هل يكون «الملهى» بداية للتّطبيع التّركي الإسرائيلي في الدراما

مسلسل تركي يوقظ شبح الماضي ليهود تركيا

بيروت: في خمسينات القرن الماضي، وبعد سنوات قليلة على إعلان قيام دولة إسرائيل، تقع أحداث مسلسل «الملهى» (The Club) التركي الذي انطلق عرضه على «نتفليكس» قبل أيّام، في تأريخ لمجتمع يهود تركيا حين قرّر البعض أنّ في الكيان العبري أرض الأحلام، في حين رأى البعض أنّه مرّت قرون كثيرة كفيلة بنسيان أرض الميعاد، والاقتناع بأنّ تركيا هي وطن نهائي لهم.

كثيرة هي الرّسائل التي يمرّرها المسلسل، منها إلقاء الضّوء على حياة اليهود كمجتمع مسالم عانى الاضطهاد في تركيا بعد سقوط الدولة العثمانيّة، ومنها كيف فرغت البلاد من اليهود من خلال تصوير حالات فرديّة تؤشّر إلى ما كان يحصل في تلك الحقبة المغيّبة عن الإعلام.

قد يكون المسلسل بالسيناريو السّطحي، حيث لا عقدة بالمعنى الدرامي ولا حلّ، مجرّد قصّة تروي حياة امرأة صودف أنّها يهوديّة تعرّضت للظلم، وقد لا يكون بهذه البساطة، بل انطلاقة لتوجّه جديد في الدراما التركيّة يروّج للتطبيع مع فكرة إسرائيل كوطن لليهود، بمن فيهم يهود تركيا الذين رحل بعضهم طوعاً، دون أن يتعرّض لأي ضغط أو تمييز عنصري.

تبدأ القصة في السجن، حين تتلقى ماتيلدا (جوكشي بهادر) خبر العفو العام عن السجناء، بعد 17 عاماً قضتها مسجونة. تخرج وهي تلملم خيبات الماضي الذي لا تزال تدفع ثمنه، بعد قتلها حبيبها ممتاز، الشاب المسلم الذي أغرمت به وحملت منه وتواعدا على الزواج رغم الاختلاف الديني. في تلك الأثناء يصدر في تركيا قانون الثروة الذي يرغم الأقلّيات على دفع ضريبة، يقوم أهلها بسداد الضرائب، إلا أنّ ممتاز يشي بهم، فيبعدون حيث يكون الموت بانتظارهم وعلى طريقتها تنتقم لأهلها.

تخرج لتلمّ شملها مع ابنتها راشيل التي تعيش في ميتم تحت رعاية رجل يهودي تعهّد لوالدتها برعايتها، يحتاج الأمر إلى جهد كبير من ماتيلدا لترمّم العلاقة المتصدّعة مع ابنتها، خصوصاً عندما تبدأ هذه الأخيرة بإعادة ماضي والدتها، من خلال تجربتها مع سائق التاكسي عصمت (باريش أردوتش).

لا مواربة في الحوارات، بل ثمّة رسالة واضحة من العمل، أنّ مسلمي تركيا لم يتقبّلوا اليهود يوماً، وأنّ قصص الحب تنهار أمام العنصريّة التركيّة، تقولها الأم بوضوح لابنتها التي تغرق في علاقتها مع عصمت، وعندما تصارحه بأنّها يهوديّة، يتصرّف بطريقة تؤكّد هواجس الأم.

في ملهى ليلي تعمل ماتيلدا، حيث يحاربها شخص عاد من الماضي لينتقم، تحارب الظّلم الذي يطال زملاءها في العمل، تدعم المغنّي الموهوب سليم (صالح بادمجي)، تصلح أحوال الملهى رغم أنّها تعمل في ظروف قاسية. شخصيّة مثاليّة انتقمت مرّة واحدة فدخلت السّجن، وبعدها ارتدت ثوباً ملائكياً، لتواجه أعتى الحروب برباطة جأش.

تأخذنا ماتيلدا إلى مجتمع يهود تركيا، أناس يصوّرهم المسلسل مسالمين يحبّون الحياة، يرقصون على أنغام أناشيدهم التقليديّة ويشربون نخب الحياة، ويريدون العيش بسلام، بينما الأتراك المسلمون يكيدون لهم المكائد.

يلقي المسلسل الضّوء على تقاليد اليهود، كيف يحتفلون بالسبت وبعيد البوريم ويلامسون المازوزا (تميمة أو رقية تعلق على أبواب الأسر اليهودية)، وهي قطع من المخطوطة موجودة في علب زخرفية ومكتوبة بآيات عبرية من التوراة. كما أنهم يغنون ويتحدثون بلغة لادينو، وهي اللغة المتأثرة بالإسبانية لليهود السفارديم الذين هاجروا إلى الإمبراطورية العثمانية أواخر القرن الخامس عشر.

