هل ينجح المجتمع الدولي في إنقاذ العملية السياسية الليبية؟

فرنسا تشعر بالذنب وتخشى تكرار سيناريو العراق الخطير في ليبيا
الرئيس إيمانويل ماكرون يستقبل رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال (يمين) قبل المؤتمر الدولي حول ليبيا (أ.ف.ب)

سؤال كان يدور على ألسنة قادة الدول والحكومات والمراقبين بعد عدّة محاولات فاشلة لإيجاد خارطة طريق، لإخراج ليبيا من النفق الطويل المظلم بعد عشر سنوات على سقوط نظام معمر القذافي والقوى المركزية الليبية، لتتحوّل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية والقبلية على الصعيد الداخلي، كما أصبحت أرضاً خصبة لجميع بؤر الإرهاب في العالم بما في ذلك تنظيما داعش والقاعدة، ناهيك عن وجود عصابات تهريب الأسلحة والإتجار بالبشر، فيما أصبحت على الصعيد الدولي قبلة صراعات مصالح القوى الاقتصادية والاستراتيجية ولا سيما بين تركيا وروسيا.


في الواقع، تشعر فرنسا بعقدة الذنب تجاه ليبيا وتريد إصلاح ما تسببت فيه من دمار وفوضى على يد رئيسها السابق اليميني المحافظ نيكولا ساركوزي بعد أن شن حرباً شعواء ضد ليبيا في العام 2011 مستعينا بالرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون وبرعاية حلف الناتو لإزاحة النظام الجماهيري الليبي، بعد أن أصبح القذافي مزعجا لفرنسا في أفريقيا إثر مساهمته في إنشاء الاتحاد الأفريقي وقيادة التمرد السياسي في القارة السمراء ضد الدول الغربية بشكلٍ عام، وضد فرنسا بشكل خاص في مناطق نفوذها.


وقد حاول جاهداً خلفه الرئيس الاشتراكي فرنسوا هولاند رأب الصدع وإصلاح البيت الليبي لكنه فشل فشلاً ذريعاً لوجود أطراف كثيرة في المعادلة الليبية أبرزها إيطاليا، التي كانت ليبيا إحدى أهم مستعمراتها وتحاول هي الأخرى إصلاح جراح الماضي لكنها على أي حال عليمة بالشؤون الليبية أكثر من فرنسا، كما أن التركيبة الليبية عصية على الفهم لدى فرنسا وبعض الدول باستثناء دول الجوار الإقليمي وعلى رأسها مصر.


وما زاد من أزمة فرنسا، وصول أسلحة حربية من ليبيا إلى يد خلايا إرهابية نائمة في فرنسا عبر تجار السلاح، والتي ساهمت في أحداث نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 الارهابية، وبالتالي أصبحت فرنسا أكثر الدول المعنية بالاستقرار في ليبيا، بعد أن تأكّد لها أنّ أمن الليبيين مرتبط ارتباطاً وثيقًا بأمن فرنسا ومن ثم أوروبا.
ولهذا يحاول الرئيس الوسطي إيمانويل ماكرون صادقاً من جهة محو الذنب الفرنسي تجاه الشعب الليبي وتفادي تكرار سيناريو العراق الخطير بل يخشى أيضا تكرار مأساة أفغانستان في ليبيا، وقد ظن سلفه ساركوزي أن فرنسا قامت بإنجاز بعد سحب قواتها العسكرية من الأراضي الليبية وتسليم السلطة لمجلس انتقالي ليبي فور إزاحة نظام القذافي، حيث استأثر بصفقات الغاز والنفط الليبي لشركة توتال الفرنسية، واكتفى بما غنم من هذا البلد الغني بالذهب الأسود، لكنه أغرق البلاد في مستنقع وفوضى عارمة، وأصبحت ليبيا تعيش خارج القانون وتحكمها الميليشيات المسلحة والانتخابات المزوّرة لمؤتمر «الوطن المؤقت»، التي حرم منها نصف الشعب المشرد فى الداخل والخارج.


