ليبيا... أزمة خروج المرتزقة مستمرة وجميع السيناريوهات محتملة

تحذيرات من اشتعال الحرب في الجنوب
اللجنة العسكرية الليبية المشتركة (5+5) خلال اجتماعهم في القاهرة

القاهرة: اجتماعات اللجنة العسكرية الليبية المشتركة المعروفة إعلاميا بلجنة (5+5)، مع مندوبي دول الجوار (تشاد، النيجر، السودان)، والتي استضافتها العاصمة المصرية القاهرة لبحث آليات سحب العناصر المسلحة، والمرتزقة الأجانب، الموجودة في الجنوب الليبي، فتحت التساؤلات حول مدى لعب الجنوب الليبي دورا في إشعال فتيل الحرب والصراع المسلح على الأراضي الليبية من جديد، في ظل وجود هذه العناصر، وفي ظل معارضة بعض الدول التي ينتمي لها هؤلاء المسلحون عودتهم لأراضيها؟ وما هو مدى نجاح هذه الاجتماعات في حل أزمة خروج المسلحين، خاصة وأن الاجتماع تناول الخطط اللازمة والآليات التي يمكن الاتفاق حولها من أجل مغادرة المرتزقة والمقاتلين الأجانب الموجودين في الأراضي الليبية ضمن الخطة العامة لخروج كافة المرتزقة من ليبيا؟ فيما تأتي هذه الاجتماعات في ظل تحذيرات من اندلاع اشتباكات مسلحة قوية في الجنوب الليبي بما قد يشعل الصراع المسلح في جميع الأراضي الليبية حال اللجوء لإخراج المرتزقة والمسلحين الأجانب بالقوة، حيث يتواجد الآلاف من دول الجوار في الجنوب الليبي منذ عدة سنوات، وبدون أوراق ثبوتية، ويسعون للحصول على الجنسية الليبية ، وهو ما ترفضه السلطات المحلية، كما أن منهم مجموعات مسلحة تنتمي لقبائل مشتركة في الجنوب وبعض دول الجوار.

وعلى وقع اجتماعات اللجنة الليبية المشتركة (5+5)، والتي أعلنت في بيان سابق لها، استعداد دول الجوار، خاصة النيجر، وتشاد، والسودان، استعدادها للتعاون في إخراج المقاتلين المنتمين لها من الأراضي الليبية، والتنسيق بينها وبين اللجنة الليبية المشتركة بدعم من الأمم المتحدة، وبحضور رئيس البعثة بان كوبيش، وبناء على مخرجات اجتماع اللجنة في جنيف في الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) 2021، للتعاون المشترك للبدء بخطوات عملية على الأرض لخروج كافة المرتزقة والمقاتلين الأجانب الذين ينتمون لتلك الدول، وضمان عدم عودتهم مرة ثانية للأراضي الليبية، وبشكل يضمن استقرار الدولة الليبية وكافة دول الجوار، إلا أن التساؤلات تثور حول مدى نجاح هذه الدول في المساهمة في حل هذه الأزمة خاصة أن أغلب المسلحين الذين ينتمون لها، ويتواجدون على الأراضي الليبية هم من المعارضة المسلحة لهذه الدول.

إضافة إلى ذلك تثور التساؤلات أيضا حول مدى تأثير القبائل الليبية في الجنوب الليبي سلبا، أو إيجابا، مثل قبائل التبو، والطوارق، وبعض القبائل العربية الأخرى، والتي توفر حاضنة قبلية مهمة لمثل هذه العناصر المسلحة، بل وتطالب بحصولها على الجنسية الليبية، كما أن هذه القبائل تحوي أيضا مجموعات مسلحة، على استعداد تام لأن تنضوي تحت لواء أي من أطراف النزاع ترى مصالحها معه، أو يدفع أكثر، وما هو دور هذه القبائل في مساندة القضية الوطنية الليبية في ظل إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة، المزمع إجراؤها في الرابع والعشرين من ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وهل ستسهم هذه القبائل في تعزيز روح الوحدة وتغليب الصالح القومي على مصالحها الذاتية؟ أم إن المجموعات المسلحة والمرتزقة في الجنوب تنتظر بفارغ الصبر لإجراء الانتخابات القادمة ومعرفة نتائجها لإشعال فتيل الحرب إذا ما جاءت غير متوافقة مع مصالحها؟

