بين قرداحي الإعلامي وقرداحي الوزير

شربل وهبة، جورج قرداحي، وبينهما وقبلهما وبعدهما الكثير من الأسماء، التي تكره كل ما هو عربي وتتعاطى بـ«فوقية»مع الشعوب والدول العربية.

معالجة الأمر في كل مرة على أنه خطأ فردي أفسح المجال لتكرار هذه الأخطاء الفردية ونشرها حتى باتت «ثقافة»سائدة.

حتى استنكار هذه التصريحات يحمل في طياته في كثير من الأحيان ما هو أسوأ من التصريح نفسه، «نستنكر أي كلام عنصري ضد الخليج، لوجود لبنانيين يعملون هناك، نستنكر أي كلام ضد التحالف العربي، السعودية والإمارات تحديداً، ويدعم إيران وأزلامها كالحوثي، لأن هذه الدول قدمت الكثير للبنان».

أي لو لم يكن هناك لبنانيون عاملون بالخليج يرسلون الأموال إلى لبنان، لكان الكلام العنصري بحق الخليجين أمرا مقبولا، ولو أن المملكة العربية السعودية والإمارات لم يقدموا عبر التاريخ الدعم والمساعدات للبنان، لأصبح الوقوف مع ميليشيات إرهابية كميليشيا الحوثي التي تعتدي يوميا على المملكة كما على اليمنيين أمرا فيه نظر.

وما الفرق بين دعم جورج قرداحي للحوثيين ودعمه لبشار الأسد؟ لماذا الصمت على الثانية وإدانة الأولى؟ بكلا الحالتين الرجل ينتمي للمحور الإيراني المعادي للدول العربية وشعوبها، كما أغلبية الحكومة اللبنانية وأعضاء مجلس النواب اللبناني؟

وكيف لنا أن نصدق أن من يستنكر موقف قرداحي في اليمن ولكنه يتبنى موقفه في سوريا يختلف عن قرداحي نفسه لولا الدعم السياسي والمالي الخليجي؟

وبعيدا عن الشعارات، منذ التسعينات إلى يومنا هذا، ألم يدرك جزء كبير من اللبنانيين أن مصلحتهم هي بانتمائهم لمحيطهم العربي؟ وأنهم أكثر من يجب أن يؤيدوا مشروع الدولة بوجه الدويلة، إن كانت هذه الدولة فقيرة أو كانت تملك أموالا طائلة كالخليج؟ ألم يدرك بعضهم أن معاداتهم للشعوب العربية حتى وإن انتصروا عليها بالسلاح الإيراني لن تؤمن لهم الحماية والأمن على المدى الطويل؟

لا والأغرب من كل ذلك، ألم ينتهِ جورج قرداحي وأمثاله من لعبة «التذاكي»الحقيرة التي يلعبونها؟ يكرهون كل ما هو عربي، ولكن لا مانع من أن يصنعوا ثرواتهم من أموال العرب، ولا أن يبنوا أمجادهم في مؤسساتهم، وعندما يشبعون- إن شبعوا- يظهرون وجههم الحاقد، العنصري والطائفي في آن؟

يستغرب قرداحي من المدافعين عن «حرية التعبير والإعلام»من استنكارهم لكلامه، محق جورج قرداحي في استغرابه، فهو المعجب جدا بمن يقتلع حناجر من يخالفه الرأي لا من يستنكر.

لن تنتهي الأزمة التي تسببت فيها تصريحات قرداحي، حتى وإن كانت هذه التصريحات قبيل تعيينه وزيرا بشهر، بإقالته أو استقالته، فقد حصل الأمر نفسه مع وزير الخارجية السابق شربل وهبة. وها هي الأزمة نفسها تعاد بعد شهور قليلة مع قرداحي، ومن يدري مع من ستتكرر بعد شهور.

ما لم يقتنع اللبنانيون الناخبون قبل المنتخبين أن لا سبيل لاستعادة لبنان لعافيته إلا بعودته لموقعه الطبيعي العربي، وما لم يرفضوا أن يكون لبنان لا شيء إلا ساحة خلفية لإيران وميليشياتها وصبيانها، فإن الاعتذارات والإقالات لن تغير في واقع الأمر، إنه قرار اللبنانيين وحدهم، وإن كان المطلوب من المجموعة العربية كاملة دعم أي دولة أو فريق يقاوم مشروع الهيمنة والتوسع الإيراني ليس في لبنان فحسب، بل في كل مكان تمتد له يد إيران الخبيثة، إلى حينه قد يكون من المفيد إجراء استفتاء بين اللبنانيين أنفسهم، هل يرغبون في الانتماء للمحور العربي أم إنهم راضون بمحور إيران الممانع، مع الأخذ في الاعتبار أن مقاومة المشروع الفارسي هي في تقديم مشروع عقلاني بديل عوضا عن عنتريات البعض وتصريحاتهم التي تشبه في «صدقها»مواقف قرداحي الإعلامي قبل أن يصبح قرداحي الوزير.