تونس :حكومة جديدة بعد الانتخابات والرهان على بورقيبة الابن

الحبيب بلا... وسيلة
بورقيبة ووسيلة قبل الطلاق

لندن: جاء  طلاق السيدة وسيلة بن عمار من عصمة الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة آخر التطورات المتلاحقة في تونس، وكان من الممكن أن يكون هذا الحدث عاديا وليس مثار تساؤلات لو أن الطلاق لم يأت في سياق أحداث توالت في تونس على مدى الشهور الأخيرة، وأبعد معها عدد من المسؤولين الكبار، فيما توحي باستبعاد وجوه جديدة في خضم الصراع الدائر بين التيارات المتعددة المختلفة .

وطلاق السيدة وسيلة، وهي المرأة الوحيدة التي ارتبط اسمها بجزء من تاریخ تونس الحديث، وببعض الأحداث والتقلبات والتغيرات التي شهدها هذا البلد العربي على مدى نحو ثلث قرن لم يكن مفاجئا، وإن كان الشارع التونسي الذي ظن أن التطورات انتهت بتغيير رئيس الوزراء السابق محمد مزالي. قد استقبل هذا النبأ ببعض الدهشة، خصوصا أن العادة جرت خلال الشهور الأخيرة على أن كل حدث هام على هذا المستوى تسبقه إشاعات قد تكون غير مقصودة وقد تكون مقصودة لتهيئة الرأي العام لتقبله.

ومما يؤكد أن هذا الحدث في سياقه العام لم يكن مفاجأة، أن الإشاعات والمعلومات التي بدأت في التسرب، من قصر قرطاج الذي يحاذي البحر ويقع في موقع أثري تاريخي عريق، أخذت مند مطلع العام الحالي تتحدث عن احتمال انفصال «المجاهد الأكبر» عن زوجته ورفيقة كفاحه الطويل التي كانت إلى جانبه منذ بداية حركة الاستقلال وارتبطت به بعقد الزواج في شهر أبريل (نيسان) العام 1961.

والسيدة وسيلة التى رافقت رئيس تونس منذ فجر الاستقلال وحتى نهاية العام الماضي، وعاشت معه مرحلة البناء، بحلوها ومرها، تنحدر من عائلة تونسية لها مكانتها المعروفة في العاصمة، وكان «المجاهد الأكبر»، قد أبدى رغبة في الزواج منها وهو لا يزال يمارس مهنة المحاماة في حي باب السويقة في مدينة تونس القديمة

.

وكان الرئيس بورقيبة، قبل اقترانه بالسيدة وسيلة، مرتبطا بزوجته الأولى الفرنسية الأصل مفيدة بورقيبة، وقد حملت هذا الاسم بعد تخليها عن اسمها قبل الزواج وهو ماتيلدا، وأنجبت السيد الحبيب بورقيبة الابن الذي أصبح فيما بعد أحد السواعد الأساسية لوالده الرئيس .

والآن، بعد نحو أسبوعين على صدور البلاغ الرئاسي بالإعلان عن طلاق السيدة وسيلة وتجريدها من لقب «الماجدة» الذي حملته منذ اقترانها بالرئيس قبل نحو ربع قرن، فإن التساؤلات لا تزال تطرح حول أسباب هذه الخطوة، وحول ما إذا كان النسيان سيطوي هذه المرأة التي كانت في يوم من الأيام ذات شأن في تونس، كما طوى هذا النسيان شخصيات برزت في التاريخ التونسي الحديث، مثل الهادي نويرة، والباهي الأدغم، وغيرهما.

البلاغ الرئاسي الذي صدر مساء الاثتين قبل الماضي في الثاني عشر من أغسطس (آب) الحالي، اكتفى بإيراد إشارة خاطفة تقول إن طلاق زوجة الرئيس صدر عن المحكمة الابتدائية في تونس «بسبب الضرر الحاصل منها لإدلائها  بتصريحات تنافي الدستور بدون إذن الرئيس أو موافقته».

لكن البلاغ الرئاسي لم يحدد متى أدلت وسيلة بهذه التصريحات، كما لم يوضح طبيعتها، ولم يشر إلى المطبوعة التي نشرتها، ولا ما إذا كانت هذه المطبوعة تونسية أم عربية، أم أجنبية. لكن معلومات الشارع التونسي تقول إن زوجة الرئيس (السابقة) أدلت في العام الماضي بتصريحات إلى مجلة «جون أفريك»، انتقدت فيها أسلوب الحكم المتبع في تونس وطالبت بتعديل الدستور بحيث يتضمن تعيين نائب لرئيس الجمهورية لتلافي حصول الفراغ المتوقع في حال شغور الرئاسة.

