السينما الأفريقية تشقّ طريقها عبر القصص الإنسانية

نيجيريا تنتج 80 % من أفلام القارة السمراء
فيلم «زوجة حفار القبور» الصومالي

القاهرة: تواصل السينما الأفريقية التطوّر بوتيرة متسارعة على مستويي الكم والكيف خلال السنوات الأخيرة، ما يجعلها سوقًا مستقبلية واعدة مع تغيّر النظرة إليها من سوق ترفيهية إلى نشاط اقتصادي يدر عائدًا للدخل القومي، إلى جانب دورها التقليدي في التعبير عن الشعوب بعاداتها وتقاليدها، ومشكلاتها التي تتشابه في مفهومها العام في الكثير من الدول.

بدأت دول أفريقيا أخيراً طرق أبواب الصناعة بقوّة كالصومال التي فاز فيلمها «زوجة حفار القبور» للكاتب والمخرج الصومالي خضر عيدروس أحمد بالجائزة الكبرى الرفيعة «حصان ينينجا الذهبي»، لأفضل فيلم في المهرجان الأفريقي للسينما في مهرجان واجادوجو في بوركينا فاسو، لتظهر مدى الاقتناع بأهمية تجاوز السينما الأوضاع الداخلية الصعبة.

تدور أحداث الفيلم الدرامي المؤثر حول حفار قبور يواصل العمل بدأب من أجل تدبير تكاليف عملية جراحية لزوجته، وسبق له أن عُرض في مهرجان كان، كما تم ترشيحه في قائمة جوائز الأوسكار في 2021، في المشاركة الأولى للصومال في المحفل الفني العالمي في تاريخها كله.

بينما كان الفيلم الصومالي يحصد التكريم في بوركينا فاسو، نال فيلم «سودة» للمخرجة الموريتانية آمال سعدبوه الجائزة الكبرى في مهرجان آسا الوطني للسينما والصحراء في المغرب، بحكاية إنسانية أيضًا مفعمة بالتّحديات والمشاعر الإنسانية، عن فتاة تعيش ظروفًا شديدة الصعوبة مع أسر تعيش معها في الصحراء، فتقرر الفرار لحياة جديدة، واستطاع العمل رغم محدودية إنتاج السينما الموريتانية في اقتناص الجائزة من بين 120 فيلمًا.

فتح تزايد المهرجانات الفنية في أفريقيا مجالاً أمام عرض تجارب القارة في الصناعة، خاصة المهرجان الأفريقي للسينما والتلفزيون في واجادوجو، الذي يعقد مرتين سنويا، ويستقطب العاملين في السينما والتلفزيون دوليا وأفريقيا، إلى جانب مهرجان الأقصر السينمائي الدولي في مصر، مع اهتمام بوضع الأعمال الأفريقية أيضًا على أجندة المهرجانات الدورية كالقاهرة والإسكندرية السينمائي، وقرطاج الدولي في تونس، إلى جانب عشرات الفعاليات في دول القارة السمراء.

فيلم «سودة» الموريتاني

ماضٍ مأساوي

تملك القارة قضايا خصبة تجعل منتجها السينمائي ذا طبيعة خاصة جاذبة للغرب ومحفزة على التكريم عالمياً، خاصة قضايا استغلال الأطفال في النزاعات المسلحة القبلية والإثنية، والصراعات الإقليمية من أجل الثروات مثل الماس واليورانيوم والبترول، والتغيرات الثقافية التي تشهدها مع الانتقال من الحياة البدائية للحداثة.

يمثّل الماضي المأساوي للقارة أيضًا مجالاً فضفاضًا للتعبير الإنساني مثل الاستعمار الأجنبي ونهبه الثروات والتفرقة العنصرية، وحقّقت بعض دولها حاليًا شهرة واسعة لتحتل السينما النيجيرية (نوليوود) المركز الثاني بين أكثر الدول إنتاجا للأفلام، وأصبحت مصدرًا مهمًا في الاقتصاد النيجيري يدفعه البعض للمرتبة الثالثة بعد النفط والزراعة.

في مهرجان قرطاج في تونس، استطاع الفيلم التشادي «الروابط المقدسة» جذب الأنظار لسينما بلاده، وهو يروي قصة أرملة لديها ابنة مراهقة حملت سفاحًا من رجل في عمر والدها، مع المضي في رصد العديد من المشكلات المجتمعية بين التديّن الشكلي، والفقر، وتداعياتها على المرأة المعيلة التي تدفعها الظروف لعرض نفسها على طبيب من أجل إجهاض ابنتها.

