إثيوبيا أمام خطر عودة الديكتاتورية

تحذيرات جدية من الانزلاق إلى حرب أهلية

باكو: عامان على صورة خدعت العالم عن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد الذي سطع نجمه في مطلع عام 2018، حينما رفع شعارات العدل والمساواة والحرية، إذ سرعان ما تكشفت حقيقة توجهاته وطموحاته وأحلامه التي تحولت بسبب تعنت سياساته إلى كوابيس تقلق حياته، بل ربما ينتهى به المقام إما منفيا في إحدى دول الجوار وملاحقا من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب، وإما أن يلقى مصيرا مظلما في سجون بلاده بذات التهم، إذ إنه مع أول اختبار حقيقي، سقط القناع، وظهر الوجه الآخر لرجل حاول أن يخدع العالم بدعوته للسلام والاستقرار نال عليها جائزة نوبل التي يجب أن يعاد النظر في منحها إياه.

والحقيقة أنه رغم سوداوية السيناريوهين المطروحين بشأن مستقبل آبي أحمد، إلا أن السيناريوهات المطروحة لمستقبل الدولة الإثيوبية تظل أكثر قتامة كما عبرت عن ذلك مبعوثة الشؤون السياسية للأمم المتحدة روزماري ديكارلو في اجتماع لمجلس الأمن في الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، حينما أشارت إلى أنه: «لا يمكن لأحد أن يتنبأ بما سيجلبه استمرار القتال وانعدام الأمن. ولكن اسمحوا لي أن أكون واضحة أن المؤكد هو أن خطر انزلاق إثيوبيا إلى حرب أهلية متسعة أمر حقيقى للغاية»، بل الأخطر من ذلك هو مستقبل منطقة القرن الأفريقي وقضاياها الملتهبة، وهو ما أشارت إليه أيضا ديكارلو بقولها: «إن المعارك تضع مستقبل البلاد وشعبها وكذلك استقرار منطقة القرن الأفريقي الأوسع في حالة من عدم اليقين في الأيام الأخيرة».

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد

ومن هذا المنطلق، يستعرض هذا التقرير المسارات المحتملة للأزمة الإثيوبية المتفاقمة منذ عام، وذلك حينما شن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في نوفمبر (2020) هجوما عسكريا ضد جبهة تحرير شعب التيغراي التي كانت تدير منطقة التيغراى لفترة طويلة، بل وكانت طرفا فاعلا في السياسة الوطنية الإثيوبية، حيث كانت الجبهة مهيمنة على الأجهزة السياسية والأمنية في إثيوبيا لنحو ثلاثين عاماً، بعدما سيطرت على أديس أبابا وأطاحت بالنظام العسكري الماركسي المتمثل في المجلس العسكري الإداري المؤقت في عام 1991. ولكنها فقدت هذه السيطرة مع مجيء آبي أحمد إلى السلطة عام 2018 حيث نجح في تنحية الجبهة التي تقوقعت في منطقتها بعيدا عن مجريات الأحداث الوطنية، بل رفضت الانتخابات التي أجراها رئيس الوزراء في الإقليم لتبدأ تلك الجولة من الصراع الذي شهد تسارع وتيرته خلال الفترة الماضية، خاصة مع ما حققته الجبهة من إنجازات عسكرية أهمها السيطرة على مدينة ديسي الاستراتيجية ثم مدينة كومبولتشا، مما مكنها من قطع الطريق إلى جيبوتي الذي يعتبر الشريان الرئيسي للاقتصاد الإثيوبي، الأمر الذي دفع برئيس الوزراء الإثيوبي لتصعيد حربه العسكرية، موقعا ضحايا من المدنيين اعتبرتها المنظمات الدولية المعنية جرائم ضد الإنسانية وعمليات إبادة جماعية، حيث استخدم فيها صاحب جائزة نوبل كل أدوات القمع والعنف لإسكات الحركات والجبهات العرقية التي تطالب بحقوقها السياسية والاقتصادية.