 وكان القتل والخطف والاعتقال مصير كل معارض. ولا تزال مناطق كاملة مهجّرة خارج بلادها مثل منطقة تاورغاء المجاورة لمصراته (50 ألف مواطن) وقبائل المشاشية (30 ألف مواطن) في الجبل الغربي وغيرهم فى غدامس والصيعان والقواليش والأصابعة الذين أجبروا على ترك بيوتهم، ومئات الآلآف ممن اضطروا لمغادرة ليبيا وتوزعوا على دول الجوار وما بعدها. وهناك مناطق كاملة مطوّقة بقوات الميليشيات المرتزقة المسلحة.
وللمساهمة في دور إيجابي فعال لفرنسا لحل أزمة البلد الجريح، أعاد الرئيس ماكرون في مارس (آذار) الماضي فتح السفارة الفرنسية في ليبيا، بعد سبع سنوات من الإغلاق.


ويعد هذا الحدث علامة على عودة الاهتمام الفرنسي بملف ليبيا. وفي يوم 23 مارس (آذار) الماضي، استقبل ماكرون رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، وأعلن أمامه «دعم فرنسا الكامل» للسلطات الجديدة التي تم تكليفها بتنظيم الانتخابات الوطنية في 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل. وصرح: «إنه ليس مجرد دعم بالأقوال أو من أجل المظاهر، إنه دعم كامل يمثل دولة فرنسا بأكملها... لأنّنا مدينون بكل وضوح لليبيا ولليبيين الذين عانوا من عقد من الفوضى المدمرة».

الأسرة الدولية هي الحل
يعي الرئيس ماكرون جيداً أن الحل الفردي لن يجدي، بعد أن فشل هو الآخر في بداية ولايته الرئاسية حتى سخر منه الإيطاليون والليبيون حينما بادر بإعطاء حلولٍ فرنسية سرعان ما تلاشت على أرض الواقع، ولهذا رأى أن يقحم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمنظمات الدولية، كما دعا لأول مرة جميع دول الجوار الإقليمي لليبيا لإيجاد صيغة توافقية تتماشى مع التركيبة الليبية، وفعالة تعيد للبلاد وللشعب الأمن والاستقرار والرخاء.


وفي هذا الإطار، عقد الأسبوع الماضي يوم الجمعة 12 نوفمبر مؤتمر دولي في باريس، وهو الثالث بعد مؤتمري عامي 2017 و2018. ولكن هذا المرة تحت رعاية باريس وروما وبرلين وبمشاركة ممثلي عنصري الأمة الليبية حالياً رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة.
كما جمع ماكرون نحو 30 رئيس دولة وحكومة وبعض المنظمات الدولية والهيئات الإقليمية. بحضور أميركي رفيع بتواجد كامالا هاريس نائبة رئيس الولايات المتحدة الأميركية، ما رفع سقف الآمال لإيجاد الضوء أخيرا في نهاية النفق الليبي المظلم.

قادة العالم يجتمعون في مؤتمر دعم ليبيا في باريس


 كما حضرت أنجيلا ميركل، مستشارة جمهورية ألمانيا الاتحادية، استمرارا لنهج بلادها والتزاماتها في مؤتمري برلين الأول والثاني، وماريو دراجي رئيس مجلس الوزراء الإيطالي، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ومعه قادة دول الجوار لليبيا، بينهم الرئيس النيجيري محمد البازوم، ورئيس المجلس العسكري الانتقالي في تشاد محمد إدريس ديبي إتنو.


ومن ضمن المشاركين حضرت نجلاء بودن رئيسة وزراء الجمهورية التونسية، وحضر سيرغي لافروف وزير خارجية الاتحاد الروسي، وإجناسيو كاسيس نائب الرئيس ووزير خارجية الاتحاد السويسري، وناصر بوريطة وزير خارجية المملكة المغربية، وأيمن الصفدي نائب رئيس الوزراء ووزير خارجية المملكة الأردنية الهاشمية، والشيخ أحمد ناصر المحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت، ورمضان العمامرة وزير الشؤون الخارجية بالجمهورية الجزائرية، وهوبرتوس كنابان وزير خارجية مملكة هولندا، والشيخ شخبوط النهيان وزير الدولة في اتحاد الإمارات العربية المتحدة، وسلطان سعد المريخي وزير دولة قطر، وسادات أونال نائب وزير الخارجية التركي، وغيرهم.

الرئيس الفرنسي مستقبلاً هاريس لدى وصولها إلى باريس للمشاركة في المؤتمر


ومن المنظمات الدولية تحدث الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تحدث عن بعد عبر الفيديو. فيما حضر جوزيب بوريل، الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ونائب رئيس المفوضية الأوروبية، وأحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية، وإيريك تياري الأمين التنفيذي لمجموعة دول الساحل الخمس.


