حزب الله مشكلة لبنانية أم خارجية؟

هناك وجهتا نظر في لبنان حول موضوع حزب الله؛ الأولى تقول إنه ليس مشكلة لبنانية، وأخرى تقول إنه لم يعد مشكلة لبنانية.

ما الفرق؟

وجهة النظر الأولى تقول إن الوضع اللبناني المتأزم اليوم سببه السياسات الخارجية والتسويات الإقليمية التي سمحت لحزب الله بالازدهار والتوسع والوصول إلى ما هو عليه اليوم من قوة ونفوذ وتأثير إقليمي يتعدى حدود لبنان. المتهم الأول هو الولايات المتحدة حسب وجهة نظر تلك الفئة والتي في سياق مصالحها وسياساتها الخارجية سلمت لبنان لحافظ الأسد بعد انتهاء الحرب الأهلية فيه، وبالتالي أصبح لبنان جزءا من المحور «الممانع»، وذلك كجائزة ترضية لانضمام الأسد للتحالف العالمي لتحرير الكويت من غزوة صدام حسين الذي قاده بوش الأب أو لدواعي مسار السلام السوري الإسرائيلي الذي كانت تقود جهوده الإدارات الأميركية المتعاقبة. لذا تقول وجهة النظر تلك إن مسألة التخلص من الحزب تقع بالكامل على عاتق الخارج الذي ساهم بشكل كبير في تمكينه.

وجهة النظر تلك ترى في حزب الله مجرد مشكلة عسكرية أو أمنية وموضوعا يتعلق بإيران وثورة الخميني وصراعات الشرق الأوسط.

أما وجهة النظر الأخرى، ولا يتبناها أصلا إلا قلّة قليلة، فتقول إنه إذا كان صحيحا أن حزب الله لم يعد مشكلة يستطيع حسمها اللبنانيون إنما هو بالأساس مشكلة لبنانية تعود إلى ما قبل نشأة الحزب وتتعلق بشكل وأسس النظام اللبناني الطائفي والذي سمح لثورة الخميني يالاستثمار في الطائفة الشيعية اللبنانية المهمّشة وعسكرتها وتنظيمها في إطار عقائدي مسلح يتخطى أصلا الدولة ومفهومها ويؤمن «بالأمة»التي يقودها «الولي الفقيه»كإطار سياسي ديني يتحكم في يوميات أبناء الأمّة وحياتهم.

النتيجة واحدة طبعا وهي أن حزب الله أصبح أكبر من لبنان.

الإضاءة على الاختلاف في وجهات النظرلا تهدف إلى إيجاد حل لتلك المعضلة وقد يبدو الحل بعيد المنال إنما يتعلق بنظرة البعض إلى مستقبل لبنان كدولة ونظام.

المشكلة في الفئة الأولى أنها لا ترى في النظام الطائفي سببا أساسيا لوجود «مشكلة»حزب الله ورفض جزء كبير من الطائفية الشيعية لـ«الميثاق الوطني»الذي حصر الدولة بيد طائفتين بشكل كبير، الموارنة والسنة لتمتعهم وقتها أي عام 1943 بإطار سياسي وديني ودعم إقليمي  لم يكن متوفرا أصلا لدى الطوائف الأخرى لا سيما الطائفة الشيعية.

أركان تلك الدولة الطائفية لم يعنِ لهم وصول ثلاث شخصيات شيعية مؤثرة إلى لبنان في مطلع الستينات من القرن الماضي من النجف وقم، وهم السيد محمد حسين فضل الله والسيد محمد مهدي شمس الدين والسيد موسى الصدر. يعود لهؤلاء الثلاثة كل من موقعه تنظيم الطائفة الشيعية في إطار سياسي وديني وربطه بامتداد إقليمي سيطرت عليه في حقبة الثمانينات إيران والثورة الخمينية وما زالت. تنظيم الطائفة الشيعية في إطار سياسي وديني هو في مكان ما نتيجة تهميش الدولة لتلك الطائفة، واستهتار القيادات الشيعية بأبنائها على طريقة «لا تعلموا أولادكم.. كامل بك ( الأسعد) يدرس نيابة عنهم». هي طائفة أيضا خضعت مناطقها وأبناؤها في مطلع السبعينات لظلم الميليشيات المسلحة الفلسطينية التي أرادت تحرير فلسطين من بلدات الجنوب ولظلم الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة عليها ردا على العمليات الفلسطينية ولاحقا تعرضها للاحتلال بهدف طرد منظمة التحرير وإبعاد الخطر عن شمال إسرائيل.

هذا الإطار السياسي المسلح إن كان ضمن «أفواج المقاومة اللبنانية»سواء «أمل»بقيادة موسى الصدر ومصطفى شمران، أو حزب الله بإشراف حجة الإسلام على أكبر محتشمي ومحمد صالح الحسيني مع المجموعة اللبنانية المؤلفة من عماد مغنية وعباس الموسوي ورفاقهم أتى نتيجة انحلال الدولة وفشلها في آن.

تفكك الدولة الطائفية كان نتيجة الحرب الأهلية أما فشلها فكان نتيجة توقيعها اتفاق القاهرة الذي أقر للكفاح المسلح الفلسطيني بالشراكة في السيادة اللبنانية.

وجهة النظر الأولى تتجاهل بطبيعة الحال كل تلك العوامل الني أوصلت لبنان إلى ما هو عليه وأنتجت فصيلا مسلحا بخطورة حزب الله، وهي تريد أن تعود للعمل باتفاق الطائف الذي هو امتداد لدستور الـ43 والميثاق الوطني. مع العلم أن  اتفاق الطائف أرسى دستورية وقانونية امتلاك حزب الله للسلاح من أجل المقاومة واسترداد الأراضي التي تحتلها إسرائيل.

وبالتالي يصبح أن كل ما تريده تلك الفئة هو عودة العمل السياسي إلى طبيعته. أي كل طائفة تأخذ حصتها من النظام. أليس على هذا الأساس بنى الرئيس عون شعبيته عند المسيحيين؟ ألم يكن استرداد حقوق الطائفة في العمل السياسي اللبناني شعاره وتلك المجموعة التي تدين له بالولاء؟

العودة إلى دولة الـ43 من دون سلاح حزب الله إن حصل لن يعالج أصل المشكلة التي تمنع من خلق انتماء وطني أقوى من الانتماءات الطائفية، ولن يبني مواطن حقوقا وواجبات متساوية مع أي مواطن آخر، العودة لروح دستور الـ43 سيجعل اللبناني يفتش دائما عن سند إقليمي أو خارجي، سواء كان أما حنونة أو وليا فقيها.

مشكلة حزب الله هي مشكلة بدأت داخلية وإن لم تتم معالجتها من الداخل فلبنان وإن جُرد الحزب من سلاحه سيعاود إنتاج فصيل مسلح يوتر الداخل وربما الإقليم.