 

الأزمة الإثيوبية وسيناريوهات المستقبل

في ضوء ما سبق، ومع تسارع الأحداث، ثمة سيناريوهات ثلاثة مطروحة أمام الأزمة الإثيوبية، وذلك على النحو الآتي:

السيناريو الأول: نجاح الجبهة المُشكلة حديثا والتي يطلق عليها «الجبهة المتحدة للقوات الفيدرالية والكونفدرالية الإثيوبية»، وتضم جبهة تحرير التيغراي التي أبرمت تحالفا عسكريا مع جبهة تحرير الأورومو ذات الثقل العسكري وسبع مجموعات عسكرية هامشية أخرى، في إسقاط نظام آبي أحمد والهيمنة على مقدرات البلاد، والدخول في مرحلة انتقالية لإعادة ترتيب الأوضاع وتقاسم السلطة بين الشركاء. يعزز من ذلك السيناريو أن هذه الجبهة تشكلت في العاصمة الأميركية واشنطن بما يحمل معه من رسالة مفادها رغبة واشنطن في التخلص من نظام آبي أحمد الذي ارتكب جرائم حرب من ناحية، وعزز علاقات بلاده مع الصين التي تخوض بدورها حربا ضد الولايات المتحدة من ناحية أخرى. ورغم ما يحمله هذا السيناريو من طموح لإزاحة نظام تلوثت يدها بدماء أبناء شعبه إلا أن حدوثه من شأنه أن يدخل البلاد في أحد مسارين محتملين: المسار الأول: إبرام حزمة من التفاهمات بين القوى السياسية والعسكرية بشكل يعيد الاستقرار في البلاد، وعلى أثرها يتم تعديل الدستور وإجراء انتخابات جديدة تعكس موازين القوى على الأرض، وتنطلق مرحلة جديدة في تاريخ الدولة الإثيوبية، تتم خلالها معالجة تشوهات الماضي وانحرافاته وبناء مؤسسات الدولة على أسس تحقق التوازن بين التقسيمات العرقية والإثنية والدينية. المسار الثاني: دخول الأطراف السياسية والعسكرية التي نجحت في إزاحة نظام آبي أحمد في جولة جديدة من الصراع على السلطة، لتشهد البلاد انزلاقا نحو مزيد من التفتت ما بعد غياب النظام الراهن.

السيناريو الثاني: نجاح رئيس الوزراء آبي أحمد بتوجيه ضربة قاضية للتحالف المعارض المُشكل حديثا، من خلال استعادة زمام الأمور والهيمنة على الأوضاع، مستفيدا من تفوقه في العدد والعتاد مقارنة بما لدى الجبهات المناهضة له. ووفقا لهذا السيناريو، تشهد إثيوبيا مرحلة جديدة من الديكتاتورية البغيضة في تعامل الحكومة الإثيوبية مع التحالف المعارض لها، بل قد يؤدي إلى تهدئة مؤقتة للصراع تحت فرط استخدام القوة التي تجبر الأطراف كافة على الخضوع. وفى هذا الشأن من المنتظر أن تشهد إثيوبيا مزيدا من الجرائم المرتكبة في حق الإثيوبيين المدنيين من أبناء الجبهات المناهضة للنظام الحاكم، تلك الجرائم التي قد تصل إلى حد التصفية الجسدية لقادة هذه الجبهات وعناصرها الفاعلة. إلا أنه في المدى البعيد لن تستقر الأوضاع، حيث يُعاد تجدد الصراع بين هذه القوى كما حدث مؤخرا. وفي هذا الخصوص من المنتظر أن يدخل الجيش الإثيوبي في حرب عصابات مع عناصر تلك الجبهات الرافضة لحسم الصراع لصالح الحكومة الإثيوبية.

السيناريو الثالث: إخفاق الطرفين (الحكومة الحالية والقوى المعارضة) في حسم أي منهما الصراع لصالحها، بما يدخل البلاد في حرب أهلية واسعة تؤدي إلى تفتيت الدولة الفيدرالية إلى دويلات متصارعة على أسس عرقية وإثنية، تجعل من الصعوبة بمكان العودة إلى دولة موحدة، وهو ما يرفع من حجم المعاناة الإنسانية للشعب الإثيوبي الذي يدفع ثمن هذا الصراع المستعر. وفى هذه الحالة تنتقل تأثيرات وانعكاسات هذا الصراع على الجوار الجغرافي الذي تشهده دوله بدورها صراعات داخلية عديدة، بما يدخل المنطقة برمتها في مرحلة صراعية جديدة تقضي على الأخضر واليابس.

