بعد 10 سنوات من استمرارها... كيف غيّرت الحرب حياة السوريين؟

سوريون لـ«المجلة»: الخسائر المادية والبشرية أنهكتنا

القامشلي: قلبت الحرب السورية حياة سكان البلاد رأساً على عقب مع استمرارها لنحو عقدٍ من الزمن، وتحوّلها لسببٍ رئيسي في خساراتهم البشرية والمادية التي أثّرت بشكلٍ كبير على نمط حياتهم بعد اضطرارهم للنزوح من منطقةٍ سوريّة إلى أخرى، علاوة على تشتتهم باللجوء إلى دول الجوار ودولٍ أوروبية وغيرها من البلدان حول العالم.

ويقول رجلٌ سوري يعيش في مدينة حلب الواقعة شمال البلاد إنه اضطر لتغيير بيته عدّة مرّات مع أسرته إثر المواجهات العسكرية التي شهدتها المدينة بين قوات النظام السوري ومعارضتها المسلّحة خلال السنوات الماضية، والتي أدّت إلى تدمّير البيت الذي كان يعيش فيه بالكامل.

ويضيف لـ«المجلة»: «لم يكن يخطر في بالي أبداً أنني سأقيم يوماً ما في بيتٍ صغير لا أستطيع في بعض الأحيان تأمين إيجاره الشهري بعدما كنت أعيش في بيتٍ كبير تعود ملكيته لي، بالإضافة إلى أنني كنت أمتلك محلا صغيرا يؤمن لي مرودا ماليا مقبولا يكفي لمعيشتي مع سائر أفراد عائلتي».

ويتابع: «في الوقت الحالي أعتمد على بعض الأموال التي يرسلها لي شقيقي المقيم كلاجئ في ألمانيا منذ عام 2015، لكنني في الوقت عينه أحاول تأمين فرصة عملٍ دائمة، ورغم أنني أعمل في التدريس، إلا أن الراتب الذي أحصل عليه لا يكفيني لأكثر من أسبوعٍ واحد في ظل الغلاء القاسي وانهيار قيمة الليرة بالكامل».

ويشدد الرجل على أن «مختلف المواد الأساسية كالمنتجات الغذائية والملابس والمحروقات تسعّر وفقاً لسعر صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، ولذلك تكون أسعار تلك المواد باهظة جداً، وهي حال كل مواطن سوري يحصل على راتبه بالعملة المحلية، وهو ما كان سبباً في تغيير نمط حياتي وأسرتي بشكل كامل».

ويشرح لـ«المجلة» كيف أن تأثير خسارته لممتلكاته كان كبيراً عليه، فيقول: «لم يكن من السهل أن أتقبّل خسارة بيتي ودكاني، لكن بضع قطعٍ ذهبية كنت قد اشتريتها لزوجتي قبل سنوات، ساعدتني في دفع إيجار المنزل الجديد الذي نزحنا إليه بعدما تدمّر بيتي الأول، لكن مع الأيام انتهت تلك النقود وأُرغِمت على العودة لمهنة التدرّيس التي كنت قد تركتها عندما افتتحت ورشةً لصناعة الحقائب والأحذية النسائية في حي الميدان بحلب».

ويؤكد الرجل البالغ 47 عاماً من العمر: «لم يعد بمقدوري السفر إلى خارج البلاد للاستمتاع والراحة كما كنت أفعل سنوياً عندما أسافر مع زوجتي وأطفالي إلى الأردن أو لبنان وغيرهما من الدول، وهو ما يجعلني أشعر بنوع من تأنيب الضمير تجاه أولادي الذين لم يخرجوا من سوريا منذ عام 2012، حيث سافرنا معاً للمرة الأخيرة إلى تركيا قبل أن تتدهور الأوضاع الأمنية في البلاد».

وتتقاطع أحداث قصة هذا الرجل الذي قابله مراسل «المجلة» في سوقٍ سورية تُباع فيها الملابس البالية، مع قصص مئات السوريين الذين يتهافتون على هذه السوق لشراء ملابس وأحذية مستعملة بأسعار منخفضة مقارنة بتلك الموجودة في باقي المحلات.

ويقول رجلٌ آخر (49 عاماً): «لم أكن أعرف الطريق إلى هذه السوق، أو بالأحرى لم أكن أشتري ثيابي وأحذيتي من أمكنةٍ كهذه، لكن بعد تدهوّر أوضاعي المالية بتُ مرغماً على الشراء من هذه الأسواق، فلا مال يكفي لديّ لشراء ملابس وأحذية من محلاتٍ تُسعّر موادها بحسب سعر صرف الليرة أمام الدولار الأميركي».

