انطلاق رحلة لبنان نحو التعافي الاقتصادي

خبراء يتحدّثون لـ«المجلة» عن أبرز التحدّيات التي يفرضها الاتفاق مع صندوق النقد الدّولي
صندوق النقد الدّولي

بيروت: حين اختتم المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي الدكتور محمود محيي الدين زيارته الاستطلاعية إلى لبنان، أعلن أنه وَجَد «توافقاً أفضل حول الأولويات ولغة واحدة بين الأطراف حول الأمر الاقتصادي وآثاره الاجتماعية». ولفت إلى أن «اللقاءات التي حصلت تعكس الأولويات الأربع التي تشكّل أركان التعامل المستقبلي مع صندوق النقد الدولي، وإطاراً  للتفاوض الذي ستقوم به الحكومة مع مصرف لبنان في الأسابيع المقبلة».

وأكّد على موعد الأسابيع المقبلة، لأن هناك أهمية لعامل الوقت، محدداً الملفات التي ترتبط بالمفاوضات، وهي: السياسات المالية العامة وكل ما يتعلق بإعادة هيكلة الدين العام، وإعداد موازنة منضبطة وفقاً للمعايير الدولية، ويكون فيها مكوّن رئيسي خاص بدعم النشاط الاجتماعي وكل الأنشطة الخاصة بالخدمات الاجتماعية الرئيسية، والإصلاحات الخاصة بالقطاع المالي، والتركيز على الجهاز المصرفي ودور مصرف لبنان، وتحديد الخسائر وفقاً لدراسات فنية معتمدة وللمعايير الدولية.

وأشار إلى أن هناك تفاهما جيّدا في هذا الأمر بين أعضاء الحكومة ومصرف لبنان وأهمية توحيد نظام سعر الصرف، وهذا يكون عادة منتجاً من منتجات الإصلاحات الاقتصادية الشاملة الذي تجري المباشرة بها، وأيضاً التوفيق في النقاش مع صندوق النقد والإصلاحات الهيكلية والتأكيد على موضوع الحوكمة والشفافية والأمور القطاعية ذات الأولوية التي تحددها الدولة. `

لذلك لن تكون اجتماعات التفاوض المقبلة اجتماعات صورية، بل هي الاجتماعات الأصعب على الإطلاق، إذ ينتظر المجتمع الدولي والدول المانحة اتخاذ قرارات جريئة والبدء بإجراءات ملموسة وجدّية على أرض الواقع تُعبّد الطريق أمام تلقي المساعدات المالية.

أما عن مسار المفاوضات، فحتماً لن يكون سلساً وليناً في ظل ألغام داخلية وغياب المناخ السياسي الذي يُسرع من عملية الإصلاح ومطالب قاسية من قبل الصندوق الذي حذّر مراراً وتكراراً من مغبة التأخر في إجراء الإصلاحات وخطورة انعكاساتها على لبنان، فتكرار تجربة الحكومة السابقة ستكون أشد خطورة اليوم من سابقتها، لا سيما أن خطوة اللجوء إلى هذه المفاوضات هي الخيار الأوحد أمام الحكومة... فالأزمة لا تحتمل الفشل مجدداً ولا خيار أمامها سوى النجاح.

ما رأي أهل الاختصاص في هذه المفاوضات وما المطلوب من الحكومة اللبنانية لإقناع إدارة الصندوق بالإفراج عن المساعدات؟

«المجلة» طرحت هذه الأسئلة على وزير المالية السابق الدكتور غازي وزني، الذي خاض هذه التجربة في المفاوضات السابقة، والنائب السابق لحاكم مصرف لبنان الدكتور محمد البعاصيري، وكبير الاقتصاديين ورئيس دائرة الأبحاث في بنك عودة الدكتور مروان بركات وخرجت بهذه الآراء.

غازي وزني

 

وزني: دين لبنان بالعملة الصعبة يبلغ تقريبا 32 مليار دولار أميركي

الوزير السابق غازي وزني اعتبر أن خارطة الطريق الوحيدة التي على الدولة أن تتبناها حتى تتمكن من معالجة الأزمات المتعددة التي يعيشها لبنان من مالية واقتصادية وسياسية ومصرفية ونقدية واجتماعية التوجه إلى صندوق النقد الدولي. وهذا الصندوق له عدة أهميات منها إعطاء الثقة للبنان ولبرنامج التعافي الاقتصادي وهذة الثقة تساهم في أماكن متعددة: أولاً، تسهّل التفاوض مع الدائنين والكل يعلم أن دين لبنان بالعملة الصعبة يبلغ تقريبا 32 مليار دولار أميركي ويفترض أن يتفاوض لبنان معهم من أجل معالجة هذه المديونية. وبالتالي، دخول البرنامج مع صندوق النقد الدولي يسهّل التفاوض مع الدائنين وخاصة الدائنين الموجودين في الأسواق العالمية والعربية.