لم تخرج فرنسا من اللعبة، كما أرادت روسيا وتركيا اللتان باتتا متورطتين للغاية في الصراع الليبي، وقدّمت كوسيط في الصراع بين المعسكرين المتنازعين في ليبيا: المشير خليفة حفتر، الرجل القوي في شرق ليبيا. ورئيس الوزراء السابق فايز السراج، المعترف بحكومته من قبل المجتمع الدولي. لكنها فشلت فاضطرت إلى تفضيل حفتر الذي تعتبره حصنًا في مواجهة الإرهاب.

تركيا الغائبة الحاضرة
يرى الفرنسيون أنّ مؤتمر باريس الثالث هو أفضل المؤتمرات التي عقدت من أجل ليبيا حتى الآن، ليس فقط لتواجد بلدان المجتمع الدولي ولكن بنسخة معدّلة من مؤتمر برلين، أشرك فيها ماكرون كلا من إيطاليا وألمانيا، لتفادي التنافس بين الدول الثلاث المعنية بالملف الليبي، رغم اختلاف وجهات النظر بينهم حول بعض النقاط.


كما حرص الرئيس ماكرون على دعوة دول لم تشارك في المؤتمرات السابقة مثل السودان التي يرى في حضورها تأثيراً إيجابياً في العملية الليبية، كذلك دولتا تشاد والنيجر القادرتان على سحب نحو ألفين من مرتزقتها، كذلك لدور رعاياهما في تهريب الأسلحة والإتجار بالبشر.


ولهذا لم يكتفِ ماكرون بإشراك رئيس الاتحاد الأفريقي فقط للمساهمة في حلّ الأزمة الليبية. لكن على طرفي نقيض، لم ينجح الرئيس الفرنسي في إقناع رئيسي تركيا والجزائر بالحضور، الأوّل رُفض لكونه يعتقد أنّ مؤتمر باريس غطاءٌ دوليٌ لتنصيب المشير خليفة حفتر رئيسا لليبيا رغم أنه لم يكن مدعواً للمؤتمر، ويأخذ على فرنسا أنها تقف إلى جانب حفتر، لمنع منافسيه الحقيقيين من تهديد حظوظه في الفوز بالرئاسة، لكن الحقيقة أنّ إردوغان تغيّب لتواجد دولتي اليونان وقبرص إذ صرّح أنه أبلغ ماكرون هاتفيا بأنه لا يشارك في مؤتمر «تشارك فيه تلك الأطراف». كما لم يدع ماكرون إسرائيل لتفادي الحساسيات بعد تهديد دول عربية مثل الجزائر وتونس بالانسحاب.


المفارقة تكمن في تجاوز كل من باريس وروما خلافاتهما حول الانتخابات الليبية التي هي مضمون البيان الختامي للمؤتمر، فالإيطاليون كانوا يصرّون على أن يتضمّن البيان مادة تسمح للجميع بالترشّح للانتخابات، فيما تمسّك الفرنسيون بالشّروط التي نصّ عليها قانون الترشح الصادر عن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، الذي يشترط توقّف المرشح عن ممارسة وظيفته بشكل نهائي قبل ثلاثة أشهر على الأقل من تاريخ الانتخابات.


فهذه المادة تمنع رئيس الحكومة الليبية من الترشّح للرئاسيات المقبلة، بينما تدعم إيطاليا الأخير من أجل الترشح. أما الإيجابي فهو أن مؤتمر باريس جمع القوى المؤثرة في الأسرة الدولية من أجل إنقاذ ليبيا وهو أمر نادر أن تجتمع هذه القوى على دولة بسبب النسب المتفاوتة في السياسات والاستراتيجيات والمصالح لكل منها.

الانتخابات الرئاسية مفاتيح الحل في ليبيا
وقد ركزت فرنسا والأسرة الدولية على مفاتيح الحل في ليبيا التي تراها في ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية التي ستكون الأولى في تاريخ ليبيا، فكما حذّرت كامالا هاريس قائلة: «بدون هذه الانتخابات الرئاسية، لن تكون هناك حكومة فاعلة السنة المقبلة في ليبيا».


