«يا مال الشام»

قليلة هي الأشياء التي ما زالت ترمز إلى الفرح في سوريا، نخسرها شيئا فشيئا دون أن نجد لها بديلا، أصبحت سوريتنا مشبعة بالألم والدموع والدماء حتى صار نادرا أن نذكرها فنبتسم

صباح فخري كان من الأمور التي تجعل كثيرا منا يبتسم، يشعر بنشوة الفرح، لا يهم الوقت أو المكان، فما إن نسمعه يغني القدود الحلبية حتى نشعر بالطرب ونتمايل فرحا.

أذكر عندما أتى إلى قاعة «الإسيمبلي هول»في الجامعة الأميركية في بيروت، وكنت لا أزال طالبة في الجامعة، كانت تلك «الليلة»شيئا لا ينسى، محفورة في الذاكرة كإحدى أجمل الذكريات داخل حرم الجامعة. ما إن أطل على مسرح «الإسمبلي هول»وبدأ في الغناء حتى بدأت القاعة بمن فيها بالتمايل معه، وكل بضع دقائق كان رجال أمن الجامعة يطلبون منا نحن الحضور عدم «التمايل»احتراما للقاعة التي كانت يوما ما كنيسة، ولكن عبثا، طلاب وأساتذة وحضور، الجميع كانوا يتمايلون كلما صدح صوته وقال «يا مال الشام»، فيبتسم رجال الأمن ويطلبون مجددا من الجميع احترام رمزية المكان.

وقتها كان جيش حافظ الأسد لا يزال في لبنان، كانت صورة السوري مطبوعة عند الغالبية العظمى من اللبنانيين، مؤيدين للنظام السوري ومعارضين على حد سواء، أنها ذلك العسكري في جيش الأسد أو بائع الكعك المخبر الذي يراقب الناس كيفما تحركوا، ليكتب تقريره الذي قد يكلفهم حياتهم وأموالهم، كان صباح فخري الوجه الجميل الذي أردنا أن يراه الجميع، وجه سوريا ما قبل الأسد وما بعد الأسد وخلال حكم الأسد.

كنا مجموعة من الطلاب السوريين معظمنا لم يصل إلى العشرين أو في بداية العشرينات من عمره، ننظر إلى الحضور ونشعر بالفخر أنهم يرون جزءا من سوريا حاولنا مرارا نقله، ليس سهلا أن ينظر إليك الآخر أنك جزء من سوريا الأسد في وقت تحاول فيه الهرب من كل ما يذكرك بالأسد لتحصل على فرصة في الحياة.

عندما تسمع لصباح فخري تذكر أن سوريا بها شيء جميل، شيء يشبه سوريا ويشبه مدينة حلب التي تطربك وهي تغني للشام، (وعند السوريين الشام هي دمشق)، شيء يجعلنا ننسى للحظات الأسد وآل الأسد وحكم الأسد وكل ما نتج عن الأسد

كتب الكثير عن صباح فخري، أجريت على صوته الدراسات والأبحاث العلمية، وقُدمت أول رسالة ماجستير في العلوم الموسيقية الوحيدة عنه في العالم في تونس. وفي مصر، أنشئت له عام 1997، جمعية فنية تضم محبيه وهي أول جمعية رسمية من نوعها تقام لفنان غير مصري.

دخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية، عندما وقف يغني على المسرح مدّة تتجاوز عشر ساعات متواصلة من دون استراحة في مدينة كاراكاس الفنزويلية عام 1968.

مهم أن نتذكر أنه يوما ما دخل سوري موسوعة عالمية لأنه صنع الفرح، اليوم كل ما نشاهده على الشاشات ولسنوات ببث مباشر، سوري يقتل ويهجر ملايين السوريين و«يتفنن»بأساليب قتلهم وتهجيرهم وتعذيبهم، منتظرا ربما يدخل موسوعة غينيس كصاحب أكبر سجل إجرامي في التاريخ.

انطلاقا من ذلك لم يشغلني البحث عن موقف صباح فخري السياسي، ليس لأن الانقسام بدعم السوريين بوجه قاتلهم، هو وجهة نظر، ولكن لأن صباح فخري مثل الشيء الآخر لما نعيشه من سنوات طويلة، الصورة الأخرى لصورة الأسد، واللحظات التي تجمعنا معه من خلال المسرح والموسيقى هي النقيض لكل ما يجمعنا بسوريا الأسد.

التقيت بفخري قبل نحو 4 أعوام على عشاء في بيروت بدعوة من صحافي عربي صديق، جمعنا فتحدثنا قليلا عما وصلت إليه أحوال سوريا، لم يكن شخصا يرفض الاستماع ولم يبد ليلتها أي انحياز سوى لما سماه «عروبة سوريا»، كان حاضرا بين الجمهور فتحول إلى الحدث، هو صباح فخري صورة أخرى مغايرة لصورة سوريا الأسد.

كثيرة هي الأشياء الجميلة في سوريا والتي نخسرها تباعا، دون أن نراكم أشياء وذكريات جميلة جديدة، لقد بتنا مهجرين مقهورين يجمعنا الوجع والحزن حتى كدنا ننسى ما كناه قبل ذلك كله. «طال المطال»وقد يطول أكثر، قبل أن نعود أو تعود إلينا الشام، لصباح فخري الرحمة، وللسوريين الفرح، فهم كغيرهم من الشعوب تليق بهم الحياة إذا ما استطاعوا إليها سبيلا.