إضافة إلى ذلك ما هو مدى تأثير دول الجوار خاصة مصر التي تلعب دورا هاما وإيجابيا مؤثرا على الأزمة الليبية برمتها، وفي حل معضلة الوجود المسلح في أراضي الجنوب الليبي، حيث تمثل مصر رمانة الميزان والوسيط الموثوق لدى جميع أطراف الأزمة، وهو ما يؤهلها للعب دور إيجابي أكبر خاصة في ظل استضافتها لاجتماعات اللجنة، والتي نجحت مؤخرا في أن تكون الاجتماعات، بمشاركة ممثلي دول الجوار؟ 

المرتزقة الأجانب جنوب ليبيا

تخوفات من دخول الجنوب الليبي لدائرة الصراع الدولي

أولا القيادة المصرية على دراية متميزة بواقع الأزمة الليبية وتتعامل معها بواقعية سياسية كبيرة، والجنوب الليبي جزء من استهدافات الدول الكبرى في إدارة الأزمة، وهناك تخوفات من دخول الجنوب الليبي إلى دائرة الصراع الدولي لأن الجنوب له أهمية كبيرة كموقع جيوسياسي، والعبث الحاصل الآن في الديموغرافيا والتركيبة الاجتماعية هناك له أبعاد خطيرة على استمرارية الوجود العربي بتلك المنطقه بالكامل، وذلك حسب الكاتب والمحلل السياسي الليبي عثمان بن بركة في تصريحات خاصة لـ«المجلة»،مضيفا أنه فيما يتعلق بخروج المسلحين الأجانب، والمرتزقة من جميع الأراضي الليبية، خاصة الجنوب، فإن من أعطاهم الشرعية، وتغافل عن توغلهم في الوضع الليبي بالأمس عليه اليوم أن يقوم بإخراجهم، سواء عن طريق الدبلوماسية، أو إخراجهم باستخدام القوة، لأنه في الحالتين لن يكون هناك حلا للأزمة إلا بخروج المسلحين الأجانب، والمرتزقة من جميع أرضي الوطن الليبي، كما أنه لا علاقة للدبلوماسية بالوجود الأجنبي فوق أرض الوطن. وإذا توافرت الإرادة والحكمة الدولية فعلى المسلحين الأجانب، والمرتزقة الخروج دون قيد أو شرط، وعلى كل دولة أن تتحمل التبعات المادية والسياسية، والتاريخية لتصرفات مواطنيها، لأنه قد انتهى منطق القوة وفرض سياسة الأمر الواقع.

وفي كل الاحوال هذه الممارسات لا تعفي الأمم المتحده، ولا المؤسسات الإقليمية، ولا الدول التي تدعي الحرص على السلم الدولي من المسؤولية، كما أن سياسة الكيل بمكيالين مرفوضة من قبل الشعب الليبي.

كما أن الحاضنة القبلية من قبائل التبو، والطوارق، وبعض القبائل العربية في الجنوب الليبي، والتي تحتضن المقاتلين والمسلحين الأفارقة من التشاديين وغيرهم في الجنوب، فهم كبقية القبائل العربية في ليبيا لهم حقوق وعليهم واجبات، أما الوافدون فلا بد أن يفهموا أنهم يمارسون ممارسات خاطئة، وأن خطأهم تاريخي لن ينسى، لأن ليبيا لن تستمر في هذا الضعف، وهذه الفوضى، وأن الحق لا يسقط بالتقادم، والمطالبة بالحصول على الجنسية الليبية لهؤلاء المسلحين والمقاتلين من المرتزقة، لا يمكن أن يحدث، أو أن يتم بقوة السلاح، والعبثية الحاصلة في هذا الأمر تحكمه قوانين، وتشريعات لا يمكن تجاوزها.

