بعد جريمة الإسماعيلية... بالأرقام ارتفاع صادم للعنف في مصر

انتشار المخدرات في المجتمع أصل العلّة
الشارع الذي وقعت فيه الجريمة في الإسماعيليّة

القاهرة: استيقظ الشارع المصري منذ أيام علي جريمة قتل مروعة في مدينة الإسماعيلية، وُصفت بالأبشع في البلاد، في مشهد أعاد للأذهان الفظائع التي كان يرتكبها تنظيم داعش الإرهابي، إذ قام شاب في الإسماعيلية بقتل رجل في العقد الخامس من عمره، ثم فصل رأسه عن جسده، قبل أن يتجوّل في المدينة حاملاً رأس الضحية في يد والساطور الذي ارتكب به جريمته في اليد الأخرى، أمام المواطنين في وضح النهار وسط حالة من الذهول من الجريمة نفسها، ومن سلبية المارة الذين رأوا المشهد ولم يتدخلوا حنى أنهى الجاني فعلته البشعة أمام كاميرات الموبايل التي رصدت الواقعة.

واعتبر عدد كبير من الخبراء أن انتشار العنف في مصر يعود إلى أسباب عديدة، منها غياب الثقافة والوعي ونتيجة الأعمال الدرامية التي تم عرضها خلال السنوات الأخيرة والتي تفنّنت في ابتكار أساليب جديدة للعنف والجريمة، إذ ذكر تقرير صادر عن موقع موسوعة قاعدة البيانات (نامبيو) أن مصر جاءت في المركز الثالث عربيًا في ترتيب مؤشر الجريمة، بعد ليبيا والجزائر، حيث تنوّعت الجرائم ما بين قتل وسرقة واغتصاب، وتجارة في الأعضاء البشرية.

 

ارتفاع معدّل الجريمة

أكد تقرير لقطاع مصلحة الأمن العام في وزارة الدّاخلية المصريةّ حول معدّلات الجريمة في مصر، ارتفاع معدلات الجرائم بشكل عام خاصة القتل والسرقة بالإكراه وسرقة السيارات، كما تصاعدت حوادث الجنح بصفة عامة، وقد بلغت نسبة الزيادة في معدل جرائم القتل العمد 130 في المائة، أما معدلات السرقة بالإكراه فقد زادت بنسبة 350 في المائة؛ ، سرقة السيارات زادت بنسبة 500 في المائة، بينما أفادت إحصائيات رسمية صادرة عن وزارة الداخلية، أن أكثر من 92 ألف بلطجي ومسجل خطر ارتكبوا جرائم قتل واغتصاب وخطف.

وقالت إحصائية صادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن 92 في المائة من الجرائم الأسرية تندرج تحت ما يسمى جرائم الشرف، 70 في المائة منها ارتكبها الأزواج ضد زوجاتهم، و20 في المائة ارتكبها الأشقاء ضد شقيقاتهم، بينما ارتكب الآباء 7 في المائة فقط من هذه الجرائم ضد بناتهم والنسبة الباقية (3 في المائة) ارتكبها الأبناء ضد أمهاتهم، واتضح أن 70 في المائة من هذه الجرائم اعتمدت على الشائعات، وكشفت تحريات المباحث في 60 في المائة منها أن السبب سوء ظنّ الجاني بالضحية، وأنّها ليست فوق مستوى الشبهات.

فيما كشفت دراسة أعدتها الأمانة العامة للصحّة النفسيّة لمسح قومي بين طلاب المدارس الثانوية، عن معاناة 29.28 في المائة من الطلاب من أعراض نفسية ما بين القلق والتوتّر والتلعثّم في الكلام وأعراض الاكتئاب وعدم الرضا عن الشكل والخجل الاجتماعي وأعراض الوسواس القهري، وأنّ هناك 21.7 في المائة منهم يفكرون في الانتحار، وجزءاً من الطلاب يتابع مع أطباء نفسيين و3 في المائة منهم يتابع مع الأخصائي الاجتماعي في المدرسة .

الجاني يحمل رأس القتيل ويسير به في الشارع

الإصابات نتيجة العنف

انتهت نتائج مسح التكلفة الاقتصادية للعنف القائم على النوع الاجتماعي الذي أصدره المجلس القومي للمرأة بالتعاون مع الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، أن هناك 5 ملايين و600 ألف امرأة يعانين من عنف على يد الزوج أو الخطيب سنوياً، وهناك مليونان و400 ألف امرأة أصبن بنوعٍ واحد أو أكثر من الإصابات نتيجة العنف على يد الزوج أو الخطيب، وأن مليون امرأة يتركن منزل الزوجية نتيجة العنف، وتصل تكلفة السكن البديل أو المأوى للنساء اللواتي يتركن منازلهن 585 مليون جنيه سنوياً، وتتعرّض نحو 200 ألف امرأة سنوياً لمضاعفات في الحمل نتيجة العنف على يد الزوج، بينما لم يتعد عدد النساء اللواتي يبلغن الشرطة بحوادث العنف 75 ألف امرأة.

وقد أوصت دراسة بعنوان «العنف ضد الأطفال في مصر» التي قام بها المجلس القومي للطفولة والأمومة بالتعاون مع اليونيسيف، بضرورة دعم كافة الجهود من أجل الوقاية من العنف ضد الأطفال، والاستجابة لاحتياجاتهم مثل تحديد ونشر سياسة عدم التسامح مع العنف ضد الأطفال، وأهمية حصول الآباء والأسر على الدعم الذي يحتاجونه لتربية الأطفال تربية سليمة دون استخدام العنف ضدهم.

وشدّدت على ضرورة إعداد حملة إعلامية وطنية طويلة المدى لتعزيز الوسائل التربوية غير العنيفة، لتحقيق انضباط الأطفال ورفع مستوى الوعي بتأثير العنف عليهم، وإعداد وتفعيل برامج للأطفال والمراهقين لمنع العنف، ووضع سياسة وطنية لحماية الأطفال في المدارس، مع تحديد آلية لمراقبة ومتابعة تنفيذها، وتوفير وتطوير خدمات دعم متخصصة للأطفال الذين يتعرّضون للإيذاء والعنف الشديدين، وتفعيل الملاحقة الأمنية والقضائية لمرتكبي العنف ضد الأطفال، بما يؤثر على مواقف وسلوكيات الرأي العام، بالإضافة إلى وضع نظام مركزي للمتابعة وتجميع البيانات يعتمد على مؤشرات وطنية واضحة لمتابعة الوضع بصفة دورية.

 

المخدّرات سبب العلّة

كشف الدكتور جمال فرويز استشاري الطب النفسي، عن أن أغلب ما يحدث من عنف في المجتمع يعود سببه إلى المخدرات التي انتشرت بشكل كبير في مصر.

وعن حادث الإسماعيلية، قال دكتور جمال إن «مرتكب الجريمة مختل نفسياً ويتعاطى المخدرات ومن هنا اجتمع المرض النفسي وتأثير المخدر، ونتيجة لوجود جينات المرض العقلي (الانفصام) بات لدى المريض مشاعر وأفكار متضاربة، من شعور بالعظمة، وشعور بالاضطهاد، وهي أمور تؤدّي إلى علاقة غير سليمة بين الشخص المريض ومن حوله، وقد ينتج عن الإحساس بالذل أو تصوّر أشياء غير حقيقية عواقب وخيمة، كما حدث في جريمة الإسماعيلية إذ تصوّر المريض أن الجاني قام باغتصاب أمّه وزوجته على الرغم من أنه غير متزوج».

وأضاف فرويز: «هناك أيضاً الهلوسات وهي أربعة أنواع، هلوسات سمعيّة وشمية وبصرية وحسية، لذا يرى المريض أشياء خيالية ويستمع أيضا إليها، وأخطر أنواع الهلوسات هي السمعية التي تعطي أوامر في كافة تصرفات الشخص وعلى حسب الحالة المزاجية له، والتي تعطي انطباعاً للشخص وتصوّر له أموراً عن شخصيته، فقد يرى نفسه نبياً أو طبيباً، هذا في الحالة المزاجية السعيدة، أما إذا كان مزاجه هابطاً، فقد تشجّع على العنف والقتل والذبح كما تم في واقعة الإسماعيلية ، وهذا صراع النفس مع العقل الباطن».

وعن ردود أفعال المارة في جرائم العنف، أكد فرويز على أن «ردود الفعل الخائفة عندما يكون القاتل مسلحاً طبيعيّة، والدليل على ذلك أنه في واقعة الإسماعيلية القاتل أصاب شخصين ما دفع بالمارة إلى الخوف من الإصابة أو الموت، وقد يكشف عن الضعف الثقافي والوعي الموجود في المجتمع الآن، وما يفسّر إصابة المجتمع بازدواجية دينية وانهيار قيم وانهيار أخلاق وبالتالي انهيار في العلاقات الاجتماعية، اكتفاء الموجودين في مكان الجريمة بالتصوير في نفس الوقت نشر الفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي للحصول على إعجاب ومتابعين».

ويعتبر الطبيب النفسي أن مصر تعرضت لحملة ممنهجة لتدمير الهوية المصرية منذ العام 1973 وهذا الحملة نجحت قي ذلك بعد دخول ثقافات غريبة على المجتمع. وتابع: «لاحظ أن الغلاء أصاب كل شيء ما عدا المخدرات، وهذا يكشف عن أن هذه الحملة كانت على الشباب خاصة، لذلك نلاحظ الانهيار في الأخلاق في كل مكان والحل في هذا الأمر عودة الوعي والحفاظ على الهوية المصرية».

 

الجريمة وسياسة الانفتاح

بدورها تقول دكتورة هدى زكي أستاذة علم الاجتماع إن «هذا العلم له أقسام كثيرة من ضمنها علم اجتماع الجريمة، الذي يرصد ويحلل الجرائم التي تحدث في المجتمع ويضع نتائج وحلولاً لها، وعلم الجريمة يؤكد لنا أن هناك صفحة حوادث يومية في جميع المجتمعات وأن الجريمة تتوقف عند اعتبارات كثيرة منها الاعتبارات النفسية والعوامل الوراثية».

وتؤكّد أن المجتمع تعرّض لأمراض اجتماعية من ضمنها حالة من التفكك القيمي الزائدة وتتابع: «لو تم رصد الفترات التي عاش فيها المجتمع المصري الصحة الاجتماعية، تجد اتفاقا تاما على العديد من القيم منها الصواب والخطأ والحلال والحرام، لكن ما يحدث هذه الأيام أن هذا الاتفاق ضعف إلى حد كبير عن طريق حصول الناس على حقوقهم بأنفسهم، وعدم ثقتهم في الأجهزة الأمنية نتيجة التشرذم الاجتماعي، وساعدت على ذلك الدراما التي يشاهدها المواطن يومياً، وبدلاً من علاج المشاكل الاجتماعية ووضع حلول لها، بالغت فيها وتفننت في وضع أساليب جديدة للجريمة، والأمثلة كثيرة على ذلك، والأكثر من ذلك أن الدراما استمرت في تقديم النموذج السيّئ للفت انتباه المشاهد، من هنا أصابت الدراما المجتمع بنوع من الاغتراب الاجتماعي، وما نشاهده الآن غريب عن المجتمع المصري».

 

اللغة الحوارية المبتذلة

واعتبرت زكي أن ما حدث للمجتمع المصري من ارتفاع في نسبة العنف ناتج عن سياسات الانفتاح التي تمت في السبعينات من القرن الماضي، والتي انتشرت فيها «الفهلوة» وتجار السوق السوداء ودخلت علينا أساليب غريبة في التعامل، وهو انفتاح غير أخلاقي خصوصاً بعد تطبيق سياسة «اللي تغلب به ألعب به». وانتقلت المسألة من مرحلة البيع والشراء إلى مرحلة الصنف الذي يباع. وهناك دراسة صدرت عام 1978 تظهر المعاملات التجارية التي تتم وهي سمسرة وتجارة عملة وتهريب، كما يتمّ تقييم الإنسان بناء على وضعه المالي عن طريق مقولة «اللي معاه قرش يساوي قرش» وظهر ذلك جليا في السينما المصرية من خلال بعض الأفلام مثل فيلم «البيه البواب»، و«انتبهوا أيها السادة».

وأكدت زكي أن كل ما حدث أثّر سلباً على الطبقة الوسطى في مصر، ومن الضّروري أن تكون هذه الطّبقة كبيرة في المجتمع من أجل التوازن والاستقرار.

وتتابع: «في نفس الوقت هذه الطبقة تحمل القيم المجتمعيّة، والدّليل على ذلك ما حدث في الستينات التي تضخّمت فيها الطبقة الوسطى، والتي كانت تنتج للمجتمع البهجة ولا تستهلكها كما يحدث الآن، لذلك هناك حالة من حالات نشر احتقار العمل، وليس ثمة ثقافة التفاخر بالكفاح في العمل».

ورأت أنّه لا حلول جاهزة لظاهرة انتشار العنف في مصر، ودعت المؤسسات المعنية إلى العمل في إطار خطة محددة للتربية والتفاعل الاجتماعي مع ضرورة إلغاء ما يسمى التريند الذي يشغل هذه المؤسسات، خصوصاً الإعلامية، كما دعت إلى العودة للثقافة الشعبية المصرية التي بدأت في الآونة الأخيرة تعامل باحتقار شديد ودخلت حوارات بعيدة كل البعد عن الأصالة المصرية، حيث بدأ يسود جو من الانحدار في استخدام لغة حواريّة رخيصة تورّط الإعلام فيها.

 

العنف ليس جديداً

بدوره كشف سعيد صادق أستاذ علم النفس عن أن «العنف والقسوة موجودان في المجتمع المصري منذ زمن بعيد، خصوصاً في المناطق الشعبية التي ينتشر فيها الازدحام والفوضى، ولو رصدنا مثلاً أسباب وجود العنف في هذه المناطق من خلال واقعة الإسماعيلية، ستجد أن القتيل أنجب 7 أولاد وتربية هذا العدد من أصعب ما يكون، خصوصا في ظل ضيق السكن والشارع إلى آخره مع عدم توفّر جودة التعليم والتربية، أما القاتل فيعتمد على عمل بسيط يحصل منه على مبالغ زهيدة لصرفها على المخدرات. الجديد في الأمر هو تصوير مثل هذه الجرائم، بينما كان بعضها يتم في لحظة من خلال مشاجرات ينتبه إليها البعض والآخر يمر عليها كأنها لم تكن».

وأكّد صادق على أن هناك حالة من الشلل يصاب فيها الشخص الذي شاهد الجريمة نتيجة الصدمة من الموقف، وتصوير الواقعة تم نتيجة خوف الموجودين من التصدي للجاني لأنّه يحمل سلاحاً، مع الأخذ في الاعتبار أنّه بالنسبة لعدد كبير من الناس في المجتمع المصري، ينظر إلى هذه الجرائم على أنها خلافات بلطجة نتيجة أسباب خاصة، الأمر الذي يدفع البعض إلي عدم التدخل خوفاً من أن يصاب.

وأشار صادق إلى «ضرورة اتباع سياسة أمنية جديدة وتطوير المنظومة الأمنية لتصبح أجهزة استباقية للجريمة، فالدولة في أي مجتمع عليها أن توفر الأمن للأفراد وتحافظ على ممتلكاتهم، وغياب الأمن عن المناطق الشعبية ساعد بشكل كبير على انتشار مثل هذا النوع من جرائم العنف، وعلى وزارة التربية والتعليم القيام بدورها في التربية ورصد بعض الطلاب الذين يمارسون العنف واستخدام القانون وتفعيله ضد هؤلاء».


مقالات ذات صلة