ليبيا.. مستقبل غامض وسيناريوهات مقلقة

تعويل على الضغوط الدولية لإتمام الاستحقاق المنتظر
المفوضية العليا للانتخابات الليبية تؤكد جاهزيتها للاستحقاق الانتخابي رغم الخلافات

باكو: لا تزال الدولة الليبية تحمل سمات متفردة تميزها عن غيرها من دول المنطقة بل ودول العالم بأسره، تلك السمات التي بدأت مع وصول الرئيس الليبي الأسبق معمر القذافي إلى الحكم في نهاية الستينات من القرن المنصرم، إذ دخلت ليبيا في مسار حمل تباينات عدة جعلت منها بلدا خارج الإطارين الزماني والمكاني، فكانت العزلة الليبية بسبب سياسات رئيسها إحدى سمات دولة تمتلك موقعا جيواستراتيجيا على الساحل الجنوبي للبحر المتوسط في مواجهة البلدان الأوروبية، وعززت من هذه العزلة تدخلاتها المستمرة في شؤون كثير من البلدان سعيا إلى صنع مكانة إقليمية واهمة، وهو ما أدخلها في مواجهة كثير من التحديات والأزمات التي سرعان ما أفرزت حالة من التراجع في دورها الإقليمي والدولي، إذ غابت الدولة الليبية عن متابعة تطورات الأحداث ومستجدات العصر فكريا واقتصاديا وسياسيا وتكنولوجيا وثقافيا، الأمر الذي أدى بها إلى الدخول في أتون حالة من التفكك مع أول اختبار حقيقي لها في مواجهة تطلعات الداخل الليبي الذي استفاد من انفتاحه بفضل التقدم التكنولوجي على الآخر المتقدم، حيث اكتشف المواطن الليبي حجم الفجوة المتسعة بين أحواله ومعيشته وظروفه وبين ما يحدث في العالم، فكان خروجه العفوي غير المرتب سببا في استباحة الأجنبي لأراضيه تحت مبررات واهية وحجج غير منطقية حملت معها شعارات رنانة لم تجد لها صدى في أرض الواقع سوى إحداث تغيير في اتجاه الانحدار والتراجع لدور الدولة ومؤسساتها تمهيدا لغيابها تحت وطأة الصراع والاحتراب بين الأطراف الليبية المدعومة إقليميا ودوليا.

وفي خضم كل هذه الأحداث التي عاشتها ليبيا منذ الإطاحة بنظام معمر القذافي، واجه الشعب الليبي كثيرا من التحديات والأزمات التي لم تختلف كثيرا عن تلك التي واجهتها بعض دول المنطقة التي شهدت ما أُطلق عليه الربيع العربي بما حمله من رياح عاتية هدمت بعض الدول وأدخلت بعضها الآخر في أتون حروب أهلية لا يزال أبناؤها يدفعون ثمن ذلك حتى اليوم. مع الأخذ في الحسبان أن من أهم الأسباب التي أدت إلى تفاقم الأوضاع الداخلية حالة التشرذم والانقسام التي هيمنت ولا تزال على الشارع الليبي، وهو ما أدى إلى الإخفاق المستمر في كيفية إدارة الدولة في مرحلتها الانتقالية التي امتدت منذ سقوط النظام وحتى اليوم، إذ يحلم الليبيون بأن تعود الأوضاع إلى طبيعتها في بلدهم، شريطة أن تُؤسس على بناء دستوري واضح يحدد طبيعة النظام الحاكم والعلاقة بين مؤسساته السياسية، فضلا عن رسم خريطة الحقوق والحريات التي يجب أن تُصان.

ورغم الجهود الدولية والإقليمية التي بذلت في سبيل الوصول إلى هذا الهدف في بناء دولة مستقرة على أسس دستورية وقانونية، سواء تلك الجهود تمثلت في عقد مؤتمرات داعمة أو تشكيل لجان فاعلة أو وضع مسودات دستورية وقانونية أولية، باءت بالفشل والإخفاق على صخرة حالة الانقسام التي اتسمت بها الأزمة الليبية منذ بدايتها ولا تزال هي الحالة المسيطرة على المشهد الليبي برمته.