وقد أوضح الإليزيه أن الهدف من هذا المؤتمر الدولي هو توفير الدعم الدولي لاستمرار الانتقال السياسي الجاري وإجراء الانتخابات في موعدها.


وأشارت الرئاسة الفرنسية إلى أن «الانتخابات قريبة»، مؤكدة أنّ «استقرار البلاد على المحك»، وأنّ «المعطلين يتربصون بها، ويحاولون إخراج العملية عن مسارها».

رئيس الوزراء الليبي عبد الحميد الدبيبة يشارك في مؤتمر صحافي في ختام المؤتمر الدولي حول ليبيا (أ.ف.ب)


وتابعت أنّ الهدف هو «جعل العمليّة الانتخابيّة غير قابلة للنقاش ولا يمكن التراجع عنها»، والتأكّد بعد ذلك من أنّ نتيجة الانتخابات «يتم احترامها».
ويفترض أن تطوي هذه الانتخابات، التي تشكّل تتويجًا لعملية سياسية شاقة برعاية الأمم المتحدة، صفحة عقد من الفوضى منذ سقوط نظام الجماهيرية، وتنهي الانقسامات والنزاعات بين معسكرين متنافسين، أحدهما في غربيّ البلاد والآخر في الشرق. لكنّ التوتر السياسي عاد مجددًا، إذ يشكك كل من الطرفين في سعي الطرف الآخر إلى تغليب مصالحه، مما يجعل إجراء الانتخابات غير مؤكد في وضع أمني ما زال هشا.


ووفق توضيحات قصر الإليزيه لـ«المجلة»، فإن المؤتمر من أجل ليبيا جزء من التزام الرئيس ماكرون بحل الآثار الدائمة للأزمة الليبية حيث هدف منه إلى تقديم الدعم الدولي لليبيا وشعبها والمساهمة في استمرار الانتقال السياسي الذي بدأ، وكذلك تسهيل إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية الليبية وفق الجدول المخطط لها في نهاية الشهر القادم (24 ديسمبر) والتي ستمتد إلى جولة ثانية من التصويت لانتخاب رئيس جديد في يوم الانتخابات البرلمانية نفسه، حيث أراد ماكرون عبر المجتمع الدولي الحفاظ على هذا النسق بعد أن هدّدت العديد من الأطراف عرقلتها وسط خلافات بين فصائل وهيئات سياسية متناحرة في الشرق والغرب على القواعد التي يستند إليها الجدول الزمني للانتخابات ومن يمكنه الترشح فيها.


كما هدف المؤتمر إلى دعم الليبيين في مطالبتهم بانسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة خارج أراضيها.


أما على الصعيد الاقتصادي، فأكد قصر الإليزيه لـ«المجلة» أن المؤتمر ذكّر بضرورة توحيد المؤسسات المالية الليبية وتنفيذ توزيع عادل وشفاف لثروة البلاد.
وعلى الصعيد الإنساني، كرّر المؤتمر التأكيد على الالتزام الجماعي بتعزيز دعم المجتمع الدولي لتلبية الاحتياجات العاجلة ومكافحة الإتجار بالبشر.
ويقول مستشارو الرئيس إيمانويل ماكرون لمندوب «المجلة» في قصر الإليزيه «نهدف إلى حشد المجتمع الدولي لدعم ليبيا بشكل مستمر حتى تستقر البلاد، ولهذا حرصنا على أن مساعدة ليبيا في الجوانب السياسية والأمنية والاقتصادية المرتبطة بشؤونها. في الأساس تتمثل الأولوية لفرنسا في مساعدة ليبيا على مساعدة نفسها حتى تتمكن من تدبير أمورها لأنّ لديها موارد كبيرة بفضل ثروتها في الهيدروكربونات على وجه الخصوص».


وفي السياق ذاته، يراهن رئيس فرنسا على تحقيق نجاحٍ كبير على الصعيدين السياسي والأمني الليبي، ويرى أنّهما شرطان لتنمية ليبيا. ومن الواضح أن القضايا المتعلقة بالهجرة والقضايا المتعلقة بالإتجار بالبشر تم تناولها خلال هذا المؤتمر.


