذه المشاهد التي تعيد ذكريات الحرب الأهلية وفي ذات الوقت ليسوا سعداء بالطريقة التي يعبر بها الشيعة عن معارضتهم لمسألة القاضي بيطار». فهل تتضرّر مذكرة تفاهم مار مخايل عقب الاشتباك في عين الطيونة؟

""صلاح سلام رئيس تحرير جريدة «اللواء» اللبنانية
صلاح سلام رئيس تحرير جريدة «اللواء» اللبنانية


«المجلة» طرحت السؤال على رئيس تحرير صحيفة «اللواء» صلاح سلام، الذي اعتبر أن من نتائج ما حصل، هو أن المسيحيين توحّدوا حول التصدي لأي طرف يريد أن يخترق مناطقهم حتى من حلفاء التيار؛ مشيراً إلى معلومات خاصة تفيد بأنّ بعض عناصر التيار الوطني كانوا بين المقاتلين في الاشتباك في مواجهة عناصر حزب الله وحركة أمل.
كما رأى سلام أّنّ التيار الوطني الحر وحزب الله وصلا إلى مفترق طرق جديدة. فهناك اختلاف في كثير من الأمور، يتخللها انقسام في المصالح الاستراتيجية التي أصبحت متناقضة؛ واصفاً اتفاق مارمخايل بـ«الورقة بلا نبض»، حيث إنّ «التيار العوني أصبح غير مرتاح لهيمنة حزب الله على الدولة، أو تواجده في سوريا والعراق واليمن». وأضاف، ما يهم التيار الوطني هو اتخاذ خطوات مع الإدارة الأميركية لرفع العقوبات عن رئيسه جبران باسيل، ما قد يفتح له طريق رئاسة الجمهورية. واعتبر سلام أنّ ما حصل في الشارع يوم الخميس، يثير قلق حزب الله لناحية أن يخسر حليفه المسيحي الذي يحتاجه، أي التيار العوني. «فيما باسيل يعتبر أن الوصول إلى قصر بعبدا يكون عبر واشنطن وليس عبر حزب الله كما في حال عون. وهذا من شأنه أن يقضي على اتفاق مار مخايل».
ويرى رئيس تحرير صحيفة «اللواء» أنّ ما حصل في الطيونة الفاصلة بين الشياح (التي يقطن فيها مواطنون من الطائفة الشيعية) وعين الرمانة (التي يقطن فيها مواطنون من الديانة المسيحية)، وضع لبنان على مفترق جديد: الحرب الأهلية أو العودة إلى المؤسسات الدستورية ووضع الأمور في نصابها الصحيح. فيما لا يعتقد أن أحداً من الأطراف الداخلية على استعداد للحرب. «ففائض القوة ليس مقياساً لخوض حرب أو حسم الأمور». وتابع أن خطاب أمين عام حزب الله الأخير، تضمن «تلويحاً بالسيف دون الضرب به»؛ مشيراً إلى أنّه «عندما تحدث نصر الله عن أعداد المقاتلين، وكأنّه يقول تجنبوا الحرب معنا. ولكن لا يعني هذا أنه لم يهدّد خصمه (حزب القوات الذي يتهمه بقتل مواطنين شيعة)».
ورأى سلام أنّ الأنظار تتجه اليوم نحو القاضي بيطار للتحقيق في انفجار بيروت، ومخابرات الجيش للتحقيق حول ما حصل في الاشتباك، «وهذا من شأنه أن يبرّد الأجواء، طارحاً الحلول السياسية. وفي حال لم تنجح المعالجة السياسية، قد يكون لبنان أمام منعطف جديد لا أحد يمكن التكهن بنتائجه حتى الآن».
ورأى أنّه «كلما اقترب التحقيق من نقطة، يتصدّى حزب الله لها. لا سيّما مسألة وجود نيترات في المرفأ، إمّا لتغيير مسار التحقيق وإما لإيقافه»؛ موضحاً أن تركيز حزب الله على القوات وتحميله المسؤولية هدفه إزاحة خصم أساسي من طريقه، إذ إنّ «القوات هو الحزب الوحيد الذي ما زال يجاهر برفضه لسلاح الحزب وضرورة التوصل إلى سياسة دفاعية تقوم بها الدولة، كما إجراء انتخابات مبكرة نيابية لتغيير السلطة الحالية التي تتمتع بأكثريتها بدعم حزب الله».
ورأى أنّ حزب القوات قطف ثمار ما حصل سياسياً، وتقدّم على بقية الاحزاب المسيحية، لافتاً إلى أنّ القاعدة المسيحية تعاطفت مع ما حصل في الدفاع عن عين الرمانة بغض النظر عن الانتماءات السياسية.
وأصاف: «رغم اللهجة الهادئة لنصر الله، البعيدة عن الانفعالات، إلاّ أنّ الخطاب كان مبطنا ومتضمناً تهديداً لقيادة الجيش، في محاولة لتحميله عدم اتخاذ تدابير أمنية. وهذه نقطة هامة، إذ تحصل أول مرة من قبل نصرالله».

