أحمد ماهر لـ «المجلة»: طردت خالد النبوي ولا أعترف بنجوميّة أشرف عبد الباقي

الإخوان هددوني واتهموني بالتشيّع
أحمد ماهر

القاهرة: انتقد الفنان أحمد ماهر الأوضاع الفنية في مصر، وقال إنّ الخط البياني منكفئ وإنّ الأمور صارت شكلاً بلا مضمون.
وأضاف في حواره الخاص لـ
«المجلة» أن أجهزة الإعلام مقصّرة في دورها، كما وجّه انتقاداً لاذعاً لبعض الظواهر المسرحيّة ومنها المسرح التجريبي وشباب مسرح مصر الذين وصفهم بأنّهم «انتكاسة» مسرحية على حد قوله.

وتطرّق إلى ملابسات أحداث زيارته التي قام بها للمرقد الحسيني في العراق، مؤكداً أن جماعة الإخوان استغلت هذه الزيارة للإساءة إليه.

كما وجّه انتقادات لاذعة لبعض الفنانين ومنهم خالد النبوي وأشرف عبد الباقي.

ويعتبر الفنان أحمد ماهر من العلامات البارزة في الدراما العربية، حيث يعد عنصراً مشاركاً في عشرات الأعمال الشهيرة والناجحة،. كما حظي بمكانة خاصة في المسرح لرصانة أدائه وأسلوبه المميز مع امتلاكه لصوت جهوري مؤثر ومهارات لغوية ذات مستوى رفيع.

واشتهر أحمد ماهر بلقب فارس المسرح العربي بعد مغامرته غير المسبوقة في الصعود على المسرح راكبا حصانه أمام الجمهور.

وعن أعماله الحالية وسبب غيابه عن الشاشة التقته «المجلة» في القاهرة وكان هذا الحوار...

اثناء الحوار مع الزميلة صفاء عزب

* بداية نود أن نعرف أين أنت اليوم؟ ولماذا لا نراك في أعمال جديدة على الشاشة؟

- أنا موجود وأقدم حالياً رواية «عاشق ومداح» مع الفنان الدكتور أحمد الكحلاوي، والفنانة عايدة فهمي، على المسرح. كما أعمل رئيساً لمجلس إدارة سينما ريفولي العريقة بوسط القاهرة، والتي يمتلكها الأمير طلال بن عبد العزيز، ومعه رجل الأعمال خالد بطاح، وأنا المسؤول عن النشاط الفني في هذه المؤسسة، كما أقمت أكاديمية لتعليم فن التمثيل والإلقاء والأداء لمن يرغب في التقدم لأكاديمية الفنون، أو يود التقدم لاختبارات النقابة للحصول على الترخيص، أو لمن يستعد للتقدم لاختبارات القنوات الفضائية وما إلى ذلك. ويبقى المسرح هو اختياري لأنني تربيت فيه والذي أتمنى من الله على قدر ما يمد في عمري أن يميتني على المسرح.

 

* تحرص على التحدث باللغة العربية أغلب الوقت فمن أين اكتسبت هذا العشق للغة العربية؟

- من أمي التي تعلمت منها كل شيء، لأن أبي كان مستواه التعليمي متواضعاً جداً. بلغت هي شهادة الثقافة. كما كان لقدرتها في حفظ القرآن وتفسيره الأثر الكبير في حبي للقرآن وعشقي للغة العربية فهي صاحبة الفضل عليّ بعد الله تعالى.

 

* هل تعني أن والدتك كانت أكثر تعليماً من الوالد؟

- نعم. وقد تمّ هذا الزواج بينهما في تلك الفترة بناءً على أصول العائلات والنسب بصرف النظر عن التعليم. ونظراً لأنّ أمي من جذور صعيدية محافظة، خافوا منها بعد مجاهرتها بمواهبها الفنية الفذة، إذ إنّها كانت تغنّي وتجيد التقليد بشكل رائع وصوتها غاية في الجمال، فتمّ حجبها في البيت لوأد هذه المواهب، ويمكن القول إنّها قهرت وعاشت فترات صعبة لأنها لم تجد أحداً يمكنها من هذا الغرام الشديد لهوايتها الفنية. إلى أن تزوجت وأنجبتني.

 

* أنت الابن الأكبر لإخوتك؟

- أنا الأكبر بعد موت ثلاثة أبناء قبلي ثم ولدت ابنين آخرين وبنتا، ومن جيناتها ورثت عشقها للفن. إلى جانب أنها كانت تنفس عن المكبوت داخلها عندما استشعرت في مولودها- وهو أنا- بذرة الفن، دعمتها فأعطتني الدفعة القوية لتنمية الموهبة حتى التحقت بأكاديمية الفنون.