يتابع وزني: «ثانيا، يفتح الصندوق الأبواب للبنان لاستقطاب المجتمع المالي الدولي وبالتالي انعقاد المؤتمرات الدولية المتعددة وهذه المجتمعات الدولية تكون عاملا مساعدا لتمويل لبنان ولا سيما أنها تساعد من خلال المصارف الاستثمارية العالمية لاستئناف عمليّة الدعم. وثالثا: التفاوض مع الصندوق يؤدي إلى جعل الأخير يقدم مساعدات تقنيّة للبنان خصوصا أن لبنان يتخبط بأسوأ وأصعب الأزمات الاقتصادية والمالية، لذا التفاوض مع الصندوق يقدّم مساعدات تقنيّة لاعتماد أي طريقة إصلاحية، وفي الوقت عينه يلزم السلطات اللبنانية أن تقوم بالإصلاحات اللازمة. ورابعا، يستطيع الصندوق تقديم الدعم المالي للبنان ويستطيع لبنان من خلال هذا التفاوض أن يؤمن أموالا».

وبحسب تقديراته، يقول وزني إنّه «بانتهاء المفاوضات يمكن تحصيل ما بين 3-4 مليارات دولار من الصندوق وهذا يفتح الأفق لتحصيل الأموال من المؤتمرات والمجتمع الدولي بين 9-12 مليار دولار أميركي، وبالتالي بشكل عام يكون الدعم المالي الذي يتم تحصيله من الصندوق ومن الدول الداعمة له بين 12-16 مليار دولار، وهذه هي الأموال التي يحتاجها لبنان بشكل أساسي إذا أراد الخروج من أزمته الاقتصادية والمالية والاجتماعية».

ويعتبر وزني أن «الشروط الإصلاحية التي وضعها الصندوق هي أيضاً قابلة للتفاوض عليها لمراعاة الأزمة. أما الحكومة الحالية فستقدّم برنامج التعافي المالي والاقتصادي. وفي الوقت عينه، ستحصل الحكومة على دعم مالي استثنائي قبل الانتهاء من التفاوض عبر طريقتين: أداة التمويل السريع، والطريقة الثانية هي تمديد الهشاشة المالية. وتستطيع الحكومة اللبنانية عبر أحد هذه الأساليب أن تطلب دعما ماليا وتستطيع أن تحصل ما بين 500-600 مليون دولار».

وعما إذا كان هناك تخوّف من أن تؤثّر الانتخابات النيابية على المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، أكد الوزير وزني أن الانتخابات النيابية تؤثّر على المفاوضات مع الصندوق، لأنّ الصندوق لا يكتفي فقط ببرنامج التعافي المالي والاقتصادي، بل من أهم مطالبه إصلاحات عمليّة وتنفيذية وفعلية وإلا من دونها ستضطرب عملية استمرار التفاوض. لذا هناك اهتمام من قبل الحكومة اليوم للاستحقاق النيابي ومن الصعب جدا اتخاذ إجراءات إصلاحية في بداية المطاف والتي من الممكن أن تتعارض مع مصلحة القوى السياسية التي تتجه نحو الانتخابات».

ويعطي وزني مثالاً على ذلك، أن من أحد الإصلاحات التي يفرضها الصندوق زيادة التعرفة على الكهرباء وإنشاء هيئات ناظمة للاتصالات. ويتساءل: «هل ستقبل بذلك القوى السياسية؟ كما أن من شروط الإصلاحات المالية خفض العجز وهذا يتطلب إعادة النظر في معدّلات الضرائب الموجودة وفي النظام التقاعدي المعتمد في القطاع العام. لذا، ففي ظل الأوضاع الانتخابية يجب إحالة كل الإصلاحات التي تريد أن تتقدّم بها إلى مجلس النواب من خلال تشريعات قانونية. فهل مجلس النواب في هذه الظروف قادرعلى أن يقوم بالإصلاحات المقدّمة من قبل الصندوق؟ الصندوق سيبدأ بالتفاوض ولكن في المقابل عليه أن يترافق مع خطوات تنفيذية واضحة وشفافة أي لا يكتفي بالكلام بل يحتاج إلى تنفيذ الإصلاحات فورا».

محمد بعاصيري

 

البعاصيري: فشلت حكومة دياب فشلاً ذريعاً عندما توقفت سداد اليوروبوندز

من ناحيته، أكّد النائب السابق لحاكم مصرف لبنان الدكتور محمد البعاصيري أن المفاوضات مع صندوق النقد الدولي ستخضع للكثير من الأخذ والرد، سواء مع الصندوق نفسه أو في الداخل اللبناني والأحزاب المختلفة. ولا يخفي أن أجواء الانتخابات النيابية المرتقبة ستخيم على المفاوضات مع الصندوق.

