الحرب السورية أصابت الحياة الثقافية بشللٍ جزئي

الموافقات الأمنية شرط رئيسي قبل النشر والطباعة
معظم العاملين في الوسط الثقافي السوري أصبحوا خارج البلاد اليوم

القامشلي: تغيّرت أشياءٌ كثيرة في سوريا نتيجة الحرب التي تشهدها منذ نحو عقدٍ من الزمن، والتي تلت احتجاجاتٍ شعبية خرجت في مختلف مناطق البلاد في شهر مارس (آذار) من عام 2011، وقد طال هذا التغيير كل المجالات وصولاً إلى الوسط الثقافي الذي لم يكن استثناءً على الإطلاق.

سالار أوسي، الصحافي والكاتب السوري المقيم في العاصمة السورية دمشق حتى الآن، يقول إن بقاءه في البلاد كان بمحض الصدفة، ربّما لأسبابٍ غامضة كما يقول، يرفض أن يكون لاجئاً أو أن يخوض هذه التجربة، رغم خروجه المتكرر من سوريا قبل اندلاع الحرب التي «أجهضت كل شيء بما في ذلك الثقافة»، على حدّ تعبّيره.

ويضيف أوسي: «قبل الأزمة السورية كنت مقيماً بين دمشق وبيروت، حيث كنت أكتب في الصحف اللبنانية التي بدأت معها مشواري في العمل الصحافي، حتى أثناء إقامتي داخل سوريا كنت أكتب لتلك الصحف، ولهذا السبب لم يكن يُنظر إليّ كواحد من الوسط الثقافي السوري».

سالار أوسي

 

ويتابع لـ«المجلة»: «معظم العاملين في الوسط الثقافي السوري أصبحوا خارج البلاد اليوم، وكان أغلبهم قبل الأحداث التي شهدتها سوريا، يعملون في وسائل الإعلام الحكومية الرسمية، وبالتالي كانوا جزءاً من النظام أو الدولة، لكن بعد عام 2011، باتت هناك وسائل إعلام موازية فانتقلوا للعمل فيها خارج البلاد ولكل منهم أسبابه».

 

تراجع اهتمام الناس بالثقافة

وانتقد أوسي الذي توقف عن النشر في الصحف قبل سنوات، بعضاً من زملائه الذين انتقلوا إلى الخارج، قائلاً إن «الأحداث غيّرت أماكن الناس لكنها لم تغيّر طرق التفكير لديهم».

وكشف أيضاً أسباب غيابه عن الصحافة، إذ قال: «توقفت بالفعل عن الكتابة في الصحف اللبنانية عام 2013 قبل إغلاق تلك التي كنت أنشر بها لأسباب تتعلق بمكان تواجدي. كان صعباً أن أعبّر عن رأيي وأكتب كما أرى وكما أريد وأنا في مكانٍ مضطرب فيه ما يكفي من الفوضى ويزيد».

كما أكد أن «الوسط الثقافي تأثر بالحرب مثلما تأثّرت جوانب الحياة الأخرى، ولذلك تراجع اهتمام الناس بالثقافة مثلما تراجع اهتمامهم بأشياء أخرى. لدى الناس هواجس كثيرة أهمها البحث عن مأوى آمنٍ يوفر لهم الحد الأدنى من الاستقرار».

ولفت إلى أن «الحالة الثقافية السورية لم تكن نشطة لحدٍ كبير قبل الحرب، التي قضت على فرصة تطويرها ولم يكن بوسعنا مقارنتها بالوسط الثقافي في لبنان أو مصر على سبيل المثال».

كما شدد على أن «حركة النشر تراجعت ويمكنني أن أعد على أصابع يدي أسماء دور النشر التي لم تغلق أبوابها بعد، وهي تعتمد على معارض الكتب خارج البلاد سيما أن سوريا لم تعد سوقاً للكتّاب مطلقاً، وهذا هو السبب الذي دعا المكتبات التقليدية في دمشق والتي تعمل منذ نحو نصف قرن، إلى إغلاق أبوابها».

 

أغلب دور النشر أغلقت أبوابها بعد الحرب

ومن المؤكد أن تراجع دور النشر والمكتبات لم يقتصر على العاصمة السورية فقط، ففي مناطقٍ أخرى من البلاد تبدو الحالة الثقافية مشابهة لدمشق لعواملٍ كثيرة، لكنها أفضل من نواحٍ أخرى.

ويقول عبد الله شيخو، وهو مترجم وصاحب مكتبة «بنداروك» في مدينة القامشلي رداً على سؤالٍ لـ«المجلة» حول نسبة القراءة في المجتمع: «لا يمكننا تحديد نسبة دقيقة للقراءة في المنطقة، فالأرقام والنسب التقريبية تحتاج إلى دراسات واستبيانات واسعة، لكن في العموم النسبة متدنية بسبب ظروف الحرب والهجرة والأوضاع السياسية والاقتصادية الصعبة».