 

* ألم يكن للأب موقف مضاد لعملك بالفن؟

- طبعا كان والدي «نار وبركان» عند إثارة هذا الموضوع، ورفضه بشدة لدرجة أنه هددني بطلاقه من والدتي لو دخلت مجال الفن. لقد كان ملاحظا في هيئة السكك الحديدية، يعمل رئيس أسطوات في الورشة ومن ثم هو في النهاية يسلك سلوك العمال وعقليتهم متأثرا مثله مثلي بطبيعة الحي الشعبي الذي ولدت فيه وهو حي بولاق أبو العلا العريق بالقاهرة. كما أنه في نفس الوقت كان سليل الباشوات، فجده الأكبر عمل مديرا للترسانة البحرية في عهد محمد علي، ولا زال سيفه بحوزتي، وقصره القديم موجود في حي بولاق رغم تهدمه لكن لا زال الدور الأول منه موجودا، ومن ثم فقد عاش والدي عصرا كان يوصف فيه الممثل بالمشخصاتي الذي لم يكن يؤخذ بشهادته في المحاكم، مما اضطرني لدخول أكاديمية الفنون وتخرجي فيها دون علمه لكن أمي دعمتني حتى تخرجت.

اثناء الحوار مع الزميلة صفاء عزب

* كيف استطاعت الوالدة التغلب على هذه الظروف الصعبة ومساعدتك لتحقيق حلمك لتصبح فنانا؟

- من اللحظات الأولى لميلادي حرصت والدتي أن تنمي داخلي بذرة الفن فكانت تغني لي وأنا رضيع حتى تربيت على جمال صوتها وارتبطت به. وأزعم أن هذه المنظومة الحياتية كان لها أبلغ الأثر في غرس البذرة الأولى للتذوق الفني حتى أصبح الطرب والموسيقى مصاحبا لي وأنا أذاكر أو أقوم بأي عمل. وأنا يوسف إخوتي الذي أخذت الجزء الأعظم من حب أمي ومعها أبي طبعا، ولكن حب أمي لا يوصف، كما أنها ورثت الحنان من والدها وأورثته لي. والتصقت بها حتى ماتت ورغم أنها أنجبت بنتا أيضاً لكني كنت صدرها الحنون وأنا غرفة التذكارات وحافظ الأسرار والشكاوى وكنت أنا الذي ترمي نفسها في حضنه وأرتمي في حضنها لدرجة أن والدي كان يغار مني وكان من الجبارين وكان لسانه الثقيل يجعله سريع الغضب وشديد العنف في التعامل مع الجميع وليس أمي فقط. وكونها احتملت ذلك فهي تعدّ ملاكاً من السماء. وأخدت منها أيضا الحس المرهف والدموع القريبة.

 

* هل هذا هو سر دموعك الشهيرة والتلقائية على الشاشة؟ وما رأيك فيمن يعتبر بكاء الرجل عيبا ينتقص منه؟

- بالفعل تأثرت بوالدتي كثيرا في هذه المسألة، ولا يمكن أبدا أن ينتقص البكاء من الرجال لأنه كأس على الجميع، فمن منا لم يذقه؟! ولماذا أكبت مشاعري!


أوّل عمل تمثيلي

 

* ماذا عن ذكرياتك عن أول عمل تمثيلي لك؟

- كانوا يطلقون عليّ لقب «الرجل المسخوط» وأنا تلميذ في مدرسة جلال الابتدائية في حي الترعة البولاقية، لأن صوتي لم يكن صوت طفل بل صوت رجل كبير، ولذلك أسندوا إلي شخصية عم الرسول صلى الله عليه وسلم أبو طالب في العرض المسرحي بالمدرسة، وشاهدته الوالدة لأول مرة وطارت من الفرحة كما لو كانت ترى حلمها الذي حرمت منه وقد حققته بنجاحي.

 

* متى علم والدك بدراستك للفن؟ وكيف كان رد فعله؟

- كنت أعتاد الذهاب لمقر عمل والدي رغبة في التعرّف على طبيعة عمله، وكان زملاؤه يعرفونني، وذات يوم نشر خبر صحافي في الجريدة مع صورتي عن عرض سهرة لي في التلفزيون، وكانت المفاجأة أن زملاء والدي رأوا صورتي وعرفوني، فسارعوا إليه يخبرونه ويسألونه عني ليفاجأ والدي أن ابنه ممثل. وأخذ الجريدة وعاد للبيت وسألني بحدة: «انت بتمثل ياض؟» فقلت له: «إحنا لغاية اليوم بناخد منك المصروف ونحن لسنا بحاجة إليه، فأنا معين بوزارة الثقافة يعني لست بحاجة للمصروف الذي آخذه منك»، وقد قلت ذلك لأنني وجدت أن المسألة «محتاجة» وقفة، وقد كان. ورغم موقف والدي من عملي بالفن فإن الوالدة وقتها فرحت كثيراً وقلبها كان ينبض بالسعادة والزغاريد عندما شاهدتني على شاشة التلفزيون.