يقول: «باعتقادي أن العمل الجاد بالنسبة لتلك المفاوضات سيبدأ بعد الانتخابات النيابية مع العلم أنّ ذلك لا يمنع البدء قبل ذلك في وقت مبكر».

وأكّد أن نجاح المفاوضات يرتكز إلى عدة أمور من أهمها:

أولاً: وضع خطة «التعافي» من قبل الحكومة بشكل شفاف على وقع أرقام حقيقية بالتوافق بين وزارة المالية ومصرف لبنان.

ثانياً: على الحكومة أن تشرك الجهات المعنية أثناء إعداد تلك الخطة؛ حيث إن مصرف لبنان، والمصارف، والمودعين، يجب أن يكونوا ضمن هذه الجهات.

ثالثاً: يجب توزيع الخسائر المتضمنة في تلك الخطة بشكل عادل وعلى أسس قانونية سليمة.

رابعاً: من المفيد جدا إشراك المجتمع المدني على طريق أخذ الرأي والمشورة.

خامساً: تكوين أكبر قدر ممكن من الإجماع السياسي على تلك الخطة، بما في ذلك حراك 17 أكتوبر (تشرين الأول).

يقول: «من الطبيعي أن صندوق النقد لا يمكنه إعطاء القروض إلى الدولة المعنية على أساس البرنامج المتفق عليه بين الطرفين، قبل بدء ورشة الإصلاحات بشكلٍ تدريجي، حسب الجدول الزمني فإن مضمون البرنامج المتفق عليه والتي تتناول قطاع الكهرباء وإنشاء شبكة أمان اجتماعي وإصلاح الوضع المصرفي والمالي بما فيه معالجة مشكة الودائع والعمل على استقلالية القضاء، وتطبيق الحوكمة على صعيد الدولة بما يشمل مصرف لبنان، هذه الأمورالإصلاحية المتوجبة على لبنان».

وعن مدى جديّة لبنان بتوحيد أرقام الخسائر خلال مفاوضاته مع الصندوق، يؤكد بعاصيري على «ضرورة توحيد الأرقام بشكل شفاف وواضح وهي مسؤولية وزارة المال ولكن طبعا بالتعاون مع مصرف لبنان، معتبراً أن الشيء الإيجابي في الموضوع هو أن وزير المال الجديد يوسف خليل كان مديراً تنفيذياً في مصرف لبنان لمدة 40 سنة أي منذ 1981».

أما بالنسبة إلى الخطة التي وضعت أيام حكومة دياب، يرى بعاصيري أن «الخطة الموضوعة كانت سيئة جداً لأنه لم تكن ثمّة مشاركة من الأفرقاء المعنيين، إذ إن جزءاً من الخسائر تحمّلتها المصارف ومصرف لبنان ومن غير المنطقي أن تعتمد الحكومة على مستشارين يقررون مصير خمسة ملايين لبناني ولا نعلم حتى ما هي خلفيّاتهم وتضارب المصالح لديهم، وتالياً حكومة دياب فشلت فشلاً ذريعاً والدليل على ذلك سقوط خطة التعافي، مما يعني أن الأسس القائمة عليها غير صحيحة. عدا عن ذلك، فشلت حكومة دياب فشلاً ذريعاً عندما توقفت أولاً عن سداد اليوروبوندز وقد اتخذت هذا القرار من دون معرفة الدائنين ولا حتى تفاوضت معهم لإيجاد حلول. والمشكلة الثانية هي سياسة برنامج الدعم الفاشلة والظالمة إذ تم هدر نحو 8 مليارات دولار أميركي، وهنا لا يلام فقط رئيس الحكومة السابق بل أيضاً وزير الاقتصاد السابق راؤول نعمة، فبدلاً من أن يتم دعم الشعب الفقير، دعمت البضائع التي كانت قابلة للتهريب، وهذه المليارات كنا أصلحنا بها قطاع الكهرباء».

مروان بركات

 

بركات: خطة إعادة الهيكلة المالية ينبغي أن تترافق مع خطة استقرار اقتصادي ومالي

أما الخبير المصرفي الدكتور مروان بركات فقد اعتبر أن «مهمّة التّفاوض مع الصندوق لن تكون سهلة بل شاقة في ظلّ الاختلالات اللافتة التي يعرفها الاقتصاد اللبناني اليوم، لا سيما بشقّه المالي والنقدي والخارجي.