ومما يزيد الصورة قتامة والمشهد ارتباكا، ما حدث خلال الأيام القليلة الماضية مع قرب موعد الاستحقاق الرئاسي والبرلماني في الرابع والعشرين من ديسمبر (كانون الأول) القادم (2021)، إذ إنه بمقتضى مخرجات الحوار الوطني الذي جرى بين الأطراف الليبية المختلفة، تم تقسيم المرحلة إلى مرحلتين:

الأولى، مرحلة انتقالية يديرها مجلس رئاسي وحكومة مؤقتة.

الثانية، مرحلة دائمة تبدأ مع إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي ستجرى لانتخاب رئيس وحكومة جديدة تتولى إدارة شؤون البلاد.

وإذا كان صحيحا أن المرحلة الانتقالية كانت قد أنجزت جزءا من مهامها في التخفيف عن كاهل المواطن الليبي أزماته المعيشية اليومية وإن ظلت مستمرة في بعض الأحيان ولكنها أضحت أقل وطأة. كما تم خلالها أيضا التوصل إلى التشريعات والقرارات المنظمة لإتمام العملية الانتخابية، حيث أصدر البرلمان الليبي قانونين حمل الأول رقم (1) لسنة 2021 بشأن انتخاب رئيس الدولة وتحديد اختصاصاته وجاء الثاني تحت رقم (2) لسنة 2021 بشأن انتخاب مجلس النواب. فضلا عن إصدار المفوضية العليا للانتخابات كثيرا من القرارات المنظمة للعملية الانتخابية.

 

ليبي يمر أمام ملصق لهيئة الانتخابات تحضيرا للانتخابات التي ينتظر أن تشهدها البلاد في ديسمبر المقبل (غيتي)

 

ولكن، لا يعني ما سبق أن ثمة توافقات تحققت بين الشركاء الليبيين، وإنما ظلت التباينات مستمرة والخلافات قائمة بشأن هذين التشريعين، إذ إنه في الوقت الذي يرى فيه البعض أن التشريعات حرصت على أن لا تقصي أحدا بهدف ضمان تحقيق نوع من التوافق الوطني، يرى آخرون أن التشريعين جاءا منحازين إلى فريق على حساب فريق آخر (وذلك في إشارة إلى اتهامات الغرب الليبي بأن هذه التشريعات جاءت لتصب في مصالح الغرب الليبي)، إذ خشي الطرف الأول من المنافسة التي قد يخوضها حال السماح لأسماء بعينها خوض غمار العملية الانتخابية وكان يقصد بذلك تحديدا كلا من (سيف الإسلام القذافي وخليفة حفتر اللذين تقدما بأوراق ترشحهما)، إضافة إلى آخرين من المحتمل أن يتقدموا بأوراق ترشحهم أيضا لتزيد حلبة الصراع والمنافسة التي قد تؤدي إلى تفتيت الأصوات وتوزيعها بشكل يضر بمرشحهم. وغني عن القول أن ما جرى خلال الأيام القليلة طرح كثيرا من الاستفهامات بشأن مستقبل العملية الانتخابية برمتها في ظل فتح الساحة السياسية لبعض المنتمين إلى النظام السابق لخوض السباق الانتخابي على مقعد الرئيس مع استبعاد بعض المسؤولين اليوم (في إشارة واضحة إلى موقف عبد الحميد الدبيبة الطامع للرئاسة والذي يواجه ترشحه منعا بمقتضى نص المادة 12 من قانون الانتخابات)، وما مواقف الأطراف الدولية والإقليمية، وكذلك ردود الفعل الداخلية حيال كل ما يجرى؟ وهو ما يحاول التقرير وضع إجابات عليها من خلال محورين على النحو الآتي:

 

الاستحقاق الليبي بين الإتمام والتأجيل

في السابع من نوفمبر (تشير الثاني) الجاري (2021)، أعلن عماد السايح، رئيس المفوضية العليا للانتخابات الليبية، موعد فتح باب الترشح للانتخابات الرئاسية في البلاد، بدءا من الثامن من نوفمبر وحتى الثاني والعشرين من الشهر نفسه. فيما ينتهي تلقي طلبات الترشح للبرلمان في السابع من ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