أزمات لبنان عبر التاريخ: تشرذم داخلي تجمعه وتفرّقه قوى الخارج

للغوص في تاريخ الحرب الأهلية اللبنانية التي اشتعلت شرارتها منذ عام 1840، تحدثت «المجلة» إلى الخبير في العلاقات الدولية والاستراتيجية الدكتور وليد عربيد الذي أفادنا بملخصات عما أشعل الحروب الماضية، وأبرزها النزعات الطائفية. بدأنا بحوارنا منطلقين من ذلك التاريخ، حيث تم التقاتل يومها بين الموارنة والدروز.

الأستاذ الجامعي والخبير في العلاقات الدولية والاستراتيجية دكتور وليد عربيد
الخبير في العلاقات الدولية والاستراتيجية دكتور وليد عربيد


وفي هذا الإطار، قال عربيد: «عرف لبنان أزمات تاريخية عدة، وهذه الأزمات السياسية استخدم فيها السلاح، ومنها الأزمة من 1840 لغاية 1860. وهذا يدل على مؤشرات الموقع الجيوسياسي للبنان. فحرب 1860 بين الدروز والموارنة أنتجت تموضع القوات الفرنسية، حيث أصبحت الطوائف تحتمي بالدول الكبرى. فالأرثوذكس كان لهم روسيا والموارنة معهم الفرنسيون، وللكاثوليك كان هناك النمسا التي حاولت أن تحمي المسحيين، بينما الدروز لم يكن لديهم ارتباط بأي من القوى الكبرى».
ويرى عربيد أنّه حصل آنذاك صراع بين منطقتين: جبل لبنان الجنوبي وجبل لبنان الشمالي، «وهنا لا نتكلم عن الدولة بل عن الكيان، بعد أن وصلت القوى الكبرى إلى لبنان، وأصبح لكل منها نفوذ».
مراجعتنا لتلك الحرب تطرح سؤالاً هاماً: هل هناك ارتباط بما يحصل اليوم بالجذور التاريخية للأزمات في لبنان؟ يرى عربيد أنّه «صحيح انتصر الدروز حينها وصحيح تدخلت القوى الدولية لوقف الحرب بين الموارنة والدروز، ولكن كل ذلك بسبب وجود اتفاقية سايكس بيكو والانتداب الفرنسي». ما يشي بتكرار السيناريو القديم: التدخلات الخارجية التي تفصل الخلاف أو تجيّش له.
وتوالت الأزمات السياسية في عام 1952، حتى 1958 إلى تاريخ اندلاع الحرب الأهلية التي حصلت سنة 1975. كل ذلك، بالنسبة للمؤرخين، يقول عربيد، له ارتباط وجذور تاريخية. فهل سيعيد التاريخ نفسه ويكون لبنان تحت الوصاية الدولية كما حصل في عهد الانتداب الفرنسي؟
ويتابع عربيد، استقلّ لبنان عن الانتداب الفرنسي عام 1945، حيث «أعطى الفرنسيون إشارات تشي بأنّ لبنان بلد يمكن أن يكون مستقلاً، و خرجوا آنذاك من لبنان تحت الضغط الإنجليزي».
يرى عربيد أنّ لبنان «المستقل» أتى ببشارة الخوري إلى السلطة بتفاهم سنّي ماروني وتم الاتفاق عليه كرئيس للجمهورية؛ وحاول سنة 47 أن يجدد لنفسه ولكن الثورة البيضاء التي أطلقها كمال جنبلاط وبعض السياسيين أحبطت ذلك.
ويكمل عربيد سرده لرحلة لبنان في الأزمات السياسية وصولاً إلى عام 1957: «الأزمة العالقة بين اللبنانيين والتي كانت تحيط بها ثلاثة عوامل: داخلية، وإقليمية، ودولية».
العامل الداخلي كان الصراع بين المسلمين والمسحيين، والصراع الإقليمي الذي تجلّى بتدخل سوريا في الحكم داخل لبنان، خاصة بعد الانقلابات العسكرية التي كانت تحدث في سوريا والتي كانت تنعكس سلباً وإيجاباً على الداخل اللبناني. أمّا العامل الدولي، فكان الصراع السوفياتي الأميركي الذي انعكس سلباً على الشرق الأوسط. «والذي أنتج انقلاباً عسكرياً في العراق، حيث قامت الولايات المتحدة الأميركية بإنزال جيشها على شواطئ لبنان عام 1957، وأرسلت جنودها من بريطانيا إلى المطارات العسكرية بالأردن. فأصبح لبنان تحت المجهر الدولي الإقليمي والداخلي نظرا للصراعات الطائفية في لبنان.
ويتابع عربيد: «وصولاً للقضية الفلسطنية، حيث تعززت قوة الفلسطينيين في المخيمات بعد عام 68، وهنا تدخلت إسرائيل، حيث أصبح الأمن الإسرائيلي مرتبطا بكيفية ضرب الأمن الفلسطيني بالمخيمات، وهذا ما عزّز انفجار حرب 1975، حيث انفجر الوضع نتيجة تراكمات اقتصادية وطائفية واجتماعية. وهنا تدخل الجيش السوري بطلب مسيحي تحت غطاء الجامعة العربية ليضع حدًّا للحرب الأهلية والنزاع العسكري القائم وليعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل الحرب».
ثم أتى اتفاق الطائف في المملكة العربية السعودية التي لعبت دوراً بوضع حد للأزمة العسكرية السياسية بلبنان.
من جهة أخرى، لا يرى عربيد أنّ فرضية الحرب الأهلية واردة، بل يعتبر ما حصل عبارة عن شد حبال بين الأحزاب لفرض السيطرة؛ «فالمعطيات الموجودة لا تسمح بحرب أهلية جديدة. لا سيّما فيما يتعلّق بتموضع لبنان في صراع القوى الكبرى»؛ متسائلاً: «هل سيبقى لبنان ذا وجه غربي أم سيذهب للشرق؟».