كما أن لصندوق النقد عددا من الشروط التي تؤمن تغيّراَ ملموساً في السياسات المعتمدة وكذلك في المسار الاقتصادي الكليّ. إلا أن موضوع إبرام اتفاق متكامل مع صندوق النقد بحسب بركات يعدّ حدثاً تاريخياً».

ويقول: «من هنا، أهمية التوصّل إلى أرضية مشتركة مع الصندوق. التوصّل إلى برنامج مع الصندوق يؤمن انخراط الصندوق في مراقبة تطبيق الإصلاحات الهيكلية والمالية وتنفيذها على خير وجه، علماً أن لبنان لم يقم بتنفيذ التزاماته الدولية السابقة. بالتالي فإنّ دور الصندوق قد يعطي حافزاً للدول المانحة والمؤسسات المانحة نظراً للتأثير الذي يتمتع به الصندوق على هذه الجهات، وهو بالتالي ما قد يسهّل الحصول على الدعم الدولي المرجو بشكل عام. نظراً لأهمية الاتفاق مع الصندوق واعتماد برنامج إنقاذي إصلاحي، نأمل الوصول إلى ذلك قبل الانتخابات النيابية وعدم تأجيل ذلك بفعل الاستحقاق الانتخابي».

ويقول بركات إن صندوق النقد الدولي سيقوم بتأمين الدعم للبنان في حال تم التوصّل إلى اتفاق متكامل مع الحكومة اللبنانية يستند على عدد من النقاط أبرزها: الاتفاق على حجم الخسائر وتوزيعها على مختلف العملاء الاقتصاديين، وإلغاء جميع أنواع الدعم، وتشريع قانون الكابيتول كنترول، وتوحيد أسعار الصرف المختلفة، والتحضير لموازنة تقشفية تستهدف عجزاً لا يتجاوز 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وإصلاح قطاع الكهرباء، وإصلاح القطاع المصرفي من أجل تعزيز الحوكمة وقدرته على مواجهة الضغوط والعمل على استعادة دوره كعميل ذي صدقية بنّاءة يعوّل عليها.

وفي حال توفّرت مجمل هذه الشروط، يمكن للبنان أن يتوصّل إلى إبرام اتفاق تاريخي مع صندوق النقد الدولي، مما يمهّد الطريق أمام إجراء تحوّل جوهري وانعكاس للنمط السائد منذ فترة في الاقتصاد الوطني بشكل عام.

ويتابع: «نحن نعتبر أن اتفاقا مع صندوق النقد الدولي ينبغي أن يتوصل إلى توزيع عادل للخسائر بين مختلف العملاء الاقتصاديين. وأن الدولة، التي تتحمّل بشكل أساسي مسؤولية الأزمة الراهنة ينبغي أن تأخذ على عاتقها جزءاً ملحوظاً من الخسائر. كذلك، ينبغي على القطاع المصرفي أن يحمل حصته من الخسائر، إلا أن أي خطة تعافٍ يجب أن تبقي على حد أدنى من الأموال الخاصة للمصارف (ما لا يقل عن 7 إلى 8 مليارات دولار بعد احتساب كل الخسائر، أي ما يقارب 15 في المائة من الأصول المعاد هيكلتها انسجاماً مع المعايير العالمية للرسملة)».

ويتابع: «تعتبر المحافظة على الحد الأدنى للأموال الخاصة أمراً محورياً لكونه يمكّن القطاع من دعم خطة النهوض بالبلاد والتي يجب أن تعتمد على إطار ماكرو- اقتصادي راسخ، وقطاع مصرفي سليم وعامل ثقة ملائم يجب العمل على استعادته مع الوقت. من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة رسملة القطاع المصرفي وتقليص حجمه ليتماشى مع حجم الاقتصاد (نسبة الأصول إلى الناتج يجب أن لّا تتعدى 150 في المائة بما يتماشى مع البلدان ذات الاقتصاديات المشابهة للبنان)، مما يكسب القطاع مجدداً مصداقية يبني على أساسها في الفترة المقبلة».

ويضيف: «كما أن خطة إعادة الهيكلة المالية ينبغي أن تترافق مع خطة استقرار اقتصادي ومالي من أجل تأمين الدعم المطلوب، على أن تتضمن: إعادة هيكلة الدين العام لتحقيق خفض للدين في المدى القريب، وتأمين استدامة الدين في المدى المتوسط والبعيد، وإعادة هيكلة القطاع العام، ووضع سياسة نقدية جديدة لإعادة بناء الثقة، وتأمين استقرار سعر الصرف عند سعر موحد، والقيام بإصلاحات تحفز على النمو وزيادة حجم الاقتصاد الوطني، ووضع برنامج الأمان الاجتماعي لتخفيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية عن كاهل الأسر اللبنانية بشكل عام».