ومع تقدم عدد من المرشحين للمشاركة في الاستحقاق الرئاسي بصفة خاصة والنيابي على وجه العموم، يبرز سيناريوهان بشأن مدى إمكانية إتمام هذا الاستحقاق في موعده في الرابع والعشرين من ديسمبر المقبل، تتمثل هذه السيناريوهات فيما يأتي:

الأول: تعذر إجراء الاستحقاق في حالة عدم تمكن المفوضية المسؤولة عن استكمال ترتيباتها المتعلقة بالإشراف على مراكز الاقتراع وآليات عملها، إما بسبب محاولة الميليشيات أو بعضها انتزاع دور أساسي يُمكنها من التأثير في العملية الانتخابية، ويُقلل وظيفة هذه المفوضية في المناطق الغربية أو بعضها. وفي هذه الحالة، لا يمكن إجراء انتخابات تحت تهديد سلاح غير شرعي يسعى حاملوه إلى التحكم في نتائجها في المناطق التي يوجدون بها، ويزعزعون الأمن الانتخابي؛ إذ يعد هذا الأمن شرطا أساسيا لضمان أية عملية اقتراع لحماية الناخبين من الضغط والابتزاز. وفي هذه الحالة تدخل الأزمة الليبية في دائرة مفرغة من الصراع. ويدعم هذا السيناريو بعض أطراف الداخل الليبي الذي يحظى بتأييد ومساندة الطرف التركي، ويعبر عنه التيار الذي يتزعمه رئيس مجلس الدولة الاستشاري خالد المشري، الذي كان لافتاً أنه قام بزيارة إلى تركيا قبيل أيام من انعقاد مؤتمر باريس الدولي في 12 نوفمبر الجاري، فضلا عن مشاركته في مؤتمر تحريضي تضمن توجيه انتقادات للبرلمان والمفوضية العليا.

 

سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا مع رئيس مفوضية الانتخابات

 

الثاني: إجراء الانتخابات في موعدها بعد الالتفاف على المشاكل والصعوبات الناتجة عن وجود الميليشيات، ثم يحدث انقسام بشأن نتائجها، في ضوء عدم وجود ضمان لأن يعترف الجميع بها ويرتضونها، ويعزز من هذا السيناريو موقف كل من رئيس حكومة الوحدة الليبية عبد الحميد الدبيبة، والطامح لرئاسة البلاد، إذ عبر عن موقفه بقوله إنه سيسلم السلطة إذا تمت انتخابات نزيهة بشكل توافقي بين كل الأطراف، وهو الشيء نفسه تقريبا الذي طالب به رئيس المجلس الليبى محمد المنفي الذي قال إن «المجلس الرئاسي سيسلم السلطة لأول جسم منتخب، إذا استطاعت مفوضية الانتخابات إجراء انتخابات متزامنة برلمانية ورئاسية، مع ضرورة حل النقاط الخلافية»، مشيرا إلى «عدم وجود أي اختلاف على موعد الانتخابات، فكل الليبيين متفقون على ذلك، ولكن نؤكد على صحة العمل التوافقي، وعلى اتخاذ الخطوات اللازمة لإجراء انتخابات بضمانات حقيقية يقبل بها الجميع». ويعني ما سبق أن الرجلين طالبا «بتوفير ضمانات» وهو تعبير مطاطي يمكن الاختلاف عليه عند اللزوم، بما يفتح المجال واسعا للانقسام والاختلاف ما بعد نتائج الانتخابات إذا لم تأت في صالح أيهما.

والحقيقة أن هذين السيناريوهين كانا أمام المشاركين في مؤتمر باريس الدولى الذي عقد في 12 نوفمبر 2021، إذ أكد بيانه الختامي على أهمية التزام جميع الجهات بإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية وفق الجدول الزمني، محذرا الأفراد والكيانات في الداخل والخارج التي قد تحاول عرقلة هذه الانتخابات أو تقوضها أو التلاعب بها أو تزويرها من المساءلة وفقا لقائمة لجنة الجزاءات التابعة للأمم المتحدة عملا بالقرار 2571 الصادر عن مجلس الأمن عام 2021.

