هل يمكننا حماية أنفسنا من التهاب المفصل التنكسي؟

يصنّف ضمن خانة الأمراض غير القابلة للعلاج

هارفارد: مع تقدّم الإنسان في العمر، يزداد شعوره بتصلّب المفاصل  وبالآلام النّاتجة غالبًا عن التهاب المفصل التنكّسي، النوع الأكثر شيوعًا من التهاب المفاصل لدى كبار السنّ والذي قد يؤدّي إلى تراجع حركة أكثر الأشخاص نشاطًا.

يقع التهاب المفصل التنكّسي في خانة الأمراض غير القابلة للعلاج ولكن توجد بعض الإجراءات التي يمكن أن تقلّل خطر المعاناة منه وتضعف تأثيره على صحّتكم ونوعيّة حياتكم.

الإفراط  في استخدام المفاصل

يشمل التهاب المفصل التنكّسي تلف أو تعطّل الغضروف، أي النسيج الذي يعمل كوسادة حامية بين العظام. عند تلاشي الغضروف، يزداد احتكاك العظام ببعضها، ما يسبّب الألم والتورّم والتصلّب.

ويصيب هذا المرض عادةً الركبتين والفخذين والعنق والعمود الفقري واليدين (يطال الأصابع في المفصلين المتوسّط والأقرب إلى الأظافر).

يُشار إلى أن التهاب المفصل التنكّسي يحدث غالبًا بسبب «الاستعمال والاهتراء» ولكنّ هذه التسمية ليست صحيحة، لأنّ هذا المرض لا يصيب الإنسان بسبب كثرة استخدامه لمفاصله. ويشدّد الدكتور روبرت شميرلينغ، المحرّر الرئيسيّ لمنشورات جامعة هارفارد الصحيّة على أنّ «صحّة المفاصل لا تتراجع مع الأيّام بفعل العمل المرهق والضغط الجسدي».

في الواقع، تشير بعض الدراسات إلى أنّ العكس قد يكون صحيحًا، إذ تبيّن أنّ الأشخاص الذين يمارسون رياضة الجري باستمرار يواجهون خطرًا أقلّ بالإصابة بالتهاب المفصل التنكّسي في الركبتين مقارنةً بالذين لا يمارسونها.

إذا نظرنا للأمر من زاوية أخرى: تشيع إصابات التهاب المفصل التنكّسي في الأصابع، ما يعني أنّه لو كان الإفراط في استخدام هذه المفاصل هو المشكلة، لكان مستخدمو اليد اليمنى يعانون منه بشكلٍ أكبر في يدهم اليمنى. ولكن شميرلينغ يؤكّد أنّ «التهاب المفاصل يصيب اليدين بنفس الدرجة».

إذن، لماذا يُصاب البعض بالتهاب المفصل التنكّسي؟ تتعدّد الأسباب وتختلف بين الأشخاص ولكنّ توجد ثلاثة عوامل رئيسيّة موثّرة وهي:

السن: تشير مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها إلى أنّ 50 في المائة من الذي بلغوا سن 65 عامًا وما فوق مصابون بالتهاب المفصل التنكّسي بحسب الفحوص الطبيّة. ويوضح شميرلينغ أنّ «الإنسان بطبيعته يخسر بعضًا من غضاريفه مع الوقت ولا شكّ أنّه سيصاب بالتهاب مفصلٍ واحدٍ أو أكثر لأنّ حصول هذا الالتهاب ببساطة إشارة إلى أنّ الإنسان يتقدّم في العمر».

الوزن: يواجه النّاس عامةً خطرا أكبر بالإصابة بالتهاب المفصل التنكّسي كلّما زاد وزنهم.

الجينات: يسري هذا المرض بين أفراد العائلة.

علاوةً على ذلك، يمكن لبعض الإصابات في الجهاز العضلي الهيكلي، ككسر العظمة القريبة من المفصل والتمزّق في الهلالة (أحد هياكل الغضاريف المطاطيّة التي تحمي قصبة الساق من عظمة الفخذ عند الركبة) وإصابة الرباط وخلع المفصل، أن تضرّ بالغضروف وتؤدّي إلى التهاب المفصل التنكّسي.

حالات مساهمة

يمكن لحالات أخرى أيضًا أن تتسبّب في آلام المفاصل وتسرّع وتيرة التهاب المفصل التنكّسيّ ومنها:

تدمّي المفاصل: نزيف متكرّر في أحد المفاصل ناتج عن صدمة أو اضطراب تخثّر الدمّ كالهيموفيليا (نزف الدم الوراثي).

النقرس: نوع من التهاب المفاصل يصيب الإصبع الكبير في القدم.

النخر اللاوعائي: موت عظمة قريبة من المفصل بسبب توقّف تدفّق الدمّ.

مرض روماتيدي: التهاب في المفاصل ناتج عن الالتهاب المفصلي الروماتيدي والتهاب المفصل في الصدفية.

 

النشاط الجسدي للإصابة بالتهاب المفصل

يستطيع النّاس حماية أنفسهم بعض الشيء من التهاب المفصل التنكّسي من خلال بعض التدابير التي تساعد في تقليل خطره وتعزيز السيطرة عليه عند ظهوره. ويتمتّع عاملان مهمّان هما خسارة الوزن الزائد وتفادي الضغط على أيّ مفصل مصاب بتأثير كبير، ولكن تلعب الحركة والنشاط الجسدي الدّور الأكبر في الحماية من الإصابة بهذا المرض.

ويقول الدكتور شميرلينغ: «لا نعرف بعد ما إذا كانت بعض التمارين الرياضية أو النشاطات قد تساعد في الحماية من التهاب المفصل التنكّسيّ أو إبطاء تطوّره، ولكنّ الأكيد أنّ أيّ نوع من الحركة المنتظمة سيساهم في تمتين العضلات المحيطة بالمفاصل. كما أنّ تعزيز قوّة العضلات لن يؤدّي بالضرورة إلى تحسين صحّة المفاصل، ولكنّه سيساعد دون شكّ في تعزيز نشاطها». في هذا السياق، تدعم بعض الدراسات مقاربة تعدّد المستويات في ممارسة الرياضة. فقد أشارت دراسة نشرت في فبراير (شباط) 2021،  في دورية الجمعية الطبية الأميركية (جاما)، إلى أنّ مزيجًا من التمارين الهوائية وتمارين القوّة والنشاطات التي تجمع بين التأمّل والحركة الجسديّة كالتّاي واليوغا، تساهم في تقليل الألم وتحسين الحركة لدى الأشخاص الذين يعانون من التهاب المفصل التنكّسي في الفخذ والركبة.

وفي المقابل، تساعد بعض الأدوية كالأسيتامينوفين (تايلينول) وأدوية مضادات الالتهاب اللاستيرويدية التي يمكن استخدامها دون وصفة طبية في تخفيف الألم والتورّم. ويعتبر الاستخدام المتقطّع لهذه الأدوية آمنًا عادةً (إلّا في حال أوصى الطبيب بعدم استخدامها). أمّا إذا كان المريض يحتاج إلى تناول الأدوية يوميًا، فيجب أن يستشير الطبيب.

وتجدر الإشارة إلى أنّ آلام المفاصل قد تكون ناتجة أيضًا عن إصابة أو عدوى أو حالة عضلية هيكلية كالتهاب التجويف الكيسي والتهاب الأوتار. هنا، ينصح شميرلينغ باستشارة الطبيب عند الشعور بألمٍ متواصل.

عندما تفشل العلاجات التقليدية في حلّ موضوع الألم، يلجأ الأطباء للجراحة. وقد يحتاج مريض التهاب المفصل التنكّسي إلى جراحة لاستبدال المفصل أو إلى إجراء جراحي لصهر العظام مع بعضها باستخدام دبابيس وبراغي أو قضبان، ولكنّ يتم إتخاذ القرار الأخير في هذه الحالة بناءً على المفصل المصاب وشدّة الإصابة. ويرى شميرلينغ أنّ «الجراحة يجب أن تكون الملاذ الأخير ولا سيّما أنّها لا تحلّ المشكلة بالكامل في جميع الحالات وأنّ الشعور بالألم والتصلّب قد يستمرّ بعدها».

نُشر هذا المقال أولًا في دورية «مراقبة صحّة الرجال» الصادرة عن جامعة هارفارد.


مقالات ذات صلة