الحوثيون يرتكبون جرائم إبادة في «العبدية»… وصمت دولي مريب

انتهاكات وجرائم الحوثيين ضد المدنيين في معرض صور بتعز

باكو: «إن جماعة الحوثي تواصل التنكيل بأهالي مديرية العبدية بعد حصار مطبق منذ قرابة شهر، وقصف النساء والأطفال في المنازل بالصواريخ البالستية وقذائف الهاون ومختلف أنواع الأسلحة، في جرائم حرب وإبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية، وسط صمت دولي وأممي غير مفهوم ولا مبرر».

بهذا التصريح عبر وزير الإعلام والثقافة والسياحة اليمني معمر الإرياني، في التاسع والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي (2021) عن الهمجية والعدوانية التي تنتهجها جماعة الحوثيين ضد الشعب اليمني في ظل إخفاق دولي عاجز، سواء عن ردعها أو ردع داعميها، وهو ما يفتح الباب لإلقاء الضوء على الجرائم التي ترتكبها هذه الجماعة ضد أبناء الشعب اليمني الرافض لهيمنة تلك الجماعة الإرهابية على مقدرات الدولة اليمنية، إذ تحمل الوقائع على الأرض كثيرا من المؤشرات الدالة على مدى الجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها جماعة الحوثيين في مقابل صمت دولي لا يتجاوز حد المطالبات والمناشدات، في حين يدفع أطفال ونساء وشيوخ الشعب اليمني ثمن هذا الإرهاب الحوثي، وهو ما أشار إليه صراحة أحمد عرمان وزير الشؤون القانونية وحقوق الإنسان في الحكومة اليمنية، حينما طالب «المجتمع الدولي بضرورة التدخل العاجل والفاعل لوقف التصعيد العسكري الحوثي ووقف القصف العشوائي المتكرر على الأحياء السكنية والأعيان المدنية في مأرب والتي راح ضحيتها المئات بين قتيل وجريح من المدنيين بينهم نساء وأطفال، وتهجير أكثر من 10 آلاف أسرة خلال شهر أكتوبر الماضي».

والحقيقة أن ما وصلت إليه الأزمة اليمنية اليوم من مآسٍ عدة، وما تشهده من جرائم عديدة، وما ينتظرها من مستقبل غامض، يحتاج إلى قراءة جديدة للوصول إلى مقاربات مغايرة تفكك تعقيدات الأزمة وتُجلي أبعادها، بعيدا عن الخطابات التي حاول أصحابها تضليل المجتمع الدولي بشأن ما يجري في الأراضي اليمنية، وذلك على غرار ما ذكره وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي حينما حاول خلط الأوراق بين موقف قادته المملكة العربية السعودية بتحالفها الدولي لاستعادة الشرعية والحفاظ على وحدة الدولة اليمنية المستقلة تحت حكومة شرعية، وبين عبثية حاولت إيران من خلال ذراعها في اليمن ممثلا في جماعة الحوثيين وأذنابها أن تثير الاضطراب وتشعل النيران في الجوار السعودي. فما عبر عنه الوزير اللبناني إنما حمل إما رؤية متعمدة تداخلت فيها المصالح الشخصية والانتماءات الفكرية، وإما رؤية مشوشة عكست فهما خاطئا لحقائق الأحداث على الأرض، وهو ما يحتاج من الحكومة اللبنانية والشعب اللبناني أن يدرك مدى البون الشاسع بين دور إنساني تنموي تقوم به المملكة وتحالفها الدولي في معاونة اليمنيين لاستعادة إرادتهم الوطنية وتمكين حكومتهم الشرعية، وبين دور تخريبي تفكيكي تقوم به إيران وأذنابها في المنطقة وليس في اليمن فحسب، بل يتكرر ذات المشهد في سوريا ولبنان ومن قبلها العراق. تلك هي الرسالة الأوجب على الحكومة اللبنانية تقديمها ليس فقط إلى شعبها وإنما إلى العالم بأسره.

وعودا على بدء، يمكن القول إن الأزمة اليمنية التي تراوح مكانها منذ ما يقرب من عقد من الزمن إنما يمكن أن نجمل إخفاقاتها في عوامل ثلاثة على النحو الآتي:

صمت المجتمع الدولي تجاه ميليشيات الحوثي بعد استهدافهم للنازحين

صمت دولي مقابل جهود السعودية

 

الصمت الدولي على الخروقات والانتهاكات والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين من أبناء الشعب اليمني. صحيح أن ثمة كثيرا من الإدانات المتتالية التي تصدر عن المنظمات الدولية والإقليمية، كما أنه صحيح أيضا إرسال كثير من المبعوثين الدوليين إلى اليمن، إلا أنه من الصحيح كذلك أن الموقف الدولي مما يحدث في اليمن ظل قاصرا على مطالبة الجماعة وداعميها بالجلوس إلى مائدة المفاوضات، وكأن المشاركة في جولات التفاوض هي غاية المطالب ونهاية الطريق، في حين أثبتت كافة الجولات التفاوضية السابقة عن تلاعب الجماعة وممثليها في جلسات الحوار بهدف إفشال كل المبادرات المطروحة والهادفة إلى التوصل لحلول عملية ومعالجات منطقية.

وفي هذا الخصوص، تجدر الإشارة إلى الجهود السعودية العديدة التي بذلتها في سبيل استعادة الأمن والاستقرار للدولة اليمنية، كان آخرها المبادرة السعودية للسلام في اليمن والتي أطلقتها في مارس (آذار) 2021، متضمنة محاور رئيسية، أبرزها: وقف شامل لإطلاق النار، وتخفيف قيود شحنات الوقود المتجهة إلى ميناء الحديدة، وفتح مطار صنعاء برعاية من التحالف الدولي والأمم المتحدة، واستئناف العملية السياسية، وذلك كله بناء على مرجعيات قرار مجلس الأمن الدولي 2216، والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات الحوار الوطني اليمني الشامل. مع الأخذ في الحسبان أنها لم تكن المبادرة الأولى التي تقدمها المملكة، بل مثلت المملكة مرتكزا رئيسيا في دعم الشعب اليمني وحكومته الشرعية منذ أن وقعت تلك الأحداث في أوائل عام 2011، ولعل الدور الإنساني الذي يشهد به الجميع يمثل علامة مضيئة في تاريخ العلاقات السعودية اليمنية، ذلك الدور الذي يقوم به مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، والهادف إلى التخفيف من معاناة الشعب اليمني وتحسين مستويات معيشته.

وعليه، يمكن القول إن هذه المبادرة المهمة تمثل- إذا ما صدقت النوايا- عنوانا لبدء حل الأزمة اليمنية، خاصة وأنها حظيت بالإشادة والدعم من مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، وفي الداخل اليمني أيضا باستثناء جماعة الحوثي، حيث رحبت كثير من الأطراف بهذه المبادرة كما عبرت عن ذلك البيانات الصادرة عنها، منها البيان الصادر عن الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط الذى اعتبر هذه المبادرة «تمثل خطوة إيجابية نحو تسوية شاملة في اليمن، وأنها تعكس صدق نوايا المملكة وسعيها للتخفيف من معاناة الشعب اليمني جراء استمرار الحرب»، متفقا في ذلك مع ما جاء في البيان الصادر عن الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي الدكتور يوسف بن أحمد العثيمين، حيث دعا الأطراف كافة إلى: «القبول بالمبادرة لوقف نزيف الدم اليمني ومعالجة الأوضاع الإنسانية والاقتصادية التي يعاني منها الشعب اليمني، وإعلاء مصالح الشعب اليمني»، وهو الموقف ذاته الذي عبرت عنه كثير من البيانات الصادرة عن كل من مصر والسعودية والبحرين والسودان والأردن وغيرها، التي اعتبرت أن هذه المبادرة هي المسؤولة عن إنهاء الأزمة السياسية والإنسانية الممتدة في اليمن، بما يسمح بتهيئة الأجواء لانطلاق العملية السياسية والتوصل إلى حلول شاملة للأزمة.

وفي السياق ذاته، جاء الترحيب والإشادة بتلك المبادرة من جانب الحكومة اليمنية التي اعتبرتها «بمثابة استجابة للجهود الدولية الهادفة لإنهاء الحرب والمعاناة الإنسانية، وهي اختبار حقيقي لمدى رغبة الميليشيات المدعومة من إيران في السلام، واختبار لمدى فاعلية المجتمع الدولي المنادي بإنهاء الحرب واستئناف المسار السياسي». وهذا هو لب القضية وجوهرها، إذ اعتبرت الحكومة اليمنية أن وجود مثل هذه المبادرة يعطي دلالة على مدى جدية الموقف الدولي في معالجة الأزمة اليمنية واستعادة الشرعية، إذ لم يختلف رد الفعل الدولي تجاه هذه المبادرة عما سبقه من ردود أفعال لا تتجاوز حدود التأييد والإشادة دون أن يفرض على الأطراف كافة ضرورة الانخراط في تلك المبادرة لوضع نهاية للأوضاع المأساوية التي تزداد سوءا يوما بعد يوم، وهذا ما حذر منه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من خطورة تداعيات الأوضاع في اليمن على الأمن القومي السعودي وعلى الاستقرار اليمني، وذلك بقوله: «ليست هناك دولة في العالم تقبل بوجود ميليشيا على حدودها، هذا غير مقبول للسعودية، وغير مقبول لدول المنطقة، وأيضاً غير مقبول للشرعية في اليمن». فالصمت الدولي تجاه الجرائم التي ترتكبها جماعة الحوثيين تستوجب رد فعل خليجي وعربي بل وعالمي يدعم الحكومة الشرعية حتى لا يبدو أن الأمر يتعلق بالمملكة العربية السعودية منفردة، في حين أن تداعيات الأزمة اليمنية تهدد مصالح كثير من الأطراف الدولية والإقليمية ذات الصلة، بما يعني أن الصمت يحمل تفسيرا مشوها للموقف الدولي المتخاذل، ولإخفاقاته المستمرة في فرض إراداته على جماعة الحوثيين الذين تتسع تهديداتهم للأمن والاستقرار في المنطقة برمتها وليس في اليمن فحسب.
 

وثق المعرض نماذج للانتهاكات الحوثية ضد القطاع الصحي، وجرائم التهجير والنزوح والحصار المفروض على المدينة والمستمر منذ أعوام

خطاب الحكومة الشرعية غير واضح

 

 ضعف خطاب الحكومة الشرعية مع المجتمع الدولي، إذ لا يزال خطابا مشوشا وغير واضح سواء على مستوى مفرداته أو قضاياه، مع اعتماده بشكل كبير على الخطابات التي يعلنها الحلفاء الداعمون لاستعادة سلطتهم وبسط هيمنتهم على الأوضاع في اليمن، وهو ما يؤدي إلى تشويش في الرؤية وخلط في الأوراق أمام الرأي العام العالمي فيما يحدث في اليمن والانتهاكات التي ترتكبها جماعة الحوثي، بما قد يؤثر على المواقف الدولية تجاه ما يحدث في الأراضي اليمنية، يعزز من ذلك مواقف بعض الأطراف داخل دول المنطقة العربية المدافعة عن موقف الجماعة، إلى جانب المساندة التي تحصل عليها من إيران ولعل في مواقف بعض الأطراف العراقية واللبنانية (حزب الله نموذجا) ما يدلل على ذلك. في حين أن الموقف السعودى يظل موقفا واضحا وجليا منذ اللحظة الأولى للأزمة، حرصا من المملكة على أمن واستقرار اليمن والمنطقة من ناحية. ودعمها الجاد للسلام من ناحية ثانية. 

مسلحون من ميليشيا الحوثي

ضرورة الضغط على الرأي العام العالمي

غياب دور الجاليات اليمنية في الخارج، إذ لا يزال من غير الواضح موقف غالبية الجاليات اليمنية المنتشرة في مختلف بقاع الأرض، حيث يمكن لهذه الجاليات خاصة وأن أعدادها في بعض الدول تصل إلى مئات الآلاف، أن تنقل للعالم صورة حقيقية عما يحدث على الأرض من انتهاكات واعتداءات وجرائم ترتكب بحق الشعب اليمني، بما يمارس ضغطا على الرأي العام العالمي بضرورة التحرك لوقف هذه الجرائم وردع الجماعة وفرض التزامات وعقوبات على الداعم الرئيسي لها (يقصد به تحديدا إيران). وفي هذا الخصوص تبرز الحاجة لدى الحكومة اليمنية ومؤسسات المجتمع المدني بوضع خارطة طريق لكيفية التواصل مع اليمنيين الموجودين في الخارج، ومحاولة ربطهم بالوطن وقضاياه ومشكلاته بشكل مستمر وعبر آليات جديدة.

خلاصة القول إن الأزمة اليمنية التي تتفاقم أوضاعها وتتصاعد وتيرتها وترتفع أعداد ضحاياها بسبب الإرهاب الذي تمارسه جماعة الحوثي ليس فقط في الداخل اليمني وإنما في اعتداءاتها المتكررة على الأراضي السعودية، تستوجب أن يكون هناك موقف دولي حاسم قادر على فرض الشرعية الدولية والمشروعية السياسية على الأوضاع في الداخل اليمني، شريطة أن تتحمل الحكومة اليمنية مسؤوليتها القانونية والسياسية في الداخل اليمني وفي التواصل مع الجاليات المنتشرة في ربوع المعمورة لتقديم صورة حية من واقع يمني يزداد بؤسا وانهيارا بسبب تعنت جماعة الحوثي في الإنصات إلى صوت السلام ومبادراته الدولية والخليجية الرامية إلى إعادة الحفاظ على الدولة اليمنية بعيدا عن استغلال ظروفها في مقايضات لصالح أطراف أخرى تستخدمها في إدارة ملفاتها الدولية والإقليمية على حساب حياة الشعب اليمني ومستقبله. فاليمنيون في الداخل والخارج سواء أكانوا في الحكومة أو من أبناء الشعب عليهم مسؤوليات جسام في كشف معاناتهم أمام المجتمع الدولي حتى لا يظل صامتا متخاذلا أمام جرائم الجماعة الإرهابية.


مقالات ذات صلة