Maid معاناة أمٍ شابّة كسرت مقولة أنّ أميركا أرض الأحلام

هو مسلسل ليس مخصّصاً للمشاهدين الذين يبحثون عن التسلية، وليس مخصّصا كذلك لمن يعتقدون أنّ التعنيف المنزلي هو جسدي فحسب، وليس مخصّصا لمن يبحث عن قصّة مثيرة وإيقاع لا يخفت وأحداث تخطف الأنفاس، هو باختصار قصّة ملهمة، لامرأة مجرّدة من كلّ شيء، ومن اللاشيء صنعت الكثير.

«Maid» الخادمة، الذي تلعب بطولته Margaret Qualley واحد من مسلسلات «نتفليكس»، لا يحمل مقوّمات العمل الجماهيري بالمعنى التقليدي، ورغم ذلك تمكّن من حصد نسب مشاهدة مرتفعة، وأوشك على تجاوز The Queen's Gambit باعتباره أكثر المسلسلات القصيرة مشاهدة على المنصّة العالميّة.

هو واحد من الأعمال التي تخرج أميركا من كونها أرض الأحلام، ومن كون المعاناة خلقت لأجلنا نحن بعض قاطني العالم العربي، في «Maid» تسقط مقولة أنّ الأميركي يولد وفي فمه ملعقة من ذهب، وأنّ أطفالهم يولدون ويجدون كل مقوّمات الرّفاهية جاهزة لخدمتهم، فهناك ستجد أماً تضطرّ إلى تنظيف المراحيض لإعالة طفلتها، وبالكاد يكفيها ما تجنيه قوت يومها، ستجد المرأة المعنّفة، وليس ثمّة من ينصفها لأنّ الكدمات لا تغطّي جسدها، ولأنّ التعنيف لا يزال محصوراً في إطار الإيذاء الجسدي، أما الإيذاء النفسي والمعنوي، فيسقط من حسابات حتّى بعض الجمعيات المهتمة بشؤون المرأة، فتجد المعنّفة نفسها مشرّدة دون مأوى.

في «Maid» أيضاً ستشاهد للمرّة الأولى ماذا يحصل للمواطن الأميركي حين يكبر في السن، ليس ثمّة نظام يحمي الشيخوخة، تجد أليكس الأم التي تضطر للعمل في تنظيف البيوت لإعالة طفلتها، نفسها أمام مشكلة جديدة، تكمن في الاهتمام بوالدتها بعد انفصالها عن زوجها الثاني، وفقدانها منزلها ووظيفتها، تقول لوالد ابنتها: «ستكون والدتي مشكلتي وعبئاً إضافياً مدى الحياة»، تحبّ أليكس والدتها وتتمسّك بها حتى في لحظات ضعفها، لكنّها تدرك أنّها بإمكاناتها لا تستطيع إعالة والدتها وابنتها والاهتمام بهما في نفس الوقت.

يبدأ المسلسل حين تقرّر أليكس الأم التي تبلغ من العمر 25 عاماً الانفصال عن شريكها ووالد ابنتها مادي البالغة من العمر ثلاثة أعوام. هو لم يضربها يوماً، لكنّه غارق في إدمان الكحول، وعندما تنتابه موجات غضب يحطّم زجاج المنزل، ويثير الرعب في نفس الطفلة الصغيرة، التي قرّرت والدتها الهرب بها رغم أنّها لا تملك أدنّى مقوّمات الهروب.

اضطرتا إلى النوم في السيارة قبل أن تلجأ إلى مكان تخصّصه الحكومة الأميركيّة للنساء الهاربات من العنف، كان عليها أن تثبت أنّها امرأة معنفة لم تتلقّ حتى صفعة، اعترف بها المركز ولم تعترف المحكمة في إطار النزاع على حضانة الطفلة.