ويضيف أن «القسم الأكبر من القراءات هي لكتبٍ بالعربية ومن ثم بالكردية، أما الإنجليزية فتقتصر على عدد بسيط جداً ضمن شريحة القراء، فالعربية هي اللغة التي يتقنها الجميع هنا، عرباً وكرداً وسرياناً، ولذلك هي الأوسع انتشاراً، خاصةً أن الكردية لم تنل نصيبها من النشر إلا خلال السنوات الأخيرة إثر التغييرات السياسية التي حصلت في المنطقة والتي سمحت بالاعتراف باللغتين الكردية والسريانية إلى جانب العربية كلغاتٍ رسمية»، من قبل الإدارة الذاتية لشمال سوريا وشرقها والتي تضم مناطقها معظم محافظتي الحسكة والرقة وأجزاء من حلب ودير الزور.

 

ولادة مؤسسات ثقافية جديدة

ويتابع شيخو وهو أيضاً مدير منشورات «نقش» أن «الحرب تؤثر دوماً بشكلٍ سلبي على الحياة الثقافية، لكن النقطة المفصلية التي أنتجتها الحرب السورية هي ولادة مؤسسات ثقافية أهلية مستقلة خارج النطاق الحكومي، وهنا أتكلم عن منطقتنا بشكلٍ خاص، فالأثر السلبي الكبير كان في تراجع عدد القراء نتيجة الهجرة والأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية غير المستقرة، لكن في الجانب الآخر شهدنا ولادة مؤسسات ثقافية ومكتبات ودور نشر وبروز حراك ثقافي وإن كان بدائياً في بعض جوانبه، فهذا الحراك- خاصة الكردي- قبل الحرب كان محظوراً، وكان نشر كتابٍ أدبي بسيط باللغة الكردية مغامرة تضع صاحبه في فخ الملاحقات الأمنية».

ويشدد صاحب المكتبة على أن «الحكومة السورية لا تزال تمارس سياسة الإنكار تجاه اللغات والثقافات غير العربية في سوريا، ولاسيما الكردية. إن عدم الاعتراف الدستوري باللغة الكردية يمنعنا من النشر وتداول الكتب وتوزيعها بشكل طبيعي في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة. وحتى في مجال النشر وتداول الكتب العربية، من الصعوبة الحصول على موافقات لنشر وتداول جميع الكتب في المناطق الخاضعة لسيطرتها، فالنشر والعمل الثقافي بمجمله خاضع للموافقات الأمنية».

ويكشف أيضاً عن التحديات التي يواجهها في المكتبة بالقول: «تصلنا كتب من دمشق وحلب واللاذقية وغيرها من المدن، ولكن بصعوبة، لأنها تحتاج إلى موافقات من وزارة الإعلام في دمشق، كما أن إرسالها بات يقتصر مؤخراً على الشحن الجوي المكلف جداً».

ويضيف: «بالنسبة لكل ما يمتّ للعمل الثقافي بصلة في منطقتنا، الصعوبات الأساسية تتعلّق بظروف الحرب التي تمنع الاستمرارية في أي عمل ثقافي وتحدُّ من التوسع في التأسيس لعمل الترجمة الذي يحتاج بدوره إلى مؤسسات وكليات وأكاديميات تدريبية، فضلًا عن دور نشر وسوق لتوزيع الكتب. المنطقة هنا تخطو الخطوات الأولى في كلِّ شيءٍ تقريبًا، لأنها كانت منطقة مهملة، والعمل في حقل الترجمة كغيره يحتاج إلى التأسيس».

ويؤكد شيخو أن «الحرب والتغييرات السياسية والإدارية التي صاحبتها، سمحت بالاعتراف باللغة الكردية والنشر بها وتداول المنشورات الصادرة بالكردية. كلُّ هذا برزَ في بيئة الحرب التي تحدّثت عن عراقيلها ومآسيها، ولكن على الأقل زالت العراقيل القانونية والمؤسساتية التي كانت تضعها حكومة البعث التي لم تعترف إلا باللغة العربية على المستويين الرسمي والمجتمعي حين ولّت نفسها قائدة للدولة والمجتمع».

ومكتبة «بنداروك» التي يديرها شيخو، تأسست في مطلع عام 2019، وهي تجربة فريدة من نوعها في المناطق ذات الغالبية الكردية بسوريا، فهي تقدّم مساحة للقراءة والأنشطة الثقافية، علاوة على وجود آلاف الكتب باللغات الكردية والعربية والإنجليزية. وهي أيضاً واحدة من عشرات المشاريع الثقافية التي انطلقت في هذه المنطقة.

وكانت حكومة رئيس النظام السوري بشار الأسد تمنع تداول اللغة الكردية قبل اندلاع الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها سوريا في مارس (آذار) من عام 2011، لكنها لاحقاً سمحت بتداول اللغة الكردية على نطاقٍ ضيق ضمن بعض معاهد اللغات في جامعتي دمشق وحلب.

وحتى الآن، لا تعدّ الكردية لغةً رسمية في مدارس الدولة رغم إعلان حكومة دمشق أكثر من مرة عن نيتها تدريس هذه اللغة في مختلف المراحل التعليمية.

ومع إغلاق المكتبات ودور النشر في دمشق وغيرها من المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية، برزت تجارب ثقافية في المناطق الخاضعة لسيطرة «الإدارة الذاتية» كتجربة مكتبة «بنداروك» وغيرها العشرات من المكتبات ودور النشر التي تروّج للكتب الكردية بعدما كان ذلك أمراً محظوراً لعقود.