سارتر يثير الجدل في مصر بعد 75 عاماً على عرض «المومس الفاضلة»

الجدل احتدم بعد إعلان إلهام شاهين تجسيدها بطولة المسرحيّة
إلهام شاهين
طارق الشناوي
سميحة أيوب في مقابلة قديمة تتحدّث فيها عن المسرجية
سميحة أيوب

القاهرة: انتقادات واسعة وجهت إلى الفنانة المصرية إلهام شاهين، على وقع إعلانها تجسيد بطولة إحدى مسرحيات الفيلسوف والكاتب الفرنسي جان بول سارتر، التي تعرف أدبيا باسم «المومس الفاضلة».

المسرحية التي جسّدتها الفنانة القديرة سميحة أيوب أواخر الخمسينات من القرن الماضي تصدّرت قبل أيّام محركات البحث ومواقع التواصل الاجتماعي، رافقتها موجات من السخرية والتندر، من قبل بعض من رأى أنّ عنوان المسرحية يحمل الكثير من الجرأة، وأنها لا تصلح للمجتمع الشرقي.

كما وصل الجدل المثار حول المسرحية إلى أروقة البرلمان المصري، حيث تقدم أحد النواب بطلب إحاطة لرئيس البرلمان المستشار الدكتور حنفي الجبالي، موجها إلى رئيس مجلس الوزراء، ووزيرة الثقافة بشأن مسرحية «المومس الفاضلة»، أو «الساقطة الفاضلة»، حسبما جاء في طلب الإحاطة.

ورأى طلب الإحاطة أنّ طريقة التناول والمعالجة للمسرحية التي كتبها  سارتر قبل أكثر من 75 عاماً، غير مناسبة للمجتمع المصري، بل ومن الممكن أن يطلق عليها توصيف فن إباحي. وأوضح طلب الإحاطة أن القوى الناعمة لها دور في نشر الوعي وتغيير ثقافة المجتمع من خلال إلقاء الضوء على موضوعات هادفة، وأشار إلى أنّ الجميع مع حرية الفن وعدم وضع قيود عليه لتعظيم دوره في المجتمع، ولكن في نفس الوقت يجب أن يتم تناول موضوعات هادفة، ورأى أنّ هذه الأعمال ستدخل كل بيت ويشاهدها أطفال.

واعترض الطلب على عنوان العمل الفني والمضمون غير المناسب، وقال إنّ «هناك العديد من الخيارات في حال كانت ثمّة ضرورة لتقديم هذا العمل الذي يتحدّث عن العنصريّة دون ذكر هذه المصطلحات صراحة في مجتمعنا الشرقي، فمسرحية (المومس الفاضلة) لها مردود سلبي على المجتمع».

المسرحيّة المثيرة للجدل والمأخوذة من قصة واقعية اشتهرت باسم «فتية سكوتسبورو»، تدور حول فتاة ليل تدعى «ليزي» في نفسها ثمة حب الخير والحق، وهي الشاهد الوحيد على واقعة تعدّي رجل أبيض على فتاة ليل داخل قطار، إلا أنّ الاتهامات توجّه بدوافع عنصرية إلى راكب أسود البشرة، هرب ليتمكن من إثبات براءته.

المسرحية من فصل واحد ولوحتين، وخلال أحداث المسرحية ترفض فتاة الليل أن تشهد زوراً رغم تهديد البوليس بإلقاء القبض عليها بتهمة البغاء، لتأخذ القضية منحنى آخر.   

شيزوفرينيا فكرية يعاني منها المجتمع

ثمة تيار داخل المجتمع  متحفظ جداً، يحاول أن يمارس سطوته وأفكاره ليس على نفسه فحسب، بل على الدنيا كلها، بحسب الناقد الفني طارق الشناوي الذي يقول في تصريحات خاصة لـ«المجلة» إنّ هناك تراجعاً في تقبّل الكثير من الأمور ومنها تأتي فكرة السينما النظيفة.

وقال الشناوي إنّ النّظافة عند البعض تتمثّل في الشكل فقط؛ «فهم يطالبون بتحاشي بعض الكلمات أو عدم تجسيد مشهد معين، وهذه الأمور التي يعتبرها البعض أحكاماً أخلاقيّة أسقطها الزمن، وكانت مصر قد تجاوزتها منذ زمن بعيد، لكن مع الأسف هذا الفصيل المتحفّظ في المجتمع يعيدنا إلى الخلف در».

ويرى الشنّاوي أنّ أي تراجع من الجهات المسؤولة في الدولة «سوف ندفع ثمنه غالياً، لأن هذا التيار سوف يغالي في مطالباته، وأنا ضد حذف عنوان المسرحية (المومس الفاضلة) لأنّه لن يشكّل أي فارق في العمل الفني، بل على العكس تماماً من الضروري وضع العنوان، لأن العمل الفني قائم عليه، وقيمته أنه تمهيد لقراءة العمل الفني».