وللحفاظ على حضانة ابنتها، كان عليها الحصول على وظيفة، وعلى دعم من الحكومة لتأمين جزءٍ من قسط الحضانة وحاجيات الطفلة. الحضانة التي حصلت عليها لا تراعي أبسط متطلبات الطفل، يقول المشرف إنّ هذا أفضل ما تقدّمه الخدمات الحكوميّة لأولاد ذوي الدّخل المنخفض.

المنازل التي تراكمت فيها الأوساخ، أخرجت أفضل ما في أليكس، هناك بدأت بكتابة مذكّراتها، لكل منزل قصّة، ولكل قصّة حبكة، وإليكس موهوبة سبق أن حصلت على منحة لتعلّم الكتابة الإبداعيّة لكن ظروف حملها وإنجابها حالت دون قبولها المنحة، لتعاود من جديد تقديم طلب، والسعي لترتيب أمورها قبل السّفر نحو مستقبل جديد.

تضطر أليكس للنّوم في سيارتها مع ابنتها، هناك كثيرون في أميركا ينامون في سياراتهم، هم الفئة الأفضل من المشرّدين الذين لا يجدون حتى سقف سيارة يحميهم.

وبعد تحطّم سيارتها تضطر إلى النّوم في محطّة العبارة التي تقلّها إلى منزلٍ تنظّفه.

تعيش صراعاتٍ ينتصر فيها اليأس حيناً والأمل حيناً، لكنّها من ظروفها الصعبة، وحياتها الشاقّة، ورغبتها في تحويل موهبتها بالكتابة إلى أملٍ في مستقبلٍ أفضل، تتغلّب على كل الصعوبات، حتى تلك التي خالت أنّها ستدمّرها وتخنقها حتى الرّمق الأخير.

المسلسل مدّته عشر حلقات، تتكرّر فيه المواقف لكنّ التكرار ليس عبثياً، بل صورة واقعيّة للدّائرة التي تدور فيها حياة أليكس وابنتها، حيث الأمور تتغيّر وتتبدّل بصعوبة وأحياناً تستمر كما هي ويكون على الأم المكافحة للتعايش معها.

يخفت إيقاع بعض الحلقات كثيراً، لكنّ مشاهد «Maid» لا ينتظر إيقاعاً نارياً وأحداثاً تقطع الأنفاس، بل إيقاع حياة أليكس كما عاشته، رتيباً قاتلاً، حوّلته إلى قصّة كفاح تستحق أن تُروى وأن تُشاهد وأن تُبنى عليها تجارب خال أصحابها أنّها ستبقى مجرّد فكرة.

المسلسل مستوحى من كتاب يحمل الاسم نفسه لستيفاني لاند، التي كانت قبل خمس سنوات خادمة تعمل مقابل أجر زهيد في مدينة صغيرة قرب سياتل في ولاية واشنطن.

كانت الأم العزباء مفلسة وحاملا بطفلها الثاني، يوم قررت ترك العمل والتفرغ للدراسة على أمل أن تصبح كاتبة مستقلة بعد التخرّج، وبعد أقلّ من ثلاثة أسابيع من نشرها كتابها «خادمة» الذي تروي فيه قصّة سنوات من التنظيف بأجرٍ زهيد، وإرادتها كأم في البقاء على قيد الحياة، ظهر الكتاب لأوّل مرة في قائمة «نيويورك تايمز» لأكثر الكتب مبيعاً.

اليوم وبعد سنوات من الفقر المدقع والاعتماد على المساعدات الحكومية، تغيرت حياة لاند بعد نجاحها المذهل.

قليلة هي المسلسلات والأفلام التي تنصف الرواية الأصليّة، إلا أنّ «Maid» أنصف ستيفاني، وقدّم صورةً واقعيّة لقصّة نجاح، كُتب لها كل عناصر الفشل، لكنّها نجحت بإرادة صاحبتها وإصرارها على عدم وجود مستحيل طالما أنّك لا زلت تحاول الوصول إلى النقطة المضيئة في نهاية النّفق.


مقالات ذات صلة