بدعم حكومي... انتشار كبير للزراعة العضوية في السعودية

صناعة متكاملة لها وزنها في الاقتصاد غير النفطي
المركز الوطني للزراعة العضوية في السعودية

جدة: في وقت تكثف فيه المملكة جهودها للاكتفاء الذاتي وتنويع الإنتاج الغذائي، يعمل 312 مزارعاً سعودياً حالياً من المتحولين كلياً أو قيد التحول نحو الزراعة العضوية. وفي اتجاه موازٍ، تعكف إدارة الإنتاج العضوي بوزارة البيئة والمياه والزراعة على إنتاج طيف واسع من الحشرات والجراثيم والفطريات والمحاليل والزيوت العطرية العضوية تحت اسم «الأعداء الحيويين» وكذلك دعم إنتاج الأسمدة العضوية المؤلفة من روث الحيوانات وبقايا الإنتاج الزراعي كالقشور والسيقان وغيرهما.

تلك الأعداء الحيوية تقاوم الآفات والأمراض الفاتكة بالمحاصيل الزراعية؛ دون استخدام وسائل الرش بالمبيدات. أما الزيوت العطرية أو شمع العسل، فهي تفيد في الحماية من الحشرات وترميم النباتات، فيما السماد العضوي، بديل للمركبات الكيماوية.

في 5 سنوات فقط، تضاعف عدد المزارعين العضويين المحليين إلى 155 في المائة بين 2016 و2020، فيما لامس الإنتاج 100 ألف طن عام 2020. إن هذه الكمية البسيطة من الإنتاج العضوي، تحمل في حد ذاتها رسالة إلى أنه قطاع واعد لم يصل إلى حد التشغيل الكلي، وفيه فرص للنمو لانضمام المزيد من المزارعين الناظرين إلى المستقبل الزراعي بأسلوب اقتصادي فعال وقيمة مضافة، إلى جانب مراكمة الخبرة والدعم النقدي السخي للمزارعين عن كل طن من الإنتاج، يصل لبعض الأصناف إلى أكثر بقليل من 1000 دولار.   

نحاول تسليط الأضواء على التجربة السعودية في الزراعة العضوية وآفاقها في وقت يشكل فيه القطاع الزراعي السعودي نسبة لا تتجاوز 3 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي، وأيضاً في ظل إصرار أكبر على تنويع الاقتصاد في اتجاه زيادة وزن الإنتاج والصادرات غير النفطية فيما تبقى الأولوية لتشجيع المحتوى المحلي، استهلاكاً وإنتاجاً واستثماراً. وهل يستفيد صغار المزارعين من التجربة؟

 

علامة «عضوي»

قبل 10 سنوات، أنهت الجمعية السعودية للزراعة العضوية إجراءات وتراخيص منح شعار «عضوي» للإنتاج الزراعي العضوي.

ولا يقتصر وصف الزراعة العضوية على مزارعي النباتات، فالعاملون في حقل الإنتاج النباتي والحيواني والنحالون، الذين يتبعون ضوابط الإنتاج العضوي، يندرجون تحت بند المزارعين العضويين. فهناك، لحوم وعسل ومربى وورود، تحمل صفة «عضوي». إن هذه الصفة، هي علامة تضمن التأكد من عضوية الإنتاج النباتي أو الحيواني.

ويقصد بالزراعة العضوية باختصار أنها زراعة مائية أو ترابية لا تستخدم المبيدات أو الأسمدة الكيماوية، تحارب الآفات بحشرات أو طفيليات صديقة للثمار السليمة، لكنها عدوة حيوية للثمار أو الأوراق المصابة. كما أن لديها فرصة لإعادة التدوير مثل إنتاج علف للحيوانات أو منتجات أخرى، تعود كمدخل للزراعة العضوية من جديد.

فالبقرة العضوية مثلاً، لا تتغذى إلا على نباتات أو أعلاف عضوية، وهنا يصبح حليبها عضوياً، لكن ثمن الحليب العضوي، مثلاً أغلى بضعفين من الحليب العادي، في السوق السعودية إن كان معلباً. أما غير المعلب، القادم من مزارع خاصة فإن سعر اللتر يحلق إلى 4 أو خمسة أضعاف. لذلك، يمكن تحديد الموقع السوقي للإنتاج العضوي، النباتي والحيواني وغيره، بأنه سوق للنخبة أو المترفين. لكن الزراعة العضوية السعودية حققت اختراقات في بعض المنتجات الغذائية العضوية مثل زيت الزيتون المنتج في منطقة الجوف، شمالي المملكة، حيث تصل أسعار زيت الزيتون العضوي إلى ضعف نظيره غير العضوي، وهي زيادة معقولة، يتفهمها المستهلك.

 

في 5 سنوات فقط، تضاعف عدد المزارعين العضويين المحليين إلى 155 في المائة

 

أما عند شراء الخضراوات أو الحبوب العضوية مثلاً، فسنجد أن سعرها يتفوق بمثلين أو ثلاثة أمثال الأغذية غير العضوية، وقد يتجاوز ذلك.

