مسلسل «YOU» من دراما نفسيّة إلى إثارة مفتعلة

في موسمه الأخير أخفق جو في تجسيد الشخصيّة السيكوباتية

في موسمه الثالث بدا مسلسل «YOU» الأميركي الذي تعرضه منصّة «نتفليكس» ضائعاً مضعضعاً، الحبكة مفتعلة، القصّة اجترار لمجموعة مواقف من الموسمين الماضيين، الحبكة مفقودة، وإيقاع العمل رتيب.
موسم ممل لا يحفّز على المشاهدة إلا على سبيل الفضول والإجابة على سؤال «لماذا أُنجز هذا الموسم أصلاً؟».

لم يعد المسلسل دراما نفسيّة قائمة على سبر أعماق شخصيّة جو، الشاب الذي نشأ يتيماً في قبو مكتبة أغرم بكتبها، وتعلّم الحرفة من مالكها، وبدأ يهتم بكتبه بطريقة تعكس شغفه الذي يتفجّر بصورة مرضيّة كلّما ظنّ أنّه وقع في قصّة حب.

في الموسم الأوّل، تعرّف بن بادغلي إلى جينيفير خلال زيارتها المكتبة، تلصّص عليها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن يتحوّل تعلّقه بها إلى هوسٍ مرضي، جعله يتربّص بها في عقر دارها.

تقع بين الطرفين قصّة حبّ مغمّسة بالدّماء، فللوصول إليها، ارتكب جو جريمة، وليخفي جريمته عاد وارتكب جرائم كانت هي إحدى ضحاياها.

في الموسم الثاني، يحمل جو وزر الجريمة  معه إلى منطقة بعيدة، ويحاول البدء من جديد، يتعلّق بالطاهية لاف كوين الأرملة التي فقدت زوجها حديثاً، ويتكرّر السيناريو نفسه.

إلا أنّ لاف ليست بوضع نفسي أفضل حالاً، فهي أيضاً تعيش في عائلة مضعضعة، تنتهي بانفصال والديها وانتحار شقيقها التوأم، وقبل أن يقتلها جو لأنّها كشفت جرائمه، يكون خبر حملها بطفلهما بداية جديدة لهما، يتزوّجان وينتقلان إلى بلدة هادئة وينتهي الموسم على جو متلصّصاً على جارته الحسناء.

ينطلق الموسم الثالث بارداً مملاً، جو يريد الحفاظ على حياته العائليّة، بعد إنجاب زوجته لطفلهما هنري. حتّى إنّه يستطيع أن يقاوم إغراء الجارة الحسناء التي فتنته من النّظرة الأولى. علاقة عابرة بينهما ينهيها جو ليعود إلى دفء عائلته، إلا أنّ الدفء سرعان ما يتحوّل إلى صقيع مع اكتشاف الزوجة العلاقة العابرة، وقيامها بقتل الجارة.

فيدور الموسم الثالث في نصفه الأوّل حول كيفية إخفاء جو لجريمة زوجته، والبحث عن ضحيّة يلصقان بها الجريمة.

تسير الأحداث بطريقة بطيئة، مع مواقف مفتعلة، يزور الزوجان معالجة متخصّصة في العلاقات الزوجية، مشاهد طويلة تدور في العيادة لكن ليس للزوجين ما يقولانه، أقلّه أنّهما يعانيان تداعيات جريمة، يعالجان منها، ولا يصارحان المعالجة، فتبدو المشاهد كلّها لزوم ما لا يلزم.

يستعيد الموسم الثالث طفولة جو، في ميتم حيث كان ينتظر والدته ويأمل أن تعود لكنّها لا تعود. كان يتعرّض للتنمّر من صبية المدرسة، كان جباناً يخشى المواجهة، محاطاً بكل أنواع التعذيب التي جعلت منه شخصاً سادياً يعيش صراعاً بين لذّته في تعذيب الآخرين، وتأنيب الضمير الذي يردعه من أن يتحوّل إلى وحشٍ.

هذا الانتقال إلى طفولة جو بدا دخيلاً على الأحداث، فقد كان للموسم الأوّل إطلالة وجيزة على نشأة الطفل المضعضعة التي جعلت منه رجلاً يعاني من عقدٍ تترجم على شكل هوسٍ كلّما لاح في الأفق مشروع حبٍ جديد.

حول حلقة مفرغة تدور الأحداث، لا عقد ولا حلول، فقضية الجريمة تحلّ في الحلقات الأولى رغم أنّ تداعياتها تستمر حتى المشهد الأخير، رغم أنّ العقدة لا تدور حولها، فبعدها تذهب الأمور في اتجاه آخر، جو مهووس بامرأة جديدة مديرته في المكتبة، يخشى عليها نهاية مأساويّة على يد زوجته.

قصّة حب تبدو استعادة لقصص جو المعهودة، لا جديد فيها، لا في طريقة المعالجة ولا في طريقة السّرد، ولا في ردّات فعل جو المتوقّعة.

شخصيّات جانبيّة أقحمت في القصّة بدت دخيلة على الجو العام، مثل والدة لاف التي تكشف عن شخصية مرضية ترتكب سلسلة من الأخطاء المدمّرة قبل أن تدخل إلى مصحّ للمعالجة. وجودها في الموسم الجديد بعد موت ابنها وانتقال ابنتها إلى ولاية أخرى بدا مجرّد حشو، وربّما أقحمت في أحداث المسلسل لتعترف لجو بسرٍ عن ابنتها، يكمل السياق العام للقصّة، إلا أنّ الدّور الذي منح للأم ورسم شخصيّتها لم يبد مقنعاً في سياق الأحداث.

ومن الشخصيات التي بدت لزوم ما لا يلزم، الجارات في الحيّ الجديد، اللواتي لا يجمع بينهما سوى ثرثرة فارغة، في حوارات مطوّلة لو اقتطعت لما أثّرت على السّياق العام للمسلسل.

«You» هو واحد من الأعمال التي عرضتها «نتفليكس»، وبعد تحقيقها نجاحاً جماهيرياً اشترت حقوق إنتاجها، وبدأت بإنتاج مواسم لا تنتهي، وفي كل موسم يخفت إيقاع العمل. والغريب أنّه قبل بدء عرض الموسم الثالث، أعلنت المنصّة عن موسمٍ رابع، يعتمد على نهاية الموسم الحالي، التي كانت عنصر القوّة الوحيد في المسلسل.

ويبقى السؤال، بأي شغف سينتظر المشاهد مسلسلاً بدأ إيقاعه يخفت من الموسم الثاني؟ وما الهدف من الاستثمار في أعمالٍ جماهيريّة عبر مواسم مكرّرة وإفراغها من معناها؟ وهل تنجح شخصيّة جو التي تحظى بشعبيّة كبيرة بالنّهوض بمسلسل بات يفتقر أهم مقوّمات العمل الفنّي المتماسك؟


مقالات ذات صلة