قضية انفجار مرفأ بيروت تتفاعل: إما الإطاحة بالمحقق العدلي وإما الحرب الأهلية

 

الحركات المدنية وسط الحرب الطائفية

على الجانب الآخر من البلاد، ترفع التحركات المدنية أصواتًا من أجل التغيير، مطالبة بدولة تحترم حقوق المواطنين التي تحجبها عنهم السلطات الحالية. «المجلة» أجرت بعض المقابلات لمعرفة أين يقف هؤلاء في خضم الفوضى الحاصلة، والاشتباكات الحزبية.
اعتبر بعض النشطاء السيناريو الأخير بمثابة «مسرحية» مستمرة بين الحين والآخر، حيث تهدف الأحزاب الحاكمة إلى استفزاز شعبها لكسب دعم أقوى أثناء الاستعداد للانتخابات المقبلة. فيما رأى آخرون أنّ القتال الأخير بمثابة تحذير خطير لحرب متوقعة. فكيف يرى ثوار تشرين 2019 دور الأحزاب في تأجيج الاشتباكات والتهديد بالحرب؟ وفيما يلي بعض الإجابات للنشطاء السياسيين:

""المهندس والناشط السياسي أدهم الحسنية
المهندس والناشط السياسي أدهم الحسنية

وبين التحرّكات المدنية، حراك «لحقي» الداعي إلى التغيير انطلاقاً من الانحياز التام لحقوق المواطن. «المجلة» حاورت الناشط السياسي في الحراك المهندس أدهم الحسنية، حول المستجدات الأخيرة. الحسنية اعتبر أنّ المجتمع اللبناني ليس طائفيًا كما تجلّى في الاشتباك الأخير بين الأحزاب السياسية. «الاشتباكات طائفية لكنها مدفوعة بشكل رئيسي بالانقسام السياسي الحزبي لخدمة ما تهدف إليه هذه الاشتباكات وهو دعم طائفي أوسع»؛ معتبراً أن الأحزاب السياسية قد تدفع لبنان إلى الحرب إذا كان ذلك سيفيد مصالحها. «حزب الله اليوم هو الأقوى في السلطة، وبالتالي يتحمّل النصيب الأكبر من المسؤولية في كيفية تصعيد الأحداث القادمة، ومع ذلك فإنّ المسؤولية لا تزال مشتركة بين الأحزاب السياسية الطائفية والإقطاعية الستة الرئيسية».
وعلى الرغم من أنّ اللبنانيين تعلّموا دروسهم من الحرب، «لكن للأسف أقلية من الجماعات المسلحة يمكن أن تبدأ الحرب بسهولة، ويمكنهم بمفردهم أن يقرروا ذلك». وأضاف: «من المهم جدًا التأكيد دائمًا على أنّ الصراع الحقيقي والانقسام بين الأوليغارشية الحاكمة هو فيما بينهم فقط، حيث يكمن خط الفصل الحقيقي بين الناس من جهة والأوليغارشية الحاكمة من جهة أخرى»؛ داعياً المواطنين إلى التمسك بنهج قائم على الحقوق بعيداً عن الهوية والسياسة الطائفية.