 

* هل فعلا بدأت عملك بالمسرح كومبارس؟

- أثناء الدراسة كنت أعمل بالمسرح في روايات أساتذتي الذين يدرسون لي مثل سعد أردش وجلال الشرقاوي ونبيل الألفي فكنا نقف بجوار الكبار ونتعلم منهم وفي نفس الوقت نؤدي أدوار الكومبارس المتكلم، واشتغلت في المسرح وعشت حياة الأمراء، عندما كنت طالبا كان مصروفي من والدي شهريا 3 جنيهات وكانت بالكاد تكفي نفقات المواصلات، وكانت الحاجة رحمها الله تجهز لي حزمة سندوتشات ضخمة لتوفير نفقات الأكل. ولأنني متفوق، كنت أحصل على أعلى قيمة في مكافآت التفوّق وهي 8 جنيهات شهرياً. فكان إجمالي دخلي 11 جنيهاً شهرياً يعني «باشا» وعندما اشتغلت مع أساتذتي في المسرح حصلت على 30 جنيها إضافياً شهرياً، فصرت ثرياً جداً مقارنة بزملائي في ذلك الوقت. وكنت أيضاً أذهب للعمل في التلفزيون كومبارس مقابل 10 جنيهات في الحلقة فلو عملت في 15 حلقة معناها 150 جنيها في الشهر مع دخلي الآخر فكان إجمالي دخلي كبيرا جدا ولذلك قلت للحاج والدي «شكرا» لا أحتاج لشرائك كسوة الشتاء والصيف لأنني فنان وأريد أن أختار ما أريده ومن يومها وأنا أعيش حرا.

احمد ماهر صورة خاصة للمجلة

* كيف انطلقت من المسرح للعمل في التلفزيون؟

- أوّل عمل لي في التلفزيون كان كوميدياً جداً وبمحض الصدفة، حيث كان في دفعتي زميل اسمه أشرف نصار ووالده كان سكرتير رئيس التلفزيون وقتها، ولكي يجاملوه أخذوا ابنه أشرف في برامج الأطفال لقصر قامته، وتمنّيت أن أكون مثله وأظهر على الشاشة وكنت لا زلت طالبا فطلبت منه أن يدخلني إلى مبنى التلفزيون واصطحبني إلى هناك وكنا في شهر رمضان ودخلت معه البلاتوهات ومنها بلاتوه (1) وفوجئت برجل أسمر يسألني عن دراستي ثم عاد وسألني: «تمثل؟» فوافقت على الفور وأعطاني مشهداً وطلب مني أن أحضر بعد الإفطار للتصوير وكان ذلك في مسلسل قديم بعنوان «جحا المصري»، وكان بطولة الراحلين عبد المنعم مدبولي ويوسف شعبان. وقدمت فيه مشهدا فانتازيا في دور جرسون في كافيتريا داخل السجن ولكني تعرضت لموقف محرج وقتها عندما أخطأت في الحوار وناديت على النصبة وقلت شيشة عجمية، بثقة شديدة فصرخ المخرج وكان الأستاذ محمد فاضل وقال لي: «عجمية إيه يا أفندي؟»، فاستشعرت الحرج، فنزل لي من مكانه وتحدث معي وقال لي: «مفيش حاجة اسمها شيشة عجمية! بل عجمي». وصورت الحلقة وأذيعت في اليوم التالي وظهرت على الشاشة فزغردت الحاجة أمي.

 

