هل يعقل أن «نفتح صفحة جديدة» مع القاتل؟

عام مضى على انتخاب الرئيس الديمقراطي جو بايدن رئيسا للولايات المتحدة الأميركية خلفا للرئيس الجمهوري دونالد ترامب، وحتى اليوم لا تزال سياسته حيال سوريا غير معلنة- أن وجدت- فلطالما لاحظنا ترددا بكل ما يتعلق بالملف السوري، وإن كانت الخارجية تكرر في كل مناسبة موقفها الرافض لتعويم نظام الأسد أو التعامل معه قبيل الوصول إلى حل سياسي وفقا للقرارات الدولية. فمنذ وصول بايدن إلى السلطة تكرر إدارته أنها لن تكون جزءا من تعويم النظام السوري دون أن تعلن موقفا رافضا بالمطلق لعملية التطبيع معه، على عكس الإدارة الأميركية السابقة.

وإن كان موقف إدارة الديمقراطيين وتحديدا إدارة بايدن الذي شغل يوما منصب نائب الرئيس باراك أوباما ليس مفاجئا، فخلال الشهور الأخيرة تكرر كثيرا سؤال: «متى تتخلى الإدارة الأميركية عن الملف السوري نهائيا»، وخصوصا أن المفاوضات الإيرانية الأميركية شهدت مدا وجزرا، إلا أن ملف توسع إيران في المنطقة لم يكن من الملفات التي أعاقت العودة إلى الاتفاق النووي.

ورغم كل ذلك لا يزال البعض يراهن على إمكانية تعريب النظام السوري، وهو ما لم يحصل، وفشل مرارا خلال الـ16 عاما الماضية، أي منذ اغتيال رئيس مجلس الوزراء اللبناني الشهيد رفيق الحريري وما تلاها من محاولات لإبعاد الأسد عن إيران، وصولا إلى انطلاق الثورة السورية والدخول العسكري الإيراني المباشر وغير المباشر من خلال ميليشياتها وإغراق سوريا بالمرتزقة التابعين للحرس الثوري من مختلف الجنسيات.

حتى إسرائيل الحليف الأقرب والأقوى للولايات المتحدة، كان لافتا قبل أسابيع وخلال زيارة رئيس وزرائها نفتالي بينيت إلى روسيا، وتوافقها مع موسكو على عدم استهداف الغارات الإسرائيلية للنظام وللبنى التحتية، والأغرب استمرار رهانها على دور لروسيا في تحجيم الدور الإيراني في سوريا وأقله إبعاد الإيرانيين عن حدودها الشمالية، وهو ما كان البلدان قد اتفقا عليه وفشلت أو لم ترغب روسيا بالوفاء به كما وعدت منذ العام 2018.

فإن كانت إسرائيل غير قادرة بسبب غياب الغطاء الأميركي وحقيقة الموقف الأميركي من الدور الإيراني، وروسيا غير راغبة أو غير قادرة، أو كلاهما، على إبعاد إيران عن حدود إسرائيل، فكيف يمكن أن يكون تعويم نظام الأسد هو المدخل لإخراج إيران من سوريا؟ أو حتى للحد من نفوذها؟

ومنذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة بعد انقلاب 16 تشرين، كانت سوريا هي الخاصرة الرخوة التي تسللت منها إيران إلى المنطقة، وها هي إيران اليوم لا تدع فرصة إلا وتؤكد بوقاحتها المعهودة أنها تسيطر على 4 دول عربية، والمراهنة على أن إعادة النظام السوري إلى جامعة الدول العربية والتطبيع معه هو إضعاف لإيران، إنما هو في الحقيقة شرعنة للاحتلال الإيراني وقد يكون أيضا إعطاؤها مقعدا جديدا في جامعة الدول العربية وصوتا جديدا، فلم ننس بعد المواقف المنحازة لإيران ضد الدول العربية وأولها المملكة العربية السعودية، من وزير خارجية لبنان السابق جبران باسيل في اجتماعات الجامعة.

يدين بشار الأسد ونظامه لإيران بسبب بقائه في قصر المهاجرين في دمشق، ويدين قبل ذلك النظام السوري منذ السبعينات للجمهورية الإسلامية الإيرانية بسبب وجودهم، وإغراءات إعادة الإعمار والعودة إلى الجامعة لن تنفع بتعريب الأسد، فمن هدم سوريا على رؤوس أبنائها ليس مستعجلا ليعيد إعمارها، ومن حاصر السوريين وقتلهم جوعا ليس قلقا مما يعانيه السوريون اليوم.

وثمة نقطة أساسية بات أغلب الكتاب والمحللين يتجاهلونها، وهي أن مشكلة الأسد وضرورة رحيله ليست فقط بسبب هيمنة إيران على سوريا، فسوريا ليست الجغرافيا والنظام، بل سوريا هي أيضا السوريون، وهذا الأسد قتل منهم مئات الآلاف وهجر الملايين، فهل يعقل بعد كل ذلك أن «نفتح صفحة جديدة»مع القاتل؟

في فترة مراهقتي كانت تستهويني روايات أغاثا كريستي، كنت أقرأ بشغف لأرى إن كانت هناك جريمة كاملة، ولكن كانت كل الروايات تنتهي بمعرفة الجاني رغم كل الدهاء الذي يتمتع به وكل محاولات إخفاء أي دليل على جريمته، اليوم كبرنا وشاهدنا جريمة ترتكب على الهواء مباشرة، لا يحاول القاتل حتى إخفاء أي من معالمها، بل يقوم هو في كثير من الأحيان بتصوير جريمته وأحيانا بطريقة «السيلفي»ويعرضها على الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي بالصوت والصورة، ومع ذلك ها هي جريمته تعد «الجريمة الكاملة»، القاتل معروف وأساليب القتل موثقة والضحايا أسماء وأرقام وجثث ممزقة، ورغم كل ذلك قد يفلت القاتل من العقاب.. لو كانت أغاثا كريستي حية ماذا كانت ستقول عن هذه الجريمة التي لم تصل لها مخيلتها؟