 

انتعاش السينما في بوركينا فاسو

تعيش شركات الإنتاج الخاصة المحلية بوركينا فاسو فترة انتعاش بدأت منذ تفعيل الإنتاج الرقمي في العام 2002، حتى أصبحت هناك أكثر من 25 شركة إنتاج صغيرة، تنتج أفلام السينما والمسلسلات التلفزيونيّة على حد سواء، كما تستضيف البلاد المقر الرئيسي لاتحاد صانعي الأفلام الأفريقية، ولديها العديد من المنتجين الذين فازوا بجوائز عالمية.

وتمثل المخرجة أبولين تراوري من بوركينا فاسو، أحد أبرز المخرجين في القارة حاليًا وقدمت أفلاما روائية طويلة مثل «كوناندي»، و«تحت ضوء القمر»، و«ديزرانس» والذي حصل على العديد من الجوائز منها جائزة أفضل فيلم في مسابقة الدياسبورا في مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية، كما قدمت العديد من المسلسلات التلفزيونية الناجحة في بلدها.

 

تجارب واعدة

يتّسم الإنتاج النيجيري بالتركيز على المشاعر الإنسانية والقصص الرومانسية وبساطة التصوير والمعالجة لكن دون إخلال بالجودة مما يقلل التكلفة الإنتاجية التي لا تتجاوز في إجماليه 250 مليون دولار، رغم إنتاجها نحو 90 فيلما شهريًا بما يعادل أربعة أَضعاف الإنتاج الكامل للسينما المصريّة في عام.

عرفت نيجيريا، التي تنتج 80 في المائة من الإنتاج السينمائي الأفريقي جيداً من أين تؤكل الكتف في سوق السينما، فامتلكت دور عرض في أوروبا وأميركا، وأصبحت تملك قسمًا خاصًا في المهرجانات الدولية، وركّزت على القصص الإنسانية والتشويقية بعيدًا عن الأكشن ذي التكلفة المالية المرتفعة التي لن تستطيع فيها مضاهاة المنتج الأجنبي، لتبلغ قيمة عوائد الناتج المحلي لصناعة للسينما النيجيرية 5.1 مليار دولار.

شجعت الدولة شركات التوزيع الصغيرة في نيجيريا قبل أن تستثمر الإنترنت في التسويق والتوزيع، والتعاقد مع الشركات العالمية في مجال التقنية والهواتف المحمولة، كشركة «آبل» الأميركية التي تتولى حاليًا توزيع أعمال نيجيرية مقابل نسبة تقترب من ثلث العائد، إلى جانب الانتقال بصورة سريعة إلى التصوير الرقمي الذي يقلّل الأعباء الإنتاجية في سوق يعمل بها قرابة 300 ألف شخص حاليًا.

لا يجد المنتج الفني النيجيري صدى واسعًا مع الجمهور العربي لاعتبارات تتعلق بطبيعة القصص المعتمدة على السحر والشعوذة والقبلية والعقائدية فى أفلامها، فبعضها يركز على التنصير غير المباشر، عبر قساوسة يتولون طرد الأرواح من أجساد مرضى حار في علاجهم.

ظلت السينما السنغالية ندًا قويًا لنيجيريا في السبعينات مع تميزها بأفلام أكثر ديناميكية وتنوعًا على مستوى الكيف حينها، قبل أن تشهد الصناعة تراجعا بسبب شح التمويل، واعتمادها أكثر على توزيع أعمال دول الجوار، لكنها تصدر إنتاجًا سنويًا بنحو 13 فيلما لا تكفي حاجة دور العرض المحلية.

وتحمل السنغال تاريخاً طويلاً في السينما حتى إن مخرجها الراحل عثمان سمبية يحمل لقب أبو السينما الأفريقية لأنه صاحب أول فيلم أفريقي «سائق الكارو» ومدته 19 دقيقة وهو أيضا صاحب أول فيلم روائي طويل «فتاة سوداء» عام 1966، وكلها تتسم بجود معقولة بالمقارنة بتقنيات وتوقيت صناعتها.

 

تسهيلات ضخمة

تمثل جنوب أفريقيا «هوليود» أفريقيا حالياً في ظل اجتذابها الأعمال الأميركية للتصوير على أراضيها واكتسابها خبرات من الغرب أهّلتها لمنتجٍ متميّز حتى لو كان قليل العديد مقارنةً بنيجيريا، ومن المتوقع أن تنمو سوق الأفلام الترفيهية في جنوب أفريقيا بمعدل نمو مركب متوسط يبلغ 7.1 في المائة لتولد عوائد تقترب من 300 مليون دولار.

تلقى صناعة السينما في جنوب أفريقيا دعماً كبيراً من الدولة التي وضعت نظام حوافز يساعد على دعم صناعة السينما لتطوير قاعدة مهارات الصناعة المحلية، بخصم 20 في المائة على الضرائب للأفلام الأجنبية التي يتم تصويرها في جنوب أفريقيا مع موازنات تبدأ بـ950 ألف دولار حتى 4 ملايين دولار، وخصم إضافي يتراوح بين 2 إلى 5 في المائة لمن يجري أعمال ما بعد الإنتاج على أرض البلاد.