* من هم الفنانون الذين دعموك ووقفوا بجانبك في البداية؟

- الحاج رشوان توفيق هو أول من تنبأ لي بالنجومية. بعد الدراسة سلمت نفسي للجيش وكان في 10 أكتوبر 1973 وبقيت عامين وشهرين و16 يوما بسبب ظروف الحرب والانتظار حتى تخرج الدفعات المستبقاة بعد الحرب. وبعدها وضع ربنا في طريقي أحد الزملاء ودعاني لزيارة أصدقائنا في استوديو (10). وعلمت أن هناك يتم تصوير مسلسل «على باب زويلة» للمخرج نور الدمرداش، بمشاركة عدد كبير من أبناء جيلي، ودخلت البلاتوه وسلمت على زملائي وفوجئت بالمخرج نور الدمرداش جالسا أمامي وهو يقول لي: «إزيك يا أحمد»، فاستغربت أنه يعرفني ثم سألني: «انت مش اسمك أحمد؟ انت بتشتغل إيه؟». فقلت له: «ممثل». فسألني: «ليه مش بتمثل معايا؟». فقلت له: «يعني أقولك شغلني؟». فقال لي: «آه، هل تتخيل إني كوكيل وزارة أمامي كشوفات فيها آلاف الممثلين أن أبحث عن اسمك فيها! قل لي شغلني أشغلك ولو عجبتني فستكون معي بعد ذلك». فكان ردي عليه: «شغلني»!! وفوجئت به يأمر مساعده أن يمنحني بطولة مشتركة بالمسلسل مع هالة صدقي وسمية الألفي وفاروق الفيشاوي وأحمد بدير، وكان دوري الأمير شمس الدين حاكم مصر وقتها.

 

* شاركت في بداية حياتك في مسرحية «المتزوجون» مع سمير غانم، وقدمت دور رجل عجوز رغم صغر سنك. ما ذكرياتك عن هذا العمل؟

- بالفعل شاركت في مسرحية «المتزوجون» مع سمير غانم، وجورج سيدهم، وقمت بدور والد شيرين أو «لينا» في المسرحية، وكانت أحلى ذكرياتي أنني خطبت زوجتي أثناءها وطلبت الزواج منها على المسرح!

احمد ماهر في شبابه

* كيف تم ذلك؟

- كان ابن عمها زميلي في المرحلة الثانوية، وكنت شبه مقيم عنده ورأيتها هناك فأعجبتني، ولكن لم يكن من الممكن الإفصاح، لأني كنت طالبا آخذ مصروفي من أبي. وافترقنا بعد حصولي على شهادة الثانوية العامة فالتحق هو بكلية الزراعة في الصعيد والتحقت أنا بأكاديمية الفنون. ومرت السنوات، وأثناء عملي في رواية «المتزوجون» فوجئت بها تصعد لي على خشبة المسرح مع والدتها وشقيقتها بعد انتهاء العرض، وكانت سعادتي لا توصف واستحضرت معها كل الذكريات الجميلة ولم تر عيني سواها في تلك اللحظة فبادرتها بالسؤال: «انت اتجوزتِ» قالت لي: لا. فباغتها سريعاً وسألتها: «تتجوزيني؟». هنا تدخلت والدتها وردت علي قائلة: «هو الكلام يبقى كدة؟». قلت لها: «أمال يبقى ازاي؟»، قالت لي: «الناس تيجي تخبط فنفتح لها ونتناقش، ولو كان هناك قبول يبقى ربنا بيوفق»، فقلت لها «يعني آجي أخبط؟»، قالت لي: «خبط». وقد كان!

 

* لماذا لم تكرر تجربة المسرح الكوميدي بعد «المتزوجون»؟ وهل تفضل الأعمال الجادة على الكوميدية؟

- من قال ذلك، فأنا قدمت أعمالا كوميدية كثيرة، منها رواية «التربيع والتدوير» وهي من روايات المونودراما للكاتب التونسي عز الدين المدني، وهي أطول مونودراما في تاريخ المسرح، إخراج العبقري سمير العصفوري، لكنها غير معروفة لأنها لم تعرض رغم تسجيلها نظرا لمنعها من العرض.

 

* على ذكر الممنوعات، هناك من يعتبرون الحقبة الناصرية هي الفترة الذهبية للإبداع الفني في مصر. فما رأيك؟

- أنا ناصري وسر الوهج في تلك الفترة الماضية أننا كنا عبارة عن مرأة لطبيعة الحياة المصرية فكان الفن معبرا بصدق عن مصر وأهلها. وبعدها بدأ التراجع فغاب مهرجان المسرح وظهر المسرح التجريبي الذي يعتمد على الحركة بينما أساس المسرح هو الكلمة أما المسرح التجريبي ولغة الجسد فهو «كلام معرفوش» فأين ذهب لساننا؟! للأسف هناك ظواهر مسرحية مستحدثة أفسدت حياتنا المسرحية.

 

* ما رأيك في مستوى الفن والمناخ الفني حاليا؟

- الخط البياني منكفئ، أقصد ليس هبوطا فقط وإنما انبطاح! لقد عشت على أجمل أنواع الفنون وتربيت على أصوات المشايخ خاصة نصر الدين طوبار، ولكن للأسف اختلف نسق مصر عمّا ورثناه، لقد تربيت على الموالد والأماكن التاريخية وهذا العبق الجميل ورغم أن الأماكن لا زالت موجودة لكن بدون عبق وصارت شكلاً بلا مضمون، وأنا من عشاق المناطق الشعبية ومصر القديمة بطيبتها وسماحتها لكن للأسف السائد اليوم هو أسلوب «اخطف واجرِ» وأصبحت الجدعنة في نظر الكثيرين أن تتعلم كيف تخدع! وسبب ذلك للأسف هو الثقافة وما تقدمه أجهزة الإعلام.