الصراع السياسي

ومن خلال ملاحقة سريعة للحياة السياسية في تونس، خصوصا في العامين الماضيين، يمكن الإشارة إلى خلفيات ودوافع هذا القرار الذي يعتقد الشارع التونسي أن «المجاهد الأكبر» لم يتخذه إلا بعدما طفح به الكيل، وبعدما وصلت الأمور إلى نقطة المفترق الصعب المحتم الذي لا بد منه.

 ووسيلة ليست امرأة عادية، فهی- كما يقول تاريخ تونس الحديث الذي أشرف على تدوينه محمد الصياح الرجل الصامت وصاحب الطموح الكبير- بدأت معترك الحياة السياسية مبكرا عندما كانت لا تزال طالبة في المدرسة، وبعد الاستقلال بدأت وسيلة تلعب دورا سياسيا واضحا في حياة تونس على الرغم من أنها لم تتسلم أية مسؤولية محددة، وخولها قربها من الرئيس وتنظيم برامج حياته اليومية لعب أدوار رئيسية في جميع نواحي الحياة التونسية، وشیئا فشيئا مع بروز طموحات شباب الأمس في الحزب الذي قاد استقلال البلاد. أصبح لوسيلة تأثيرها الكبير بين الأجنحة المختلفة التي أخذت تتصارع على السلطة والنفوذ، وخصوصا في السنوات العشر الأخيرة بعدما وضعت مسألة خلافة الرئيس على الخريطة السياسية، وكانت نقطة الخلاف بينها وبين زوجها أن «المجاهد الأكبر» كان أقرب إلى ما يسمى بمجموعة الساحل في حين أنها كانت ترمي بثقلها إلى جانب ما يسمى بمجموعة العاصمة.

والمعروف أن من بين مجموعة العاصمة السيد إدريس قيقة وزير الد اخلية السابق الذي أعفي من منصبه على أثر ما يسمى «ثورة الخبز» في عام 1984، ويقال إن وزير الخارجية الحالي الباجي قائد السبسي ينتمي إلى هذه المجموعة على الرغم من أنه يحرص على تأكيد أن ولاءه الكامل هو للرئيس وأنه لا يلتزم إلا بتوجيهاته وإرشاداته.

وبالمقابل، فإن مجموعة الساحل تضم كلا من زين العابدين بن على، ومنصور السخيري، ومحمد الصياح. وعمر الشاذلي، وهذه المجموعة تتولى الآن زمام الأمور في تونس، خصوصا بعد إعفاء رئيس الوزراء السابق محمد مزالي، وطلاق السيدة وسيلة وتجريدها من لقب «الماجدة».

وبين هذا وذاك، فإن الروايات تشير إلى أن الشرخ الأساسي بين الرئيس وزوجته حصل عندما انتدبت وسيلة نفسها للدفاع عن محمد بلحاج مدير شركة «الخطوط الجوية التونسية،» السابق، بعدما أصابه شرر الصراع السياسي وأحيل إلى المحاكمة بتهمة الإساءة إلى الوظيفة العامة.

تقول هذه الرواية إن وسيلة دخلت على الرئيس في ساعة مبكرة من صبيحة أحد أيام ديسمبر (كانون الأول) 1985 بصحبة الحبيب بورقبية الابن نجل «المجاهد الأكبر»، وطلبت منه إصدار عفو عن محمد بلحاج، لكن الرئيس رفض طلبها في شيء من الإصرار. وفي اليوم التالي، عندما زار رئيس الوزراء محمد مزالي قصر قرطاج للقاء الرئيس، كما جرت العادة، طلب منه «المجاهد الأكبر» أن لا يخرج من القصر الرئاسي إلا بعد إعداد صيغة قرار بعزل بورقيبة الابن من منصبه كمستشار للرئيس، ويقال إن الرئيس بورقيبة أسمع في ذلك اليوم وهو  في لحظة غضب عارم، رئیس وزرائه، أنه سيطلق زوجته.

وتردد في ذلك الحين أيضا أن الرئيس طلب من وزير العدل أن يحضر إلى قصر قرطاج وأن يصطحب  معه قاضي الأحوال الشخصية لإعداد صيغة طلاق السيدة وسيلة. لكن، كما يقال، ما لبث بورقيبة أن تراجع عن هذه الخطوة بعد وساطات داخلية وخارجية، وبعد تعهد بعدم تدخل عقيلته في الشؤون السياسية.

بعد ذلك خرجت وسيلة بهدوء وصمت من قصر قرطاج وانتقلت إلى العيش في منزل ذويها في العاصمة تونس، ثم سافرت بعد أن سمح لها الرئيس بذلك إلى فرنسا حيث أقامت في منزل تابع للسفارة التونسية في باريس وأخذت تتردد على مصح وتتنقل بعد ذلك بين العاصمة الفرنسية والولايات المتحدة. ويبدو أن وسيلة التي تعرف كل شاردة وواردة في بلادها وتعرف الهرم السياسي في تونس تمام المعرفة من أصغر حجر إلى أكبر حجر فيه، لم تتوقف عن متابعة التطورات المتلاحقة في تونس خصوصا وأن العاصمة الفرنسية تضم عددا من الشخصيات السياسية التي لعبت أدوارا مؤثرة في تاريخ تونس، مثل محمد المصمودي وإدريس قيقة، وإبراهيم طوبال، لكن وعلى الرغم من تشابك الخيوط واشتداد الاستقطاب بين الأجنحة المتصارعة في تونس، بل ورغم كل ما قيل عن حجم الشرخ بين «المجاهد الأكبر» وزوجته (السابقة) فإن بعض الأوساط التونسية في المنفى تؤكد أن الاتصالات بين الحبيب بورقيبة وبين وسيلة لم تنقطع، ويقال إنه كان من المتوقع أن تعود إلى تونس في مناسبة حلول الذكرى الثالثة والثمانين لميلاد الرئيس التونسي.

وتردد أن وسيلة ربطت عودتها بشروط، من بينها إعادة النظر في التطورات السياسية الأخيرة والإفراج عن عدد من الذين ترى أنهم «ضحايا أبرياء» لصراع الأجنحة في تونس، ومن بين هؤلاء محمد بلحاج وزوج ابنتها السابق توفيق الترجمان المحكوم بالسجن لأكثر من عشر سنوات، ويبدو أن الرئيس بورقيبة لم  يستسغ هذه الشروط، وأنه عندما لم تحضر وسيلة إلى تونس في مناسبة أعياد ميلاده فك ارتباطه بالمرأة التي عاشت معه طويلا ورافقته في أيام من السجون الفرنسية في تونس إلى المنفى في القاهرة وكانت إلى جانبه في معركة البناء وإقامة الدولة.

صراع القوى الكبرى

لكن، هل هذا كل شيء؟ وهل إن قرارا بمثل هذا الحجم يتخذه الرئيس بورقيبة لمجرد أن زوجته لم تأت لحضور أعياد ميلاده وأنها تتدخل للإفراج عن بعض المحكومين المتهمين بسوء التصرف؟

بل هل إن قرارا بهذا الحجم يتخذه «المجاهد الأكبر»، لمجرد وشاية صدرت عن امرأة أخرى ضد رفيقة دربه الطويل؟

الصحف التونسية الحكومية وغير الحكومية لا تخفي أن تونس، بعد طرح موضوع خلافة الرئيس على بساط البحث، أصبحت نقطة مركزية بالنسبة إلى الصراعات الدولية، وأن هناك شدا وجذبا بين دول تعتقد أن مستقبل تونس يؤثر بشكل مباشر على أمنها القومي في شمال أفريقيا وفي البحر الأبيض المتوسط، وتخشى بعض الدول من أن غياب الرئيس بورقيبة بشكل مفاجئ، قد يؤدي إلى فراغ سيكون برسم المفاجآت والاستقطابات الدولية في المنطقة، إذا لم تحسم الأمور في ظله وتتربع على سدة الحكم مجموعة متجانسة.

ورغم ذلك تشير المعلومات إلى أن قرار طلاق وسيلة قد يضع حدا لحركة الاستقطاب وصراع التيارات في تونس، لكن من المعتقد أن زوجة الرئيس السابقة ستعود إلى التحالف مع نجله الحبيب بورقيبة الابن إذا أتيحت لها ظروف العودة إلى تونس في فترة قريبة.

ومع أن حصيلة التطورات التي تلاحقت منذ نحو شهرين تكاد تؤكد أن خلافة الرئيس لن تخرج عن دائرة الحلقة الجديدة التي تشكلت في أعقاب المؤتمر الأخير للحزب الدستوري، وهي الحلقة التي ثبتت  مجموعة الساحل في الحكم، فإن الاعتقاد السائد أن مفاجآت جديدة ستبرز مع حلول مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل حيث ستجري الانتخابات  التشريعية في البلاد.

ويقول العارفون ببواطن الأمور أن الرئيس سيلجأ في النهاية إلى تعيين نجله الحبيب بورقيبة الابن نائبا له بعد إجراء تعديلات في نصوص حزب الدستور، أو رئيسا للوزراء، ليضمن انتقال السلطة إليه في حال حصول الأمر المتوقع، ويقال أيضا إن وجها جديدا على وشك أن يدخل إلى القصر.

وفي التقديرات المتداولة في تونس أن الرئيس بورقيبة سيقوم بعد الانتخابات التشريعية المقبلة بحل الحكومة الحالية، التي تعتبر حكومة تقنية مهمتها الأولى والأخيرة معالجة الأزمة الاقتصادية الراهنة. وفي التقديرات ذاتها أن رئيس الوزراء المقبل قد يكون إما الحبيب بورقيبة الابن، أو وزير التخطيط الحالي إسماعيل خليل وهو سياسي مخضرم ومن مواليد مدينة قفصة الصحراوية.