اليوم لغة العنجهية والسلاح هي السائدة في الجنوب من سطو وسرقة وحرابة وخطف واغتصاب بقوة السلاح، بمعني أن النهج المسيطر في الجنوب هو منطق القوة وهذا النهج قصير العمر مهما طال، وردة الفعل في مقابل هذه الممارسات ستكون قاسية جدا، فالليل سوف ينجلي وإن طال، إذ إن الوطن واحد مثل الجسد الواحد، لا يمكن التعامل معه بشكل مجزأ، وكل فعل غير طبيبعي، وغير منطقي سوف يؤثر سلبا على كل شيء، والحرية في خطر مع فقدان الأمن والأمان.

 

المرتزقة ونتائج الانتخابات فتيل لإشعال الأزمة

سيظل الوضع على ما هو عليه في ليبيا بشكل عام، وفي الجنوب الليبي أيضا، لأن هناك رغبة في تسكين الأوضاع على أن يظل الوضع في إطار السجالات السياسية، وإن وصلت إلى حد الاتهامات المتبادلة، ولا تصل إلى حد المواجهات المسلحة، ومشكلة سحب المرتزقة الأفارقة من الجنوب الليبي تكمن أولا في أن الدول التي ينتمي إليها المرتزقة ترفض استقبالهم، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، حسب الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور عمرو الشوبكي، في تصريحات خاصة لـ«المجلة»، أنهم موزعون على طرفي الصراع، مثل الجنجويد، ومرتزقة تشاد،على عكس الحال من المرتزقة السوريين، وقوات فاغنر الروسية، فالمرتزقة السوريون يتواجدون في الغرب الليبي، وتتواجد قوات فاغنر في الشرق، أما المرتزقة الأفارقة فهم موزعون على طرفي الصراع، وهناك رفض من دولهم لاستقبالهم خشية أن يحدثوا فيها صراعات ومشكلات كبيرة، وجبهة الجنوب هادئة منذ فترة طويلة، ولكن الخطر هو أن تشتعل هذه المنطقة في حال أجريت الانتخابات وأسفرت النتيجة عن فوز أحد الأطراف من غير المقبولين لفريق في مواجهة الآخر، وهذا هو المتغير الذي قد يسفر عن مخاطر، ولكن الوضع حاليا يشهد عملية تسكين، ولا يتوقع أن يحدث فيه صراع مسلح خاصة أن هناك جهودا تبذل من أجل إنجاز حل لمسألة إخراج المرتزقة الأفارقة كبداية.

كما أن عملية إخراج المسلحين والمرتزقة من البلاد بالقوة هو خيار غير مطروح، لأن ما سيشعل مثل هذا الاختيار (الصراع المسلح) هو نتائج الانتخابات القادمة، لكن في الوقت الحالي، وحتى موعد إجراء الانتخابات المزمع إجراؤها في الرابع والعشرين من ديسمبر (كانون الأول) من العام الجاري لا يتوقع حدوث أي مواجهات مسلحة، لكن الفشل في إخراج المرتزقة الأجانب، وإجراء الانتخابات في ظل وجودهم في الداخل الليبي فستكون نتائجه كارثية. والفتيل الذي يمكنه إشعال الأزمة، ويجعل من قبائل الجنوب الليبي حاضنة خصبة لعمل المرتزقة والمسلحين الأجانب هو نتائج الانتخابات، أو عدم احترام نتائجها، لذلك لا يمثل موقف القبائل إشكالية في الوقت الحالي، وهذا يضاف كعامل جديد في إعادة هذه العناصر لبلادهم، غير ذلك سيظل الموقف تحت السيطرة، وحتى إجراء الانتخابات، ولن يغير المشهد سوى عدم اعتراف القبائل في الجنوب، أو أطراف بالشرق أو في الغرب الليبي وهكذا.