 

* لكنهم يدعون أنهم يقدمون الواقع!

- لا. «أجهزة الإعلام دي هتخش النار»! فهي نفسها التي أطلقت محطة تدعى «شعبي» وهي للأسف تقدّم فيها لأولادنا أقبح الكلمات ونوصل لهم من خلالها أسوأ المعاني بدعوى أنه شعبي لذلك نحن دخلنا بأرجلنا لوكر الذئب!

 

* هل يعني ذلك أن مصر نضبت من الفنانين؟

- لا، لم تنضب. لكن المسؤول عن الإعلام ترك «السايب في السايب» سواء هو أو مسؤول الرقابة، وإلا فكيف يسمح بألفاظ نابية نسمعها على الشاشة بهذا الشكل! وللأسف هم بذلك يكرسون للجيل الجديد مفاهيم سلبية ويرسخون لفكرة أن ما نراه على الشاشة هو الحياة المصرية على طبيعتها وهو أمر غير حقيقي.

 

* ألا ترى أن انسحاب الكبار من الفنانين- وأنت منهم- يعطي فرصة لانتشار هذه الأعمال السيئة؟

- أنا لم أنسحب ولكني أنتظر الدور الجيد المناسب.

 

* ما تقييمك لتجربة عملك مع نجوم مسرح مصر في مسلسل «طلقة حظ»؟

- هو من الأعمال التي لم أرض عنها برغم أني قمت بإصلاح الحوار الخاص بي، حين دعيت للعمل، واشترطت قراءة الدور قبل الموافقة وأن تكون مشاهدي آخر ما يتم تصويره لانشغالي بمسرح في الإسكندرية وبحكم مساحة الود بيني وبين مالك الشركة قلت له: «الحوار وحش»، قال لي «صلحه»!! واتفقنا، ثم فوجئت أنهم أحضروا لي واحدا اسمه مصطفى خاطر، و«بتوع تياترو مصر».

 

* يبدو أنك غير راض عنهم؟

- أعتبرهم انتكاسة لأن من تبناهم وعلمهم رجل لم يتربّ على الفن.

 

* هل تقصد الفنان أشرف عبد الباقي؟!

- رضي الله عنه وأرضاه، أين درس؟! هو لم يدرس أكاديمياً بل دخل متسرباً ومتسربلاً من عالم السينما وسمحت له الظروف وعرف من أين تؤكل الكتف ونجح في شراء فترة هواء في محطة تلفزيونية وعمل «الملعوب بتاعه ده» وسماه «تياترو» أو خلافه، وقام بتأجير كومبارس لأداء دور الجمهور وبالتالي فهي انتكاسة.

مع مادلين طبر في أحد اعماله التاريخية

* هل يعني ذلك أنك لا تعترف إلا بالفنان الذي درس أكاديمياً كما لا تعترف بالفنان المتسرّب من السينما على حد قولك؟

- نعم! بالتأكيد

 

* لكن هناك فنانون كبار في الزمن الماضي ولم يدرسوا؟

- لم تكن هناك أكاديمية ولذلك هناك نجوم قدامى لا يعجبني أداؤهم عندما أشاهدهم على الشاشة وأنتقد مستواهم الفني.

 

* أندهش من رأيك؟

- عندما تريدين شراء الذهب أو تريدين تقييما لقطعة ذهبية فإنك تذهبين للصائغ وهو الذي يستطيع التقييم بحكم خبرته ويمكنه اكتشاف نسبة النحاس في القطعة ومدى نقائها. وأنا كذلك أستطيع بحكم خبرتي الفنية ودراستي الأكاديمية تقييم الفنانين، لذلك عندما أشاهد الممثلين القدامى أكتشف نسبة النحاس فيهم وأستطيع التمييز بين الغث والطيب، وفقا لمقاييس ومعايير نركن إليها.

 

* هل يمكن إخبارنا عن بعض الفنانين الذين لديهم نسبة «نحاس» كبيرة، وكنا نظنهم ذهبا؟

- هم كثيرون جدا، منهم: مثلا حسن فايق، الذي أعتبر أن نسبة النحاس فيه كبيرة جدا، وكذلك حسين نظمي.