مئات الآلاف شردتهم الحرب في إقليم تيغراي الإثيوبي

وغني عن القول إن ترجيح أي من هذه السيناريوهات يظل مرهونا بثلاثة عوامل، وهي:

الأول: دور القوى الدولية المنغمسة في الأزمة الإثيوبية، إذ على مدار الأعوام الماضية شهدت الساحة الإثيوبية وجودا دوليا من جانب القوى الكبرى بدءا من الولايات المتحدة، مرورا بروسيا وصولا إلى الصين التي تملك أكبر حجم للاستثمارات في إثيوبيا. ولا شك أن مصالح هذه القوى هي الموجه الأول لما يمكن أن تشهده الأزمة الإثيوبية سواء في طريقها إلى الحل أو طريقها إلى مزيد من التصعيد المؤدي إلى السيناريو الأكثر تشاؤما.

الثاني: دور الأطراف الإقليمية وتأثيراتها، حيث تلعب هذه الأطراف دورا مباشرا من خلال انغماس بعضها في الصراع كما هو الحال في إريتريا أو مساندتها لبعض أطراف الصراع بشكل غير مباشر بما يعزز من مواقفها في مواجهة الطرف الآخر. خاصة إذا أخذنا في الاعتبار حجم التحالفات الراهنة بين بعض هذه الأطراف الإقليمية والقوى الدولية في تبني التوجه الذي يحقق مصالحها على حساب مصالح الشعب الإثيوبي.

الثالث: دور الداخل الإثيوبي، ويقصد به حجم التحالفات والاصطفافات القبلية والعرقية في الساحة الداخلية، إذ يحمل هذا الداخل تأثيرا مباشرا على مجريات الصراع ومساراته المحتملة. ورغم تأثر الأطراف الداخلية بمواقف القوى الإقليمية والدولية المساندة والداعمة لها، إلا أنه يظل لهذا الداخل دور مؤثر في الأحداث ومجرياتها إذا ما برز وعي لدى الإثيوبيين بشأن المخاطر المحدقة ببلدهم بسبب هذا الصراع المتجدد.

في ضوء هذه العوامل الثلاثة، يمكن القول إن السيناريو الثالث هو الأقرب إلى التحقق في ظل ضعف بنية تحالف المعارضة بسبب ما يضمه من أطراف متصارعة فيما بينها، حيث يرجع تشكيلها لهذا التحالف إلى التقاء مصالحها في التخلص من نظام آبي أحمد دون أن يكون لديهم أجندة لترتيبات مرحلة ما بعد إسقاط النظام، بل تتسم علاقات أطراف هذا التحالف بعداء قديم قابل للتجدد عند حدوث أول أزمة بينهم. في مقابل ذلك تظل الحكومة الإثيوبية لديها القدرات العددية والعتاد الذي يتفوق على ما لدى تحالف المعارضة، الأمر الذي يجعل من الصعوبة بمكان حسم المعركة لصالح أحد الأطراف، بما يفتح معه المجال واسعا أمام تحد حقيقي يواجه أمن منطقة القرن الأفريقي بما تمثله من أهمية جيواستراتيجية وجيواقتصادية في خريطة التفاعلات الدولية سياسيا واقتصاديا. ومما يعزز أيضا من هذا السيناريو فشل المجهودات الدولية التي جرت خلال الأسابيع الماضية في اتجاه دعوة أطراف الصراع إلى الجلوس على مائدة تفاوض، كما دعت إلى ذلك وزارة الخارجية الأميركية بأن ثمة نافذة صغيرة يمكن من خلالها حل الأزمة عبر انطلاق المفاوضات بين الأطراف المتصارعة بجهد من الاتحاد الأفريقي الذي أعلنه مبعوثه للقرن الأفريقي الرئيس النيجيري السابق، أولوسيجون أوباسانجو، بأن: «الفرصة التي لدينا ضئيلة والوقت قصير»، وذلك إثر تمسك جبهة تحرير التيغراي بشرط إزاحة آبي أحمد أولا، وهو ما دعا الأخير إلى التحريض على القتال حتى آخر نفس، بقوله: «سندفن هذا العدو بدمائنا وعظامنا ونجعل مجد إثيوبيا عاليا مرة أخرى»، داعيا سكان العاصمة إلى التسلح على خلفية التقدم الميداني.

