رسالة السيسي لليبيين: إخراج المرتزقة أولوية

مصر في قلب المشهد وداعمة لخيارات المواطنين
الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في مؤتمر باريس

القاهرة: مع ما تمر به الأزمة الليبية من منعطفات شائكة وسط محاولات الأطراف الإقليمية والدولية الخروج بليبيا إلى بر الأمان وإجراء العملية الانتخابية وإخراج المرتزقة، والتي واكبتها إجراءات مختلفة، ومؤتمرات عديدة، إضافة إلى حث الأطراف الليبية على ضرورة التوافق لإنجاح العملية الانتخابية وعدم وضع العراقيل أمامها والتي كان آخرها مؤتمر باريس الذي أعلن في بيان له فرض عقوبات على جميع الأطراف التي ستضع أية عراقيل أمام إنجاز الاستحقاق الانتخابي في ليبيا.

وسط هذه الموجات المتتالية من العمل الدؤوب تبدو الخطوات المصرية الهادفة لإعادة الاستقرار إلى ليبيا واضحة، والتي كان آخرها حث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الشعب الليبي على تجاوز الخلافات، وطرد الدخلاء، مشددا على أن مصر هي سند وقوة لليبيين متى احتاجوا ذلك، دعما لأمن الشعب الليبي وخياراته وطموحاته، وهو ما فرض العديد من التساؤلات حول مغزي التصريحات المصرية التي جاءت على لسان رأس السلطة، والتي نشرها المتحدث باسم الرئاسة المصرية في صفحته على موقع التواصل «فيسبوك»، فهل عادت مصر لترسم خطوطا حمراء جديدة أمام الأطراف الإقليمية والدولية التي تبني مصالحها على الفوضى في ليبيا؟ وأن مصر على استعداد للدفع بكل قوتها لإخراج المرتزقة والقوات الأجنبية من الأراضي الليبية بالقوة؟ أم أن هذه التصريحات تأتي في السياق الطبيعي للموقف المصري الداعم للشعب الليبي وخياراته؟

الرئيس السيسي وقائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر، خلال «إعلان القاهرة» الذي وضع خارطة طريق ليبيا الجديدة


 كما تثور التساؤلات حول مغزى البيان المشترك الصادر عن مؤتمر باريس الذي عقد بمشاركة 30 بلدا ومنظمة، منها دول الجوار الليبي، والذي أشار إلى إمكانية فرض عقوبات دولية على الأطراف المعرقلة للعملية الانتخابية؟ وهل تملك هذه الأطراف آلية حقيقية لفرض السيطرة اللازمة على الأوضاع؟ وتوقيع عقوبات كفيلة بإجبار الأطراف على الانصياع والقبول بنتائج العملية الانتخابية والتي تعد المخرج الرئيسي لخروج البلاد من النفق المظلم؟ خاصة في ظل تقدم كل من قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، وسيف الإسلام القذافي نجل الرئيس الليبي الأسبق معمر القذافي، واللذان يعدان من قوى الاستقتطاب في ليبيا بما يملكانه من تواجد قوي على الأرض، وحاضنة شعبية، وهل تعود ليبيا من جديد إلى نقطة الصفر حال فشل إجراء الانتخابات؟ أو عدم قبول أي من الأطراف بنتائجها؟ وما هو الموقف الدولي تجاه هذه الهواجس والتخوفات؟ وما هي الآليات المتاحة لمواجهة ذلك.

منهجية تحكمها الحكمة والعقل
حديث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عن دعم ليبيا، وضرورة إخراج الدخلاء منها، هو بوصلة نحو تحسس مستقبل الملف الليبي، وأهم محطة لحل الأزمة الليبية هي طرد كل المرتزقة، والدخلاء، وذلك حسب الكاتب والمحلل السياسي الليبي، عثمان بن بركة، في تصريحات خاصة لـ«المجلة»، مؤكدا أن تصريحات الرئيس السيسي لا نعتبرها خطوطا حمراء، بل هي مكامن للخطر على الأمن القومي المصري. أما مسألة تسخير الإمكانيات فهي بالفعل مسخرة، ولكن وفق منهجية تحكمها الحكمة والعقل، فمصر في قلب المشهد بأدواتها المسؤولة. وهي تتصرف حسب لكل حادث حديث.


كما أن المجتمع الدولي والأطراف المشاركة في مؤتمر باريس، والأطراف الراعية للأزمة الليبية، لن تسمح باستمرار هذا العبث الحاصل في ليبيا، وما يمكن أن تعالجه اليوم قد لا تتوافر الإمكانية لمعالجته غدا وبالشكل الذي تريده. كما أن الأطراف الرافضة لإجراء العملية الانتخابية هم عبارة عن ضباع الليل، بقدر ما تخوف تخاف، والانتقادات كثيرة، ولكن دوافعها مصالح ضيقة وخاصة للجماعات التي تستخدم الدين في تحقيق مصالحها.