 

* ومن في العصر الأحدث ممن تعتبرهم أخذوا نجاحا أكثر مما يستحقون؟

- بالتأكيد منهم محمد عوض الذي أخذ مساحة أكبر من حجمه، وكذلك السيد راضي الذي حصل على أكثر مما يستحق. وفي الفترة الحالية هناك كثيرون جدا منهم خالد النبوي ورغم أنه تلميذي لكني كنت أطرده من البروفات لأني لست مؤمنا به!

 

* من تراه فنانا من الذهب وفقا لمعيارك في الوقت الحالي؟

- منى زكي، وسوسن بدر، وماجد الكدواني، وهو فنان جميل ولكن للاسف ينطبق عليه المثل الشهير «زامر الحي لا يطرب» فظروفه لم تمكنه من تحقيق ما يستحق، ولكن ابن المهنة هو الذي يقدره ويفهم قيمة معدنه.

 

* ألا ترى أن خالد النبوي نجم موهوب، وقد اختاره يوسف شاهين للعمل معه؟

- لا. ليس موهوبا. وبالنسبة للسينما فهي صناعة تعتمد على «توقف وأعد» وليست فنا، فالفن مسرح ومواجهة مع الجمهور

مشهد من ذئاب الجبل

* هل معنى ذلك أن يوسف شاهين صنايعي وليس فنانا؟

- السينما بشكل عام صناعة.

 

* إذن نجم السينما برأيك ليس فنانا؟!

- كنت طالبا ويشهد بذلك كل زملائي وهم يرونني «أبهدل كبار النجوم» على المسرح، وأسخر منهم، ولا داعي لذكر الأسماء هنا، وكان منهم فتى شاشة أول وللأسف كان أكاديميا، ولكن الذي غيره أنه «اشتغل سينما كثيرا» فصبغته بصبغتها، لكن المسرح فاضح ويكشف معدن الفنان.

 

* هل فعلا صعدت المسرح بحصان؟

- نعم. ولذلك لقبوني بفارس المسرح العربي لأنها مسألة صعبة جدا وخطيرة أن أصعد بالحصان أمام الجمهور على خشبة المسرح، وهي تتطلب التمكن والسيطرة على الحصان وساعدني في ذلك تعلمي الفروسية وأتشرف أنني تلميذ الراحل الفنان والفارس العظيم أحمد مظهر.

 

* لا شك أن الفروسية ساعدتك كثيرا في أعمالك التاريخية التي اشتهرت بها، فكيف تجهز لها؟

- لا بد من قراءة الكتب التاريخية بجانب الجلسات الخاصة مع المؤلف، ولا بد أيضا من الاستعانة بأفلام أجنبية وأذكر قبل تصوير مسلسل «الفرسان» أنني شاهدت 6 أفلام أجنبية عن التتار لأشم رائحتهم وأعرف طبيعة العلاقات فيما بينهم وانفعالاتهم في المواقف المختلفة.

 

* هل تقصد أن السينما الأجنبية كانت أكثر تقدما من السينما العربية في التعبير عن الأحداث التاريخية العربية؟

- لا. ولكن السينما العالمية أكثر ثراء من السينما العربية لأنها توفر كل المفردات، فالزمن يرجع والأحداث تعود والروح تبعث في الكلمات، أما هنا فهم يريدون أن ينتجوا أعمالا بأقل تكلفة وهذه هي المصيبة.

 

* ألم تأتك فرصة للمشاركة في عمل عالمي؟

- جاءت لي فرصة واحدة للمشاركة في عمل عربي كبير مع المخرج السوري باسل الخطيب وهو مسلسل «أنا القدس» وقدمت فيه دور المعتمد البريطاني الذي سلم اليهود فلسطين وكان لا بد من الحديث باللغة الإنجليزية في كل مشاهدي فطلبت شخصا أجنبيا جعلته يقرأ أمامي الحوار بلكنته وأسجله حتى أسمع موسيقى الجملة وكنت أكتب الكلام بحروف عربية.

 

* تألقت في أعمال شهيرة منها «هوانم جاردن سيتي»، و«حديث الصباح والمساء»، و«ذئاب الجبل»، فما أقرب أعمالك لقلبك؟

- كل أعمالي مقربة لقلبي كأولادي لأن كل دور قدمته عشته بصدق وأحببته. ولكن هناك أعمال لا تغيب عن ذاكرتي وكلما شاهدتها على الشاشة أندهش لجمالها وهناك مشهد في مسلسل «حديث الصباح والمساء» الرائع ودور يزيد المصري الذي جسدته عندما استشعر قرب نهايته وذهب لاختيار قبره بجوار شيخه القليوبي، لم أستطع أن أتمالك نفسي من البكاء تأثرا بالشخصية، ونفس الشيء حدث مع «دبور» في مسلسل «ذئاب الجبل».