وفي الملهى الذي يديره أورهان شاهين (ميتين آكدولجر)، يحصل أبشع فصل عنصري، بطلب من أطراف تركيّة رفيعة رشّحت أورهان لجائزة مقابل طرده للعمّال غير الأتراك وغير المسلمين، ويلقي العمل الضّوء على الصراع اليوناني التركي في تلك الحقبة، وصراع شاهين مع نفسه ووالدته لإخفاء أصوله اليونانيّة.

في شوراع إسطنبول، تسير الحياة في خمسينات القرن الماضي بوتيرة سريعة، وتملأ الجدران إعلانات السّفر إلى إسرائيل، حلم يدغدغ خيال ماتيلدا كما يهود غيرها.

ست حلقات مدّة المسلسل، لا عقدة فيه بل مجرّد أحداث روتينيّة يوميّة، تبدو مقدّمة لعقدة دراميّة، وما إن يبدأ إيقاع العمل بالسّير بصورة تصاعديّة، حتى ينتهي المسلسل عند الحلقة السّادسة.

ثمّة موسمٌ ثانٍ من أربع حلقات تمّ الإعلان عنه، إلا أنّ النهايات المبتورة التي قدّمها العمل تبقى نهايات، وموسم جديد يعني بدايات جديدة لعمل كان بطله الحقيقي الإخراج، حيث نجح في نقل حقبة الخمسينات بتفاصيلها، وهي حقبة ألهمت صنّاع الدراما في تركيا منذ سنوات، إلا أنّ يهود تركيا ظلّوا مغيّبين عن الدراما ولم تفرد لهم قصّة كاملة كما في «الملهى».

ويبقى السّؤال، ماذا لو لم تكن ماتيلدا يهوديّة؟ لكان إيقاع العمل سار دون أي تغيير درامي، شابّة تعرّضت للغدر من حبيبها الذي باع عائلتها مقابل المال، قضت ربيع عمرها في السّجن وخرجت لتبحث عن ابنتها، وملهى ليلي يحكي قصّة تحوّل الملاهي في إسطنبول من ساحات للطّرب، إلى أمسيات صاخبة تشبه أمسيات باريس.

لماذا تسليط الضّوء على يهود تركيا وتصويرهم مجموعة مضطهدة وتصوير مسلمي تركيا بصورة نمطيّة عنصريّة؟

الإجابة جاءت من صحيفة «هآرتس» الإسرائيليّة التي رحّبت بالعمل، وقالت إنّه العمل التركي الأوّل المرتبط بإسرائيل، كما أشادت بمخرجته زينب جوناي، التي أسرت قلوب الإسرائيليين قبل سنوات بحسب الصّحيفة بمسلسلها «عروس إسطنبول».

أما تيلدا كوينكا، مساعدة مشروع التراث اليهودي في أزمير فقالت  في تصريح لصحيفة «المونيتور»: «لقد تأثرت بشدة بالمسلسل، إنّه احتفال فنّي بقصته المتوازنة لمحنتنا وأغاني لادينو القديمة نصف المنسية وثقافتنا وتقاليدنا التي يتم تمثيلها بدقة وحساسية. من خلال قصّة سلّطت الضوء على تاريخ لم نجرؤ على الحديث عنه  حتى بين أفراد العائلة».

وبحسب الصّحيفة بنسختها التركيّة، فإنّ العمل الذي يدور حول الأقلية اليهودية المتقلّصة باستمرار في تركيا، قام بإيقاظ أشباح الماضي المضطرب للبلاد مع الأقليات غير المسلمة، وكسر الصمت حول مظالم الماضي التي حرمت اليهود من ثرواتهم ولغتهم وفي بعض الحالات من الحياة.

ناشطون يهود في تركيا أشادوا بالعمل واعتبروا أنّه تسليط للضوء على أمورٍ كانوا يخشون الحديث عنها لأبنائهم، خوفاً من تأجيج الكراهيّة في نفوسهم، بعد أن قرّروا البقاء في تركيا، ومنها قانون الضّرائب، حتّى إنّ يهوديّة سبعينيّة صرّحت للصحيفة بأنّه من المؤلم أن يكون الفرد من الأقليّات حتى في الجنّة.

ويختم أحد يهود تركيا بالقول: «المسلسل يهمس بدلاً من الصراخ  حول ما مررنا به، لكن في بعض الأحيان يمكن أن يكون الهمس الواضح والبليغ أكثر فعالية من الصراخ».


مقالات ذات صلة