ويتابع الشناوي: «هناك دعارة فكرية نوافق عليها، ولكن لا نوافق على الدعارة الجسدية، رغم أن الدعارة الفكرية أشد وطأة، وهذه هي المشكلة، فهناك تركيبة لدى المواطن الشرقي بوجه عام، وهي أنّه يربط المحرّمات بالجسد فقط، لكنه في ذات الوقت لا يحرّم الفكر الشاذ أو يجرّمه، وهذا ما عبّر عنه الأديب العالمي نجيب محفوظ في شخصيته الدرامية  السيد عبد الجواد، فهو صارم جدا مع أسرته، حتى مع زوجته عندما قامت بزيارة  سيدنا الحسين قام بمعاقبتها، وهو في ذات الوقت يسهر كل يوم مع الراقصة، وهذا ما يوضح لنا أن المجتمع الشرقي بشكل عام يعاني من  شيزوفرينيا فكرية، إذ إنّه يقول شيئاً ويفعل شيئاً آخر معاكسا له ويريد أن يصدر للرأي العام أموراً أخرى غير الحقيقة».

وأضاف الشناوي أنّ الذين انتقدوا مسرحية «المومس الفاضلة» لم يقرأوا تفاصيل الرواية ومحتواها الأدبي، كما أنّ أغلب الجدل والنقد الموجّه إلى العمل هو بسبب العنوان، مع أن أغلب الكتابات تعتمد على اسم العمل الفني، وهذه المسرحية على وجه الخصوص هي من التراث العالمي، وليست عملاً مصرياً، وتم تنفيذها في أعمالٍ فنية عديدة قبل ذلك، كما أنه لا يوجد في المسرحية مشهد خادش للحياء، والسبب في ذلك الجدل أنّ البنية التحتية الثقافية غير جيدة، وهي مؤثرة في المجتمع، والمدرسة والمنزل، وهي غير قادرة على مواكبة مجريات العصر، ولو كان هناك بنية تحتية ثقافية جيدة لكانت قد استوعبت أن هذا العمل الفني لا يروّج للدعارة، ولكن البعض يرفض بعض الأعمال الفنية من خلال الاسم فقط.

 

أعمال مبتذلة لها مردود سلبي على المجتمع

ليس لأنّ الرواية لكاتب كبير هو جان بول سارتر يعني أنها تتناسب مع ثقافة المجتمع المصري، ففي الوقت الذي تحرص فيه الدولة المصرية على بناء الإنسان المصري من خلال الاهتمام بالنشء ومحاربة الأعمال المبتذلة، فإن مثل هذه الأعمال يكون لها مردود سلبي على المجتمع، وليس كل الاقتباس من الأدب الغربي يتماشى مع ثقافتنا، وذلك حسب عضو مجلس النواب المصري أيمن محسب، الذي أشار إلى ضرورة إعادة النظر في هذه الأعمال مع الأخذ في الاعتبار ضرورة فتح آفاق جديدة للإبداع وتشجيع الكتاب المصريين لتناول موضوعات هادفة من داخل المجتمع المصري، وضرورة تشديد الرقابة على الأعمال الفنية خلال الفترة المقبلة، بما يضمن التوازن بين ما يقدم من جرعة فنية وثقافة المجتمع، وهذا لا يعني وضع قيود على الفن بقدر ما يعني نقطة نظام لتنشئة أجيال جديدة لديها وعي وثقافة مع ضرورة إحياء الفن المصري والهوية الثقافية المصرية.   

ماذا تقول سميحة أيوب؟

الفنان محمد صبحي دافع في تصريحات إعلاميّة عن المسرحيّة وقال إنّها كانت بمثابة نهضة في المسرح العالمي، وقدمتها الفنانة سميحة أيوب في الستينات، وأن 95 في المائة ممن هاجموا المسرحية عندما أعلنت الفنانة إلهام شاهين رغبتها في تقديمها لم يقرأوا النص، ولا يعرفون أدب المسرح، كما أن لفظة «مومس» استخدمت من قبل في فيلم «بداية ونهاية» للروائي العالمي نجيب محفوط، فضلاً عن أنّ جان بول سارتر كان يدافع عن الأخلاق من خلال هذه المسرحية، كما أن إلهام شاهين ليست من الممثلات اللواتي يلعبن أدوار الإغراء، والمسرحية أصلاً ليس فيها إغراء.

بدورها أعربت الفنانة سميحة أيوب عن دهشتها من الجدل المثار حول المسرحية، والهجوم الذي طالها دون الاطلاع على محتوى المسرحية النبيل للغاية، وأن الذين هاجموا المسرحية طبقوا قاعدة «ولا تقربوا الصلاة» فهناك مسرحيات عنوانها «عادي» ومحتواها حقير، بحسب الفنانة سميحة أيوب، التي أعربت عن حزنها قائلة: «قمت بتجسيد دور البطولة في هذه المسرحية أواخر الخمسينات من القرن الماضي، ولم يحدث هذا الجدل، نحن تقهقرنا الآن بما يوازي 500 سنة، ونتراجع بشكل سريع للخلف في ظل التطور والثقافة والتحضر الذي يحدث في العالم من حولنا».

وأضافت: «الذين يقولون إنّ المسرحية لا تصلح للمجتمع الشرقي ينظرون للمسرحية نظرة سطحية، إنها أعمق من ذلك بكثير، فقد قدمت المسرحية التي تعالج مأساة الزنوج في أميركا، على مسارح القاهرة التي تعد المكان الوحيد الذي تم تحريره في أفريقيا إبان الستينات من القرن الماضي».


مقالات ذات صلة