فارس المسرح

* ما العمل الذي تشعر بالندم على المشاركة فيه؟

- دور واحد فقط هو الذي كرهته جدا وكان في مسلسل «مغامرات ميشو» في مرحلة التسعينات.

 

* لماذا قبلته؟

- جاءت الفكرة بأن المخرج إبراهيم بغدادي وصل من الخارج وأخبرنا قطاع الإنتاج في التلفزيون أنه تلميذ المخرج العالمي إيليا كازان واعتقدنا أن العمل معه شيء مشرّف. وتحمست للعمل معه من هذا المنطلق، خاصة بعد أن علمت أن القصة تعتمد على وجود كلب يقوم بأعمال بطولية ويساعد في كشف غموض الجريمة. وعندما بدأنا التصوير اكتشفت أن المخرج طمع في أجر الكلب المطلوب للتصوير فاستعان بالكلب اللولو الموجود لديه بالمنزل ولم يكن المخرج على المستوى، واعترضت دون جدوى وفشل المسلسل فشلا ذريعا، وهذا هو العمل الوحيد الذي ندمت عليه كثيرا.

 

* هل قدمت أعمالا خارج مصر؟

- طبعا! «ده أنا فاتح بيتي من المنطقة العربية»، لقد صورت أعمالاً في أبوظبي ودبي وعجمان وصورت في لندن وأثينا.

 

* هل صورت أعمالا في العراق أو الشام؟

- قدمت عروضاً مسرحية كثيرة في سوريا كما قدمت عرضا مسرحيا لا ينسى في العراق بعنوان «بيبرس ابن البلد» خلال مهرجان مسرحي كبير وحضرته «ساجدة» زوجة الرئيس العراقي صدام حسين وعدد كبير من المسؤولين العراقيين.

 

* لماذا تعتبره عرضا لا ينسى؟

- بسبب الظروف التي أحاطت بالعرض والمفارقات التي حدثت آنذاك. أذكر أنني سافرت للعراق وقتها ولدي خوف دفين من أن أحرج لوجود نجمين عملاقين لهما قاعدة شعبية جارفة في العراق هما أحمد مرعي والعظيمة عفاف شعيب، رغم أني بطل الرواية. ومن حسن حظي أن تصادف وقتها عرض مسلسل تاليف جمال عبد الناصر اسمه «في سبيل الحرية» وكانت له أصداء قوية هناك. وكان العرض على مسرح القوات الجوية الكبير جدا وقد امتلأ عن آخره. ونصحني المصريون هناك أن أذهب بصحبتهم للمسرح بدلا من مرافقة باقي الفنانين، فكنت آخر ممثل يصل المسرح وفوجئت بعدد مهول من المصريين الذين كانوا يعملون هناك فترة حرب الخليج الأولى ولا يستطيعون الدخول للمسرح وجاءوا يشتكون إلي، فعملنا حيلة ودخلنا من باب آخر بعد كسر المتاريس ليزدحم المسرح بشكل غير مسبوق لدرجة أن بعض الحضور جلسوا في وضع القرفصاء أمام الصف الأول الذي كانت تجلس فيه زوجة صدام حسين. وكانت تحية الجمهور بعد انتهاء العرض مرعبة مع الأعداد الضخمة بالمسرح وودت أن أشكرهم لكنهم لم يكونوا يسمعونني بسبب الزحام الشديد فما كان مني إلا أن ركعت مقبلاً أرض بغداد، فاشتعل المسرح بالهتاف وكنت في سعادة مجنونة وعرفت لأول مرة معنى دموع الفرح.

 

* أظن انها كانت زيارة مختلفة عن الزيارة الأخرى التي قمت بها لمرقد الإمام الحسين وأثارت غضب الكثيرين منك وتعرضت بسببها لظلم كبير؟