طارق عمار عضو المكتب السياسي في «بيروت مدينتي»
طارق عمار عضو المكتب السياسي في «بيروت مدينتي»


توقفت «المجلة» أيضاً عند رأي نشطاء «بيروت مدينتي» الحركة السياسية المدنية التي تسعى إلى بناء بديل سياسي انطلاقاً من المستوى المحلي خارج الأطر الطائفية والمصالح الخاصة والضيقة. وأجرينا حواراً مع طارق عمار عضو المكتب السياسي في «بيروت مدينتي»، كشف من خلاله أن «الأفكار الطائفية في لبنان تستخدم لأغراض سياسية»، الجملة الشائعة التي يؤمن بها النشطاء المستقلون في البلاد. وصرّح لـ«المجلة» بأن اللبنانيين ليسوا منقسمين بسبب معتقداتهم الدينية، بل لأسباب سياسية، مؤكداً انّه لطالما استخدم القادة التنوّع بين اللبنانيين لخلق الانقسامات، بدلاً من إثراء التنوع في البلاد.
وألقى عمار باللوم على جميع الأحزاب والقادة الطائفيين في إبقاء لبنان تحت تهديد حرب أهلية جديدة؛ «لبنان منذ استقلاله يشهد صراعات عنيفة، وكل حزب يزعم أنه يتعرّض للهجوم». وأضاف: «تشهد هذه الفترة مزيداً من التطرف من قبل الأنظمة الحاكمة، التي تستخدم كل الإمكانات المتاحة لديها، لتجذير الطائفية مستخدمة سلطتها للإفساد في البلاد». وتابع: «يتقاتلون فيما بينهم ليس من أجل قضية، ولا من أجل القيم، ولا من أجل الوطن، لكن معاركهم على حصة كل منهم»؛ لافتاً إلى أنّ الخاسرين الوحيدين في هذه المعركة هم اللبنانيون الذين يؤمنون بدولة مدنية يتساوى فيها الجميع».
وكشف أنّ القتال اليوم هو بين من يريد العدالة، ومن يريد أن يصل التحقيق في انفجار المرفأ إلى نهايته، وبين من ينصّبون أنفسهم قادة في تحديد مصير البلاد، «لقد عشنا دائمًا العنف والقتل والاغتيالات والتفجيرات، لكن لم يتم إخبارنا أبدًا بما حدث ولا بالنتيجة، ولم نشهد أي مساءلة. اليوم وبعد ثورة أكتوبر سنناضل من أجل المساءلة التي كانت من العناوين الرئيسية للثورة حتى قبل تفجير الميناء».
لا يعتقد عمار أن حربًا أهلية ستندلع، «على الرغم من أن النظام يمكن أن يخلق معارك صغيرة فيما بينه، لمنعنا من امتلاك البلد الذي نستحقه».
وأصرّ الناشط السياسي على: «إننا سنستمر في النضال لدعم استقلال القضاء، حيث يدعم اللبنانيون طارق بيطار».
كما أشار عمار إلى التحركات التي تتجه إليها «بيروت مدينتي»، من خلال العمل مع مناطق مختلفة في لبنان، لمناقشة «خطتنا السياسية وبرنامجنا وإثرائهما، وجعلهما يعكسان ما يريده المواطن العادي، الأمر الذي سيؤدي إلى استحقاقات سياسية لتغيير النهج في الانتخابات النيابية المتوقعة في مارس (آذار) المقبل.
نعم، كل الأحزاب اللبنانية مسلّحة، ونعم سيهددون المواطنين بحرب مفاجئة، «إذا لم تسر الأمور كما يريدون». هكذا يعيش اللبنانيون، بعضهم بصفة طوعية، لكن لا زالت هناك أصوات تصدح من أجل التغيير مطالبة بحقوق المواطن، والعدالة والقضاء المستقل والعيش الكريم.
 في أرض المعارك، يبقى صوت التغيير فوق الجميع: لبنان يستحق أفضل مما يمرّ به.

بيروت تشتعل على خلفية التحقيق في انفجار المرفأ


مقالات ذات صلة