 

الأمم المتحدة: أكثر من 400 ألف دخلوا في مجاعة في إقليم تيغراي (رويترز)

سد النهضة وسيناريوهات مأزومة

تمتد التحديات التي تفرزها الأزمة الإثيوبية إلى واحدة من أخطر الأزمات التي تشهدها القارة الأفريقية، وهي تلك المتعلقة بملف سد النهضة الذي مثل ملفا دوليا وإقليميا، كما حمل أبعادا إنسانية وتنموية وقانونية وسياسية، إذ تظل ثمة صعوبة في رصد حجم التأثيرات لما سيحدث من سيناريوهات متوقعة على كيفية إدارة هذا الملف، بما يهدد أمن أكثر دول حوض نهر النيل اختلافا مع أديس أبابا، وهما دولتا المصب (مصر والسودان) حيث أدى التعنت الإثيوبي في الانفراد بإدارة هذا الملف منذ البدء في بناء السد، إلى تزايد حالة الرفض الإقليمي والدولي لإدارة قضية مصيرية تتعلق بمستقبل شعوب دولتي المصب بكل هذا الصلف والتعنت. ولذا فإن ما ستنتهي إليه الأزمة الإثيوبية الراهنة سيترك تأثيره السلبي على ملف سد النهضة الذي من المنتظر أن يدخل في مرحلة ضبابية من غياب الرؤية وكيفية التحرك، حيث يبرز أمام صانع القرار في دولتي المصب، ثلاثة سيناريوهات:

  • الأول: يتعلق بنجاح رئيس الوزراء في استعادة السيطرة على الأوضاع، بما ينذر بأن تصبح إدارته لهذا الملف أكثر تشددا في محاولة لاستعادة اللحمة الوطنية وتصحيح التصدعات التي حدثت في الجبهة الداخلية، وتصبح قضية السد هي القضية الأكثر تأثيرا في هذا الشأن نظرا لكونها من القضايا الوطنية الإثيوبية محل الإجماع من الكل.
  • الثاني: يتعلق بنجاح تحالف المعارضة في استعادة الأوضاع، وهو ما يدفعها لأن تصبح أكثر تشددا في ملف السد في محاولة لكسب تأييد ومساندة الرأي العام الإثيوبي الداخلي في قضية محل إجماع. هذا فضلا عن عدم رغبة التحالف الدخول في تصادم مع القوى الدولية والإقليمية صاحبة الاستثمارات في مشروع السد، خاصة إذا ما طلبت حكومات هذه الدول تعويضات عن الأضرار التي لحقت بها حال توقف السد وعدم استكمال بنائه.
  • الثالث: يتعلق بإخفاق الطرفين في الهيمنة على مقدرات البلاد التي ستشهد انزلاقا خطرا إلى حرب أهلية تهدد الفيدرالية الإثيوبية، حينها ستدخل الدولة الإثيوبية في نفق مظلم لن يشهد حلا في القريب العاجل، بما يستوجب توقف أية مستجدات في ملف السد لحين استعادة زمام الأمور والعودة إلى مائدة المفاوضات بحثا عن حلول ترسي السلام والاستقرار في الداخل الإثيوبي وفي جوارها الجغرافي.

وبعيدا عن السيناريوهات المطروحة سواء لمستقبل الدولة الإثيوبية أو مستقبل رئيس وزرائها المتهم بارتكاب جرائم حرب أو مستقبل إدارة ملف سد النهضة، يمكن القول إن ما يجري في إثيوبيا يفرض على الأطراف كافة، دوليا وإقليميا وداخليا أن تعي خطورة المآلات المنتظرة لتلك الأزمة التي إذا ما انفرط عقدها سيكون من الصعوبة بمكان استعادته مرة ثانية، بما يحمله هذا الانفراط من مخاطر عدة، وما يمثله من تهديدات عديدة، وما يترتب عليه من تحديات متعددة.


مقالات ذات صلة