يقول الخبير الزراعي الإيطالي جورجيو ماسيمو، وهو يعمل في إحدى شركات توزيع الفواكه الخليجية: «إن ارتفاع سعر المنتجات العضوية، يعود إلى ارتفاع تكاليف إنتاجها واتباعها أساليب غير تقليدية في مكافحة الحشرات أو تهيئة التربة. فالتربة التي تزرع فيها المنتجات العضوية، تتعرض للتقليب والتشميس لأعوام قد تصل إلى 3 سنوات من أجل ضمان خلوها من آثار المبيدات. وليس كل المستثمرين الزراعيين، قادرين على تحمل التحول العضوي».

 

تحديات الزراعة العضوية

يوضح الخبير الإيطالي جورجيو ماسيمو، الذي التقته «المجلة» في أحد المطارات المحلية السعودية قبل فترة، أن الزراعة العضوية «غير مربحة، وبخاصة في مراحلها الأولى، بدليل تقديم معونات نقدية من وزارة الزراعة السعودية للمزارعين العضويين عن كل طن. إنها تحتاج الكثير من الاهتمام والدقة والمال لتنجح».

وعند السؤال عن سبب الإقبال المتنامي على المنتجات الغذائية العضوية، يشرح ماسيمو بقوله: «إنها منتجات تحتفظ بعناصر غذائية أعلى من المنتجات غير العضوية، كما أن عمرها أطول»، مستدركاً: «إن ذلك لا يعني ذم المنتجات الزراعية غير العضوية، فالجسم البشري قادر على التعامل مع نسب ضئيلة من بقايا المواد الكيماوية الناتجة عن عمليات الرش، وهي موجودة بشكل معياري، لا يشكل خطراً على الصحة العامة».

وفيما تشكل المنتجات العضوية نحو 1 إلى 1.2 في المائة من مجمل الإنتاج الغذاء العالمي في الأسواق، ويعمل على إنتاجها نحو 3.1 مليون مزارع حول العالم بحسب تقرير منظمة الغذاء العالمية، يسعى هذا النوع من الزراعة إلى إيجاد موطئ قدم في السعودية مع وجود اتجاهات للبعض لأن يكونوا نباتيين وآخرين من غير النباتيين الذي يفضل أسلوب حياة أكثر صداقة للطبيعة، لكنهم على استعداد لدفع المزيد من أجل تحقيق غاياتهم.

يشرح الخبير الإيطالي أهم التحديات التي تواجه انتشار الزراعة العضوية بأنها تشمل «ضعف وعي المزارعين بالأهمية وقلة المتخصصين من العمالة الزراعية المدربة وارتفاع التكاليف، إلى جانب قلة القنوات التي تربط المزارع العضوي بالمستهلك مباشرة؛ لتخفيف الأسعار. وليس من المستغرب أن جزءاً معتبراً من الإنتاج العضوي السعودي، يتم تصريفه عن طريق العلاقة المباشرة بين المزارع والمستهلك؛ دون المرور بالأسواق المعتادة! لكن الأمر قابل للتغير، فكثير من البدايات تكون خجولة، لكنها تنمو وتزدهر مع مرور الوقت، وبخاصة مع وجود رعاية حكومية».

  

صغار المزارعين

هناك مزارعون، يعملون في مزارع صغيرة، لكنهم يسعون إلى تحسين الدخل من خلال تبني الزراعة العضوية. إن عدم استخدام البذور المعدلة وراثياً والأسمدة التقليدية، يجعل الإنتاج أقل. كما أن النحال الذي يأخذ خلايا نحله إلى مزارع عضوية، سيتكلف مبالغ أعلى.

لذلك، لا بد من إضافة نشاط على العمل الزراعي، يتمثل في الترويج السياحي للمزارع العضوية، إما بالزيارات السياحية أو تهيئة أجزاء من المزارع للجلسات أو الإيواء وإمكانية تسويق المنتج لمرتادي المزارع العضوية، فالناس أقل ممانعة لصرف الأموال في وقت السياحة.

 

عوامل التفاؤل

مع ازدياد الوعي الصحي لدى الناس وتغير أنماط الحياة وتنوعها، يحاول المشتغلون في الصناعة الغذائية، الاجتهاد في تقديم منتجات عضوية مع التحكم في التكلفة بأكبر قدر ممكن. فتجد مثلاً وجود منتجات عضوية لمعجون الطماطم بسعر تنافسي مصنوعة من ثمار الطماطم المحلية المنتجة عضوياً.

إنها مبادرات وبدايات صغيرة، يعول عليها في تكبير حجم الزراعة العضوية والصناعات المرتبطة بها مستقبلاً. كما أن خلق قيمة مضافة للإنتاج الزراعي والحيواني العضوي عبر المرور بمراحل التصنيع والتعبئة والتسويق والتغليف والتجميد والتعليب، كلها تخفض الكلفة وتؤسس لزراعة عضوية مستدامة؛ شريطة استمرار الدعم الحكومي حتى يقف قطاع الزراعة العضوية على قدميه ويكتسب الخبرة اللازمة ليشكل صناعة متكاملة لها وزنها في الاقتصاد غير النفطي.