وعلى الرغم من التصميم الدولي والإقليمي على إتمام هذه الاستحقاقات في موعدها المحدد إلا أن تطورات الواقع ومستجداته يجب أن تأخذ في عين الاعتبار التداعيات الخطيرة التي يمكن أن تنجم عن الإخفاق في إكمال هذه الاستحقاقات وصولا لتسليم السلطة إلى حكومة ينتخبها الشعب الليبى بإرادة حرة، بما قد يعيد إلى الأذهان إعادة إنتاج سيناريو ما حدث بعد اتفاق الصخيرات، حيث تصاعد الصراع الداخلي مُجدداً بصورة كانت أكثر خطورة سمحت لمرتزقة بعض الأطراف الخارجية التواجد على الأراضي الليبية على غرار ما حدث في الوجود العسكري التركي الذي رغم ما يواجهه من صعوبات في الاستمرار إلا أنه لا يزال يلعب دورا في ترتيبات الأوضاع. وهو ما يفرض على المجتمع الدولي أن يدرك هذا التحدي قبل فوات الأوان.

 

أبرز المسارات التي تنتظر الشعب االليبي

في خضم السيناريو الأقرب إلى التحقق بشأن الاستحقاقات الليبية القادمة وهو ذلك السيناريو المتعلق بإتمام هذه الاستحقاقات في ظل الأوضاع الدولية الضاغطة والإقليمية الداعمة والداخلية المؤيدة لإتمامها، سعيا من كل طرف لتحقيق مصالحه رغم تبايناتها، إلا أنهم يلتقون سويا في ضرورة عبور المرحلة الانتقالية التي امتد أجلها لما يقرب من عقد منذ سقوط نظام معمر القذافي.

ولكن لا يعني إتمام هذه الاستحقاقات، انتقال ليبيا إلى مرحلة الاستقرار التام، أو بدء الانطلاق لبناء الدولة، وإنما يظل الأمر مفتوحا على مسارات ومخرجات محتملة، يمكن أن نحصرها في ثلاثة مسارات على النحو الآتي:

الأول: نجاح الانتقال إلى المرحلة الدائمة باختيار رئيس للدولة وتشكيل حكومة جديدة بإرادة وطنية، تضع خارطة طريق جديدة تستكمل الالتزامات الواردة في البيان الختامي لمؤتمر باريس الدولي، سواء تلك المتعلقة بسحب جميع المرتزقة والمقاتلين الأجانب والقوى الأجنبية من الأراضي الليبية وفقا لخطة العمل التي أعدتها اللجنة العسكرية الشاملة المشتركة التابعة للحوار 5+5، أو تلك المتعلقة بالتنفيذ الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار وحظر توريد الأسلحة الذي أبرم في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2020، أو تلك المتعلقة بإصلاح القطاع الأمني وإنشاء هيكلية عسكرية وأمنية موحدة وجامعة، أو تلك المتعلقة باستكمال الإصلاحات المالية والاقتصادية وتحسين الخدمات الأساسية لجميع الليبيين.

الثاني: نجاح الانتقال إلى الخطوة الأولى من المرحلة الدائمة والمتمثلة في اختيار رئيس للدولة وتشكيل حكومة جديدة، ولكنها لن تستطيع أن تفرض إراداتها على كامل التراب الليبي بسبب ضعف الإرادة الدولية الداعمة، وتعنت القوى السياسية في الاعتراف بنتائج العملية الانتخابية، ورفض الفصائل المسلحة تسليم أسلحتها والالتزام بوقف إطلاق النار، وهو ما يزيد من تعقيدات المشهد وتشعب مساراته المحتملة.

الثالث: تعثر العملية السياسية برمتها وإفشال الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى الانتقال إلى المرحلة الدائمة ونصبح إزاء مزيد من الانقسام في الجسد الليبي بين رئاسات متعددة وحكومات متصارعة على غرار ما جرى في السابق؛ إذ إنه وفقا لهذا المسار ستفرز الانتخابات رئيسا للبلاد لا يحظى بتوافق الأطراف الداخلية خاصة إذا كان أحد الفائزين (سيف الإسلام القذافي أو اللواء خليفة حفتر، في حال إذا ما استمرا في استكمال العملية الانتخابية) وهو ما يفتح الباب لمواