بين أعزاز وضاحية بيروت الجنوبية

قبل أيام، تم الإعلان عن إطلاق جمعية تحمل اسم «تعدد الزوجات»، في مدينة أعزاز في ريف حلب الشمالي، وجاء في الإعلان أن افتتاح المكتب تم بترخيص من المجلس المحلي في أعزاز، وأن الخطوة ممتازة على طريق تصحيح هذا المفهوم (أي مفهوم تعدد الزوجات) وإيجاد الحلول المناسبة لزيادة الأيامى في المجتمع.

فور قراءة الإعلان تذكرت سيدة الضاحية الجنوبية في بيروت، هل تذكرونها؟ تلك السيدة التي خرجت على الإعلام قبل نحو 4 أعوام من وسط ضاحية بيروت الجنوبية ووجهت كلامها لأمين عام حزب الله حسن نصر الله متهمة مسؤولي الحزب بإرغام النساء على إبرام عقود زواج متعة على المطلقات والأرامل مقابل تقديم المساعدات لهن، وخصوصا أرامل من قتلوا في سوريا بعدما أرسلهم الحزب لخوض معركة بشار الأسد هناك؟ بعد أقل من 48 ساعة أرغمت تلك السيدة على الخروج مجددا على الإعلام وتوضيح كلامها وتقديم شبه اعتذار إلى نصر الله.

أما في أعزاز، فالأمر الإيجابي هو ما أثاره الإعلان عن «جمعية تعدد الزوجات»من موجة استياءٍ واسعةٍ بين النساء والشباب، فانهالت التعليقات الساخرة والرافضة على صفحات التواصل الاجتماعي.

ولكن أكثر ما لفتني هو تلك العقلية التي تقف وراء القصتين، القصة التي روتها سيدة الضاحية وما تضمنه إعلان الجمعية في أعزاز، عقلية تصر على أن ترى في المرأة شيئاً لا إنساناً، وتشترط لمساعدة النساء والأرامل تحديداً «عقد نكاح»إن كان تحت اسم زواج متعة أو تحت اسم تعدد الزوجات لحل مشكلة الأرامل.

وإن كان حزب الله وما يمثله هو شيء قبيح مبني على استغلال الإنسان خدمة لمشروع إيران التوسعي وكل وسيلة مبررة عندهم بما في ذلك القتل واستغلال الأطفال وتجارة المخدرات والقائمة تطول، ولكن ما حجة من يرفع علم الثورة في مكتبه في منطقة من المفترض أنها«محررة»؟ ما الذي منع القائمين على الجمعية والمجلس المحلي الذي رخص لهذه الجمعية وأهدافها أن يطرحوا مشاريع لمساعدة النساء، أرامل أو غير أرامل، نساء ورجال من خلال تمكينهم وتأمين فرص عمل ومشاريع صغيرة تعود بالنفع عليهم وعلى محيطهم، عوضا عن «تسليع»المرأة بحجة مساعدتها.

مرعب حجم المشتركات بين مَن هم من المفترض أنهم خصوم بل وأعداء، وقضية المرأة واحدة منها وليست القضية الوحيدة، وإن كانت من أكثرهم فجاجة، فمثلا لقد بتنا نرى صور معتقلين قتلوا تحت التعذيب، مرة في سجون من يطلقون على أنفسهم زورا لقب «الجيش الوطني السوري»ومرات على يد النظام السوري، بتنا نسمع تبريرات لاعتداءات «معارضين مسلحين»على المدنيين وقمعهم لحرية الرأي كما نسمع في أوساط مؤيدي بشار لتبريرات القتل. ولكن للإنصاف، فإن مساحة إيجابية لا تزال موجودة، فنحن نسمع يوميا مئات التعليقات التي ترفض وتندد بممارسات المعارضة التي تنتهك كل ما دعت إليه الثورة، بينما لا نسمع على المقلب الآخر إدانة ولو بصوت خافت لجريمة واحدة.

ومع ذلك، ألا يحق لنا أن نسأل: أين منظمات المجتمع المدني؟ وأين دورها بعيدا عن طاولات دي مستورا وما لحقه وما سيلحقه؟ أين المعارضة «الرسمية»من كل ما يحصل في المناطق«المحررة»؟وهل يكفي خروج النظام منها لتصبح حقا «محررة»؟ أم إنهم مشغولون بعد أن ناداهم منادٍ فهرولوا بعد انقطاع طويل ليشاركوا في أعمال اللجنة الدستورية ويصوغوا هم وبشار الأسد دستورا يشبه كل شيء إلا سوريا التي ثار أهلها من أجل قيم الحرية والعدالة والمساواة.