وكان هذا الرجل بحسب روايته، يملك مكتباً لتأجير السيارات في منطقة طريق الباب الواقعة في ضواحي حلب الشرقية، لكنه خسر عمله بعد تعرّض مكتبه للقصف وهو ما أدى لتدمير السيارات التي كان يؤجرها.

ويمضي في سرد حكايته: «كان مكتبي يقع وسط حيّ شعبي متواضع، وكنتُ أعمل بالسيارات وأؤجرها في المناسبات، والأعراس، وبالفعل كان يؤمن لي قوت يومي، لكنني خسرت هذا العمل بعد تعرّض مكتبي للقصف، فأُرغِمت على العمل كسائقٍ لدى صاحب سيارة أجرة، وهكذا تغيّر نمط حياتي كلها».

ويحتفظ كلا الرجلين السوريين بخجلٍ شديد يمنعهما من الوقوف أمام عدسة الكاميرا، لكنهما يظهران في صورٍ التقطها مراسل «المجلة» وهما يبحثان بين الملابس والأحذية المستعملة عن قمصانٍ وأحذية شتوية مناسبة.

إقبال كثيف على الأسواق الشعبية

وعلى الرغم من أن إقبال السوريين على أسواق ومحلات الملابس المستعملة التي غالباً ما تكون أوروبية المصدر، لم يكن كبيراً قبل الحرب التي تشهدها البلاد والتي تلت احتجاجاتٍ شعبية اندلعت في منتصف مارس (آذار) من عام 2011، إلا أن عواملٍ كثيرة ساهمت في تنشيط حركة هذه الأسواق والمحلات بعدما أرغمت الحرب ملايين السوريين على تغيير نمط حياتهم بسبب الفقر والعوز.

وتعد الظروف الاقتصادية السيئة التي يعيشها معظم السكان، وغلاء أسعار الملابس الجديدة سبباً رئيسياً في لجوء الكثير من العائلات إلى الأسواق الشعبية لتأمين ما يحتاجونه وأطفالهم من الملابس والأحذية المستعملة.

وقال صاحب محلٍ لبيع الملابس والأحذية المستعملة إن «سوء الأحوال المعيشية لمعظم السكان لم يترك أمامهم سوى خيار اللجوء إلى محلاتنا، وبالتالي زاد الطلب على المنتجات التي نبيعها، ولذلك ارتفع عدد محلات الملابس المستعملة خاصة مع وجود أقرباءٍ للتجّار في الدول الأوروبية، حيث يشترون البضائع من هناك ومن ثم يقومون بإرسالها إلى أقربائهم التجّار في سوريا عبر لبنان أو تركيا أو كردستان العراق».

وأضاف لـ«المجلة»: «نحن نشتري الملابس والأحذية من دولٍ أوروبية عديدة بينها فرنسا وألمانيا من خلال معارفنا وأصدقائنا في تلك البلدان، لكن عدم استقرار سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأميركي يتسبب في مشكلة جديدة بالنسبة لنا كتجّار، فمعظم زبائننا هم من أصحاب الدخل المحدود ولا يمكنهم الشراء بأسعارٍ باهظة، ولذلك نعتمد على مبدأ البيع بكمياتٍ كثيرة مقابل ربحٍ قليل لا سيما وأن ارتفاع الأسعار لدينا سيجعلنا نخسر الزبون».

ويتردد سكان مختلف المناطق السورية كالعاصمة دمشق وحلب إلى هذه المحلات لعدم قدرتهم على شراء ما يحتاجونه من المحلات التي تبيع الملابس الجديدة نتيجة غلاء أسعارها، ولكن إلى جانب ذلك يُشكل مصدرها الأوروبي دافعاً لدى الكثيرين على الشراء منها للتباهي بالماركة.

وتقول سيدة سورية (35 عاماً) نزحت من ريف إدلب إلى مدينة حلب قبل سنوات إن «الملابس المستعملة تكون غالباً أفضل من تلك المصنعة حالياً في سوريا، ولذلك أتردد على مثل هذه الأسواق بين الحين والآخر، لأن أسعارها زهيدة، وهو ما يعتبر سبباً إضافياً لشراء الحاجيات المستعملة، فهي على الدوام أرخص من الملابس والأحذية الجديدة».

 

وتضيف: «في الوقت الراهن، أخاف من انتقال الأمراض إلينا عبر هذه الملابس والأحذية، ولذلك أقوم بغسل كل قسم جيداً وتعقيم كل القطع قبل ارتدائها، خشية الأمراض التي قد تنتقل منها إليّ، وهي عادة دأبت عليها حتى قبل ظهور فيروس كورونا».

وتتابع لـ«المجلة»: «قبل الحرب السورية لم أكن أتردد إلى أسواقٍ كهذه، لكن الأيام أرغمتني على ترك مزرعتي بعدما نزحت من ريف إدلب إلى حلب. في الحرب نحن مرغمون على فعل أشياءٍ لم نكن نحب أن نفعلها سابقاً».

وواجه أصحاب المحلات والأحذية المستعملة في سوريا، اتهاماتٍ كثيرة خلال فترة الحرب الحالية، من جهة أن البضائع التي يقومون ببيعها للناس دخلت إلى سوريا كمساعداتٍ من جمعياتٍ أوروبية، لكن معظمهم ينفون مثل هذه التهم.

وقال صاحب محلٍ آخر لبيع الملابس والأحذية: «في بعض الأحيان أرسلت جمعيات أوروبية مساعداتٍ لسوريا كانت عبارة عن ملابس وأحذية وألعاب أطفال، لكن أجور نقلها إلى تركيا أو الأردن أو كردستان العراق، كانت مكلفة جداً، ولذلك عُرِض علينا من قبل مؤسسات خيرية دفع أجور الشحن مقابل حصولنا على نصف البضائع المرسلة، وهو ما حصل معي شخصياً أكثر من مرة».

وأضاف لـ«المجلة»: «تمّ كل ذلك بالتوافق بيننا، ولم نكن نبيع المساعدات، كل ما في الأمر هو أننا حصلنا على بضائع مقابل دفعنا لأجور النقل».

 

الخسائر البشرية تكسر ظهر السوريين

ومع أن الحرب أرغمت ملايين السوريين على تغيير نمط حياتهم، بعدما أُجبِروا على التنقل بين مدينةٍ سورية وأخرى أو الخروج من البلاد بعد خسارتهم لممتلكاتهم، لكن وفق القصص التي يرويها البعض، يبدو تغيير نمط الحياة مؤلماً أكثر حين يكون قد تمَّ نتيجة خسائر بشرية.

ويقول مسنٌ سوري يبلغ من العمر 72 عاماً: «لقد تغيرت حياتي كلياً بعد الحرب، فقد خسرت أحد أبنائي حين كان يحاول الهرب من الخدمة العسكرية الإلزامية»، والتي تفرضها السلطات السورية على كلّ شابٍ أتمّ الثامنة عشرة من عمره.

ويضيف لـ«المجلة»: «لقد حاول ابني الهروب من الجيش عندما يخدم في ثكنة عسكرية تقع في ضواحي حلب، لكنه قتِل لاحقاً، حيث انقطع التواصل معه واختفى أثره عام 2013، ومنذ ذلك الوقت لا يفارقني الحزن».
ويتابع المسنّ الذي ينحدر من منطقة ريف دمشق: «اليوم، أنا وحيد مع زوجتي، فأولادي الآخرون تركوا البلاد، وأخذوا معهم أحفادي وفروا من الحرب»، معبراً عن اشتياقه الكبير لأحفاده وأولاده.

وتتقاطع قصة هذا المسن مع حكاية سوريين آخرين أثّرت الحرب الحالية على سلوكهم النفسي أيضاً إلى جانب تغيير نمط حياتهم.

ومع تفشي فيروس كورونا، ازدادت أوضاع شريحةٍ كبيرة من السوريين سوءًا خاصة مع اضطرار منظماتٍ دولية إلى التوقف عن العمل نتيجة قيود السفر.

وفي الذكرى العاشرة لاندلاع الاحتجاجات الشعبية في مارس (آذار) الماضي كشفت الأمم المتحدة أن الحرب الحالية «أدّت إلى تهجير ملايين الناس بين لاجئ ومشرد داخل سوريا، ناهيك عن عدد القتلى الذين لقوا حتفهم خلال الحرب».

وقال مهنّد هادي منسق الأمم المتحدة الإقليمي للشؤون الإنسانية للأزمة السورية في إفادةٍ صحافية قبل أشهر إن «الناس في سوريا يحتاجون إلى شتى أنواع الدعم الإنساني بين مأوى وتعليم وغير ذلك، ووصل بهم الحال في أجزاء من سوريا إلى أنهم بحاجة إلى كل أنواع الدعم المقدم من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي».

وتجدر الإشارة إلى أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر والتي تتخذ من مدينة جنيف السويسرية مقرّاً لها كشفت قبل سنوات أن «الصحة النفسية في سوريا تعد من المجالات الجديدة، ولكن لم يستوعب المجتمع الحاجة إليها بعد»، وذلك في تقريرٍ نشرته حول تداعيات الحرب السورية على سكانها.


مقالات ذات صلة