لقد تمكن الليبيون، بدعم وبمرافقة المجتمع الدولي من الشروع في عملية انتقال سياسي من خلال الاتفاق على خارطة طريق تنص على إجراء الانتخابات في 24 ديسمبر (كانون الأول). وقد أحرزت العملية الانتخابية تقدماً مع اعتماد مجلس النواب لقانون انتخابي وقرار المفوضية العليا للانتخابات الليبية بتنظيم الانتخابات على هذا الأساس.


وفي الواقع، لم يكن هذا التقدّم ممكناً لولا الحشد المستمر للمجتمع الدولي والإجماع الذي تم تشكيله وتوطيده في الماضي خلال السنوات القليلة الماضية في القاهرة والصخيرات وباريس وباليرمو وأبوظبي وبرلين.


وخلال الشهر القادم ستجرى انتخابات تشريعية ورئاسية هي الأولى في البلاد وبالتالي، فالرهان الدولي عليها كبير لأنها تتعلق باستقرار البلاد، لكن الفرنسيين يريدون إيقاف المفسدين، وأنصار الوضع الراهن الذين يستغلون أوضاع الأزمات ويحاولون إخراج العملية الانتخابية عن مسارها.


 بيد أنّه على الصعيد الأمني تم إحراز تقدّم، إذ تمّ إقرار وقفٍ لإطلاق النار في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2020، وهو مطبق جزئياً وليس بالكامل، خاصة فيما يتعلق بالمرتزقة وجميع القوات الأجنبية التي يرغب الليبيون في رحيلها والتي يهدد وجودها استقرار وسيادة البلاد وأمن المنطقة بأسرها.


وهذا ملف خطير لأن أمن الليبيين على المحك مثل أمن الدول المجاورة لليبيا، التي تشترك معها في حدود برية، وتلك التي تقع على الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط، أي دول أوروبا.


هنا أيضًا وعلى الرغم من التقدّم، لا يزال الوضع هشًا بسبب وجود المرتزقة والقوى الأجنبية وأيضًا بسبب عدم استقرار الوضع السياسي.


ولهذا يرى الإليزيه أن الجواب الحقيقي يأتي من خلال إجراء الانتخابات، وإقامة سلطة تنفيذية وتشريعية دائمة شرعية ومعترف بها من الجميع. لكن لا يزال يتعيّن على الأسرة الدوليّة العمل من أجل توزيع أكثر إنصافاً وشفافية لثروة البلاد، وبالطبع التعامل مع قضية المشردين داخلياً، والإتجار بالبشر والهجرة وجميع الجوانب الإنسانية.


من الناحية السياسية أولوية المؤتمر جعلت العملية الانتخابية غير قابلة للنقاش ولا رجوع فيها، وتجنب الطعن في نتائج الانتخابات، كما كان الحال في عام 2014.

مقررات مؤتمر باريس 3
أهم مقرّرات مؤتمر باريس تشديده على ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسيّة والبرلمانية الليبية في موعدها، وتلويحه بفرض عقوبات على من يحاول عرقلتها، وقد دعا القادة المشاركون أعضاء المؤتمر إلى تنفيذ عملية سياسية يحققها الليبيون ويقودونها بأنفسهم بمساندة الأمم المتحدة ومن شأنها أن تفضى إلى تسوية سياسية للأزمة الليبية، وجدّد المؤتمر تأكيده على الاحترام الكامل لسيادة ليبيا واستقلالها ووحدة أراضيها، ووحدتها الوطنية.


أما على الصعيد الأمني، فقد وفّر المؤتمر دعماً دولياً لخطّة العمل الليبية لانسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة التي اعتمدتها اللجنة العسكرية المشتركة 5+5 بإدراج تنفيذ هذه الخطة كأولوية أمنية والالتزام باتفاق وقف إطلاق النار.


على الجانب الاقتصادي تمّ التأكيد على الاهتمام بالاستقرار السياسي والأمني من أجل تعافي الاقتصاد، وحث السلطات الليبية على تنفيذ إصلاحات هيكلية في القطاع المالي والعمل على إنعاش الاقتصاد.


وأكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في ختام المؤتمر أنه على تركيا وروسيا أن تسحبا المرتزقة من ليبيا «دون تأخير»، لأن وجودهم «يهدد الاستقرار والأمن في البلاد والمنطقة برمتها». وقال في مؤتمر صحافي إن «خطوة أولى تم القيام بها (...) عبر سحب 300 من المرتزقة» الداعمين للرجل القوي في الشرق الليبي المشير خليفة حفتر.