كما أنه يعد من الصعوبات في إخراج المرتزقة من الجنوب الليبي رغم إعلان دول الجوار مثل تشاد والنيجر، والسودان، المساعدة في سحب المقاتلين التابعين لهم من الأراضي الليبية أن هؤلاء المرتزقة هم في الأساس من المعارضة المسلحة لهذه الدول، وهذا جزء من الصعوبات التي واجهت اجتماعات القاهرة، حيث إنهم من جانب عناصر من المعارضة المسلحة اتخذت من ليبيا ملاذا آمنا، كما أن هناك توزيعا للمسلحين الأجانب على طرفي الصراع، بالإضافة إلى أن الحكومات التابع لها هؤلاء المرتزقة ترفض استعادتهم، وكل ذلك يصعب الوسيلة الرئيسية لإعادة الاستقرار، وهي إجراء الانتخابات، لأن إجراءها في ظل وجود عناصر المرتزقة سواء العناصر الأفريقية المسلحة، أو العناصر المحسوبة على أحد طرفي الصراع، سواء المرتزقة السوريون، أو فاغنر سيكون عنصرا قد يشعل الوضع في مرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية، واشتعال الصراع مرتبط بإجراء الانتخابات، وحل مشكلة المرتزقة الأجانب قبل إجرائها.

كما أن هناك خطا أساسيا تتبناه مصر، وهو ضرورة إخراج جميع المرتزقة الأجانب من الأراضي الليبية، وتتبع آليات لذلك منها عقد مؤتمر القاهرة، الذي ضم ولأول مرة ممثلين عن الدول التي ينتمي إليها هؤلاء المرتزقة، وهي آلية لم تستخدم من قبل، حيث إن الحوار في السابق كان فقط بين أطراف الصراع الليبي، ووضع في عين الاعتبار مخاوف هذه الدول من عودة الإرهابيين وهذه مسألة تم طرحها للنقاش.

 

ضرورة الاتفاق على مصطلحي «الأجانب.. والمرتزقة» 

على اللجنة الليبية العسكرية المشتركة (5+5) التوافق أولا حول من هم المرتزقة؟ ومن هم الأجانب؟ وإذا كان المصطلح يعني قوات تابعة لدول فسوف تدخل تركيا تحت هذا الاسم، وإذا كانت تنطبق على المرتزقة فقط، فإن قوات فاغنر الروسية ستدخل ضمن التسمية، ولذلك لا بد من الاتفاق على المصطلحات أولا، وذلك حسب مساعد وزير الخارجية الأسبق الدكتور عبد الله الأشعل، في تصريحات خاصة لـ«المجلة»،مشيرا إلى وجود إشكالية، خصوصا وأن القوى المختلفة داخل ليبيا اتفقت على إجراء الانتخابات في 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وهو ما يعكس وجود إرادة من جانب المجتمع الدولي، ومن جانب مصر على وجه الخصوص على استكمال المسيرة، ولكن ما قد يحدث مشكلات مستقبلية، هو احتضان بعض القبائل الليبية، مثل قبائل التبو، والطوارق، لمسلحين من تشاد ومحاولة الضغط لحصولهم على الجنسية الليبية، في ظل عدم مقدرة أي من الأطراف على إخراج المرتزقة عن طريق القوة، ولكن السبيل الوحيد لذلك هو طريق الاتفاق، حيث إن الدول الحاضنة للمرتزقة، والدول الراعية للسلام في ليبيا يجب أن تتفق على إخراج المرتزقة، وعلى الأطراف الداخلية في ليبيا الجلوس مع الدول رعاة السلام في ليبيا والاتفاق على طريقة لتجنيب ليبيا شرور الصدام مع المرتزقة، وقد يكون التنفيذ صعبا، ولكنه ليس مستحيلا فيمكن للدول الراعية للسلام تشكيل قوة لتنفيذ ذلك، كما تستطيع أن تضع قواعد لإبعاد هؤلاء عن المسرح الليبي.


مقالات ذات صلة