- تلك الزيارة أحدثت مشاكل كثيرة بسبب الإخوان المسلمين. وترجع الحكاية إلى أنني كنت مسؤولا عن الإعلام في تيار الاستقلال الذي نشأ بعد ثورة يناير 2011 وكان يضم أكثر من عشرين حزباً، وأعلنت أن الإخوان هاجموا مقر الاتحاد وفتحوا النار على الناس وسقط شهداء وكله كان مصورا بالكاميرات واتهمتهم بأنهم قتلة. وعندما كنت في العراق في مهرجان آخر مع الوفد الرسمي لوزارة الثقافة المصرية، جلس معنا وزير الثقافة العراقي مجاملة لنا على نفس الطاولة، وانتهزت الفرصة وقلت له إنني أريد زيارة مرقد الإمام الحسين لأني جئت مرات عديدة وفي كل مرة أنوي الزيارة ثم أفاجأ بانتهاء رحلتي وعودتي للقاهرة. وطلبت من الوزير العراقي أن يساعدني لزيارة المرقد الحسيني هذه المرة وطلبت ذلك في وجود وزير الثقافة المصري، وأجاب بالقبول، وفي اليوم التالي مباشرة أرسل لي اللواء محمد العسكري بسيارة الوزير وسط حراسات مشددة على أعلى مستوى وفوقي طائرة هيلكوبتر بابها مفتوح وعلى بابها شاب يده على المدفع. وخرجنا من المنطقة الخضراء في ممر محاط بجدران إسمنتية وعليها أبراج وكاميرات إلى أن خرجنا من بغداد وكنا نمر من معسكر لمعسكر إلى أن وصلنا لكربلاء واستحضرت مشاهد مسرحية «الحسين ثائرا وشهيدا» التي قدمتها وأنا طالب وبدأت مشاعري تتوحد مع الأحداث الدموية التي قرأت عنها كثيرا في التاريخ، مع ما ورثته من عشقي للنبي وأهل بيته، ولم أشعر بنفسي في تلك اللحظة خاصة مع طبيعة المكان وتوزيع الأضواء الحمراء فيه وكأنها دماء تسيل في المكان بشكل يثير في الخيال الواقعة الأليمة. ووصلت للمرقد وسط أجواء من النحيب والبكاء مما جعلني أنهار دون أن أتمالك نفسي ولم تحملني قدماي يقينا لأن الشريط دائر والكلام دمرني فتعلقت بالمقام ووقفت أدعو له. وفوجئت بعد ذلك أن العلاقات العامة لوزارتي الدفاع والثقافة كانوا يصورونني في إطار متابعة زيارتي. وتم تداول هذا الصور وأنا في هذه الحالة فالتقطها الإخوان مستغلين الموقف للانتقام مني وأرسلوا لي على الواتس تهديدا يقولون فيه: «إحنا ساعة الغلط نطرطش زلط.. انت شيعي»، واتهموني بالتشيع استنادا إلى صورتي وأنا في مقام الحسين، فاستغربت لأنني وكل المصريين نصلي بالقاهرة في مسجد الحسين فهل معنى ذلك أننا شيعة؟ وما المشكلة في هذه الزيارة؟! هم يثأرون من موقفي السابق معهم. ومع ذلك كيف أكون شيعيا وأنا سني أبا عن جد وورثت أولادي دين وسلوك السنة.

 

* على ذكر الأولاد، هل تعتقد أن عمل ابنك محمد ماهر بالفن يضعه على المحك في ظل صعوبة عثوره على أدوار جيدة؟

- كنت رافضا عمل ابني محمد في الفن بشدة، وقد دخله على غير رغبتي وكنت أريده أن يختار أي مجال آخر، لأن التمثيل معاناة لا يتحملها إلا عاشق، ولم أر له تجربة تقول إنه عاشق للفن. ولكنه نجح في إقناع والدته بأن يلتحق بكلية الإعلام ثم فوجئت به يختار قسم إخراج وكأنها خطة لدخول الفن دون أن يغضبني. وبعد ذلك طلبت مني أمه أن أساعده للعثور على عمل في مجاله ونجحت في تعيينه مخرجا في الفضائية المصرية إلى جانب عمله كممثل. وقد اجتمعنا في أكثر من عمل، مثل مسلسل «حديث الصباح والمساء»، ثم التقينا في مسلسل «دواعي أمنية» وقدمنا مشهدا لا أسمح لأحد غيره أن يقدمه وهو دور بلطجي يهاجمني ويضع السلاح على رقبتي وكانت من المشاهد المثيرة بيني وبين ابني محمد.

 

* هل تستشعر نوعا من الظلم مقارنة بنجوم آخرين من أبناء جيلك؟

- أبدا. ربنا أكرمني ومنحني فرصا كثيرة تركت من خلالها بصمة مميزة، وأشعر بكل الرضا والحمد لله، وكلما شاهدت أعمالي على الشاشة أفخر أنني شاركت فيها. وعلى المستوى العائلي أحمد الله على فضله أن سترني وربيت أولادي محمد وإسلام أحسن تربية حتى تخرج أحدهما من كلية الإعلام والآخر من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وأعيش حاليا مستمتعا بحياتي قمة الاستمتاع.

 

* ما أمنيتك في الحياة؟

- أدعو الله في كل وقت أن يديم علينا نعمة الأمن والأمان التي لم تعد موجودة في كثير من بلادنا العربية للأسف، وهي قيمة لا تدانيها قيمة، فليس هناك أفضل من أن نضع رؤوسنا على الوسادة ونغلق الباب على أولادنا وننام ونحن مطمئنون.


مقالات ذات صلة