وجذبت تلك الحوافز أفلاماً عالمية للتصوير في جنوب أفريقيا فالتكاليف فيها أرخص بنسبة 40 في المائة عن أوروبا أو الولايات المتحدة، وأقل 20 في المائة من أستراليا، ويعتبر فيلم «المقاطعة 9» الذي أخرجه نيل بلومكامب عام 2009 من أبرز الأعمال التي استفادت من تلك الحوافز عن قصة هبوط مركبة ضخمة تحمل كائنات فضائية والاضطهاد والمعاملة غير الإنسانية التي تتعرَّض لها.

وقد انتقلت صناعة السينما لآفاق أوسع في 2011  بعد النجاح الذي حققه فيلم «كارمن» الذي اقتنص جائزة الدب الذهبي في الدورة الخامسة والخمسين لمهرجان برلين السينمائي رغم اقتباسه من الأوبرا الشهيرة التي تحمل الاسم ذاته، وترشيح فيلم «بالأمس» للأوسكار في فئة الفيلم الأجنبي، والذي يتناول قضية الإصابة بمرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) وهي أزمة صحية مزمنة في أفريقيا.

بدورها، تتّسم السينما الرواندية بطبيعة خاصة، فلم تستطع حتى الآن التحرر من قضية الإبادة الجماعية منتصف التسعينات والتي أودت بحياة مئات الآلاف من الشخصيات، فغالبية الإنتاج محصور في تلك النقطة حتى حدث نوع من التشبع بشأنها، بعد وصول حجم الإنتاج المتعلق بها لنحو مائة فيلم في أقل من 20 عامًا.

الفيلم التشادي «الروابط المقدسة»

آفاق واسعة

يقول الناقد الفني أحمد سعد الدين إنّ السينما الأفريقية تنتظرها آفاق واسعة مع تطور تقنيات التصوير وتزايد عدد المهرجانات الفنية التي فتحت أمام الصناع فرصا للقاء وتطوير الصناعة، لكنها في الوقت ذاته تواجه تحديات أهمها سيطرة الفيلم الأميركي على أسواق العالم بما يملكه من إنتاج ضخم، وفقر البنية الأساسية لآليات الإنتاج والتوزيع في دول أفريقيا، وكذلك تركز الأفكار، فيما يتعلق بالحقبة الاستعمارية والفصل العنصري.

يوضح سعد الدين، لـ«المجلة»، أن صناعة السينما تحتاج إلى دعم من قبل الحكومات الأفريقية لزيادة المنتج وتطويره للتعبير عن القوى الناعمة لأفريقيا، وتغيير الصورة الذهنية الخاصة ففيها دول متقدمة على مستوى التكنولوجيا والاقتصاد ولا يزال يتم تصويرها عالمياً كما لو كانت قبائل عارية تجري في البراري.

من بين الإشكاليات التي تواجه السينما الأفريقية حاليًا وجود 44 في المائة فقط من الدول لديها أجهزة وطنية معنية بصناعة السينما، و55 في المائة فقط لديها سياسة خاصة بالأفلام تمكنها من الدفاع عن الإبداع وانتعاش الصناعة، فضلاً عن عدم توافر البنية التحتية فمقابل كل 787 شخصا توجد دار سينما واحدة.

ويقول نادي عزام، الخبير الاقتصادي، إن السينما كصناعة بعيدًا عن فنياتها تواجه أزمات القرصنة التي تسبب مشكلة للإنتاج السينمائي المصري حاليًا بتراجع الإيرادات والتوزيع الخارجي ما يقلل من عائد الإنتاج فدخول شخص بكاميرا صغيرة عرض فيلم سينمائي وتصويره ورفعه على الإنترنت كفيل بتدمير عمل تم إنفاق الملايين عليه.

ويضيف عزام أنّ السينما صناعة للقوى الناعمة وبالتالي لا يجب إخضاعها لعوامل الربح ويجب منحها معاملة خاصة في الضرائب، خاصة أن العائد غير المباشر من ورائها مرتفع للغاية، فدولة مثل تركيا أنعشت قطاع السياحة كله بالأعمال السينمائية والدرامية وهو الأمر الذي تحتاجه أفريقيا التي تتّسم بطبيعة بكر لم تنجح في تسويقها عالمياً بسبب عدم وضع السينما في سلّم الأولويات.

يذكر أنّ أوغندا تحوّلت إلى دولة سياحية عبر الأفلام الوثائقية العالمية التي تم تصويرها حول الغوريلا الجبلية المهددة بالانقراض، والتي وضعتها على خريطة أنشطة السفاري العالمية، ما يؤكد أن السينما ليست رفاهية لأفريقيا بل ضرورة ثقافية واقتصادية على حد سواء.


مقالات ذات صلة