ويكمن الحل في إعادة ليبيا إلى مسارها الطبيعي والصحيح، بخروج كل مرتزق ودخيل والذهاب للانتخابات في موعدها دون تأجيل ودون إقصاء أو تهميش، وصندوق الانتخاب هو الفيصل بين الخصوم، ويجب على الجميع احترام ما يتم الاتفاق عليه، كما يجب على الأمم المتحدة حث الدول الكبرى على ضرورة الإسراع بإخراج المرتزقة وحل كافة الميليشيات المسلحة وفرض الأمر الواقع بجمع المؤسسات العسكرية والأمنية في يد السلطة المنتخبة.

الملفات الليبية شائكة ومعقدة
تصريحات الرئيس السيسي تدل على أن مصر مهتمة جدا بما يحدث في ليبيا، وهذا طبيعي، والانطباع الثاني، حسب مساعد وزير الخارجية الأسبق الدكتور عبد الله الأشعل، في تصريحات خاصة لـ«المجلة»، أنها مستعدة بشكل كامل للمساعدة بكل الطرق على تحقيق الغاية وهي إخراج الدخلاء سواء كانت قوى أجنبية أو مرتزقة من الأراضي الليبية، ولكن لا أتوقع مطلقا أن يكون الرئيس السيسي قد قصد بتصريحاته تورط مصر عسكريا في إخراج هؤلاء المرتزقة، لأن المهمة صعبة جدا، ولا يمكن تنفيذها بالقوة من الناحية العملية، وإنما يمكن إخراج هؤلاء المرتزقة بالاتفاق، ونحن نرى أن ما حدث من اتفاق كان بسيطا، ولم يخرج من ليبيا إلا من أرادوا إخراجهم، لذلك أرى أن تصريحات الرئيس السيسي هي تأكيد الاهتمام المصري بالقضية الليبية، ومساعدة الليبيين على تحقيق هذا الهدف سواء كان مساعدة نفسية، أو معنوية، لكن لا أعتقد أنه كان يقصد بتصريحاته مساعدة مادية على الأرض.


وأضاف الأشعل أن «قوة مصر هي قوتكم يا أبناء عمر المختار» هو كلام عام، فمن الناحية العملية كيف تكون قوة مصر في خدمة الليبيين؟ هل ستتدخل مصر عسكريا لإخراج المرتزقة؟ هذا مستحيل، لأن هناك خلافا بين الشرق والغرب على تعريف «الارتزاق»، وتعريف القوات الأجنبية، فالحكومة الشرعية التي وافقت على دخول الأتراك إلى الأراضي الليبية، وفي الواقع القوات التركية أصبحت مغطاة بالشرعية عن طريق الحكومة الشرعية (حكومة الوفاق) المعترف بها دوليا، وبالتالي إخراج القوات التركية بالقوة يتناقض مع اعتراف المجتمع الدولي بحكومة الوفاق، ودائما يتواجد في المنطقة العربية خط يسمى «خط الشرعية» وهو الأساس، سواء اختلفنا أو اتفقنا معه، فهو الأساس، وهو الذي يحدد ما إذا كانت القوات الأجنبية شرعية، أم غير شرعية، ففي سوريا مثلا ما توافق عليه الحكومة السورية يعتبر شرعيا، وفي اليمن ما توافق عليه الحكومة الشرعية يعتبر شرعيا، وكذلك الأمر في ليبيا ما توافق عليه الحكومة الشرعية يعتبر شرعيا، وبالتالي أستبعد جدا أن يكون ما قصده الرئيس السيسي أن ترسل مصر القوات لإخراج المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا.


وقال الأشعل أيضا: لا أعتقد أن يكون لدى الأطراف المشاركة في مؤتمر باريس الجدية الكاملة لإخراج المرتزقة من ليبيا، أو إمكانية فرض عقوبات على الأطراف الليبية الداخلية المعرقلة لإجراء العملية الانتخابية، وهذا المؤتمر تناول الوضعية السياسية ومنها القضية الليبية وبالتالي تظل الأطراف الأساسية المعنية بتسوية القضية الليبية وهم أطراف مؤتمر برلين هم الأساس، إضافة إلى اتفاق جنيف بين الأطراف الليبية، لذلك أستبعد إمكانية تحقيق هذا التهديد على أرض الواقع، وأن ما طرح في بيان المؤتمر من فرض عقوبات على الأطراف المعرقلة للعملية الانتخابية يأتي في إطار الدعم المعنوي من جانب المؤتمر لآمال الشعب الليبي، فهل الانتخابات ستجرى في موعدها حسب الترتيبات المتفق عليها؟ أم سيتم تعطيلها؟ أعتقد حتى الآن أنها ستتوقف على نوعيات المرشحين للرئاسة، فقد تقدم قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر بأوراق ترشحه، وكذلك تقدم سيف الإسلام القذافي نجل الرئيس الليبي معمر القذافي بأوراق ترشحه، وكلا المرشحين عليهما ملاحظات من قبل المحكمة الجنائية الدولية، والمدعي العام العسكري التابع للحكومة الشرعية، وبالتالي فإن ترشحهما قوبل باعتراض من البعض، والقبول من البعض الآخر، وهذا معناه أن هناك قضايا جوهرية لم تحسم، ومتروكة للأيام والدول الراعية للأزمة الليبية لا تحبذ الدخول فيها ومنها مصر، والمشكلة بالنسبة للمشير حفتر وسيف الإسلام القذافي أن وراءهما قوة مادية على الأرض وبالتالي فلديهما استطاعة لقلب المشهد رأسا على عقب، ولذلك بدأت الشكوك حول موضوع الانتخابات والتي تعد المخرج الأساسي بالنسبة للأزمة الليبية، فقد يقول قائل ما هي المشكلة في أن يترشح الجميع وفي النهاية الشعب الليبي سوف يختار، ولكن هناك مشكلة أساسية حول سؤال صعب لأن هناك مناطق في ليبيا مثل منطقة الشرق الليبي فهي تخضع كاملة لسيطرة المشير خليفة حفتر، وبالتالي عندما يترشح خليفة حفتر ويخوض السباق الانتخابي فإن الشرق الليبي والذي يتواجد فيه مجلس النواب سوف يؤيده، كذلك سيف الإسلام القذافي تتبعه وتؤيده قبائل كثيرة وبالتالي في حال فوز أحد هذين المرشحين ورفض الآخر للنتيجة، فسوف يعيد ذلك المشهد الليبي إلى نقطة الصفر والمربع الأول ويحدث الاحتكام إلى السلاح بدلا من التفاوض وهو ما يهدد المشهد الليبي حاليا، فقد تكون الانتخابات هي الشرارة الأولى لعودة الانقسام والاقتتال المسلح مرة أخرى، وقد تنطلق هذه الشرارة قبل بدء العملية الانتخابية، وفي هذه المرحلة الآنية قد يحدث انقسام، ومواجهات على الأرض بين الطرفين، وبالتالي فإن موضوع القوات الأجنبية سيكون مهما في هذه الحالة لأنهم في هذه الحالة سوف يحتمون بالوضع الليبي الجديد وسيصعب جدا إخراجهم، فالقوات التركية مثلا سوف تنحاز للحكومة في طرابلس ضد قوات الجيش الوطني بقيادة المشير حفتر، وهي التي غيرت المعادلة في السابق، وليس من المتصور مطلقا أن تطلب الحكومة الليبية من حكومة أجنبية تؤيدها تركيا أن ترحل، فالملفات في ليبيا متشابكة، وهذا يعني أن مؤتمر برلين ومخرجات جنيف، ومؤتمر باريس جميعهم لا يملكون آليات حقيقية لإخراج المرتزقة، أو الضغط على الأطراف الليبية لمنع عرقلة إجراء الانتخابات.

«المرشح الجسر» هو الحل
ينسجم الموقف المصري تماما مع معطيات الوضع الحالي في ليبيا، وتصريحات الرئيس السيسي تختلف تماما عن الخطوط الحمراء التي وضعتها مصر سابقا منذ ما يقرب من عامين، حيث كان هناك تقدم لقوات غرب ليبيا وقوات الحكومة الليبية السابقة برئاسة فايز السراج (حكومة الوفاق) وبالتالي اعتبرت مصر أن سرت والجفرة خط أحمر، لأن تقدم هذه القوات كان سيمثل تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري، ولكن الوضع الحالي مختلف تماما فهنا مصر هي التي تدعم المسار السياسي المدعوم من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، والمشاركون في مؤتمر مراكش، وأحد الشروط لنجاح العملية السياسية هي إخراج المرتزقة والقوات الأجنبية من الأراضي الليبية وهذا الشرط هذه اللحظة لم يتحقق، وبالتالي فإن الوضع الجديد يتمثل في دعم المسار السياسي الليبي ولذلك كان حديث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي فيه تأكيد على أن مصر سوف تدعم ما يختاره الليبيون، فهناك مسار سياسي وعملية انتخابية والأمر هنا يخص بالكامل ليبيا وخيارات الشعب الليبي على عكس ما كان عليه الحال حينما أعلنت مصر خطوطها الحمراء الأولى فقد كان الأمر وقتها يمثل تهديدا للأمن القومي المصري بشكل مباشر، خاصة أن بعض القيادات في قوات حكومة الوفاق قد أعلنت وقتها أن قوات الوفاق سوف تتوغل حتى مدينة مساعد المتاخمة للحدود المصرية بما يعنيه ذلك من رمزية لاستمرار توغلها واستيلائها على بنغازي وجميع مناطق الشرق الليبي حتى تصل إلى مدينة مساعد بما يعني وجود ميليشيات وعناصر متطرفة على الحدود المصرية وهذا أمر يمثل تهديدا للأمن القومي المصري، والوضع الحالي مختلف تماما فمصر حاليا تركز مواقفها في دعم الخيارات الليبية، والمسار السياسي والعملية الانتخابية، وتدخل مصر عسكريا على الأرض لإخراج المرتزقة مسألة غير واردة على الإطلاق لأن مثل هذه الخطوة تحتاج إلى تفاهمات دولية وغطاء أممي.


وأضاف الشوبكي أن المجتمع الدولي حتى هذه اللحظة لم يكشر عن أنيابه في مواجهة المعرقلين للمسار السياسي، وفي مواجهة المرتزقة والميليشيات الأجنبية ولا يزال الأمر حتى هذه اللحظة في إطار الدعاية، والبيانات السياسية، وليس هناك آلية واضحة تم فرضها تضمن توقيع عقوبات على أي طرف بما فيها حتى الميليشيات الأجنبية ولم تنجح أي دولة أو المجتمع الدولي والأطراف المعنية الفاعلة في سحب المرتزقة، فلم يتم حتى اللحظة سحب المرتزقة السوريين، ولا قوات فاغنر الروسية ومعظم المسلحين الأفارقة أيضا، وبالتالي فإن تصريح الرئيس السيسي إيجابي، ولكن يجب أن يوضع في إطار استراتيجية، أو آلية لتنفيذ قرارات المجتمع الدولي، وحتى هذه اللحظة الأمر لا يتخطى البيانات السياسية والنوايا الطيبة التي نتمناها، وفي المرحلة القادمة هناك مسألتان أساسيتان يجب التأكيد عليهما، الأولى أن تتم العملية الانتخابية بنزاهة وبحياد وهذا وارد بتكاتف المجتمع الدولي والأمم المتحدة، ولكن الأهم هو ضمان احترام نتيجة الانتخابات وهذا هو التحدي الحقيقي، لأن المشهد الحالي يقول إن هناك أطرافا لو وصلت إلى سدة الرئاسة لن تقبل مناطق بأكملها أن تكون تحت سيطرتها أو تحت حكمها، وهنا التحدي، كيف يتم ضمان احترام نتائج العملية الانتخابية؟ فمع ترشح المشير خليفة حفتر، وسيف الإسلام القذافي وجدنا اعتراضات كثيرة من طرابلس، وفي مناطق أخرى وما لم يظهر «المرشح الجسر» بين الأطراف المختلفة ويكون مقبولا من معظم الأطراف والمناطق فإن نتائج الانتخابات قد تسفر عن مزيد من الانقسام في ليبيا. كما أن الموقف السياسي في حال نجاح أي من هؤلاء المرشحين، خاصة حفتر، والقذافي، فهما جزء من حالة الاستقطاب في ليبيا وبالتالي فإن مسألة قبولهما في مناطق معينة مسألة غير واردة، وربما يدفع ذلك بعض الأطراف الأخرى إلى المواجهة المسلحة العنيفة، وهذا هو التحدي الذي تواجهه ليبيا حاليا.
وويضيف الشوبكي: لمواجهة ذلك فنحن أمام حلين، إما أن يضع المجتمع الدولي آلية يضمن بها احترام جميع الأطراف لنتائج الانتخابات مهما كان اسم المرشح سواء كان حفتر أو سيف الإسلام القذافي أو الدبيبة أو فتحي باشاغا، أو أيا من المرشحين الآخرين، ووضع عقوبات دولية على من لا يحترمون النتيجة، أو الخيار الثاني وهو البحث عن «مرشح جسر» بين الأطراف المختلفة ينال دعم التيارات والقبائل في جميع المناطق المختلفة في ليبيا ويستطيع أن يعبر بالبلاد إلى بر الأمان، وبالتأكيد فإن الخيار الثاني (المرشح الجسر) هو الأضمن ولكنه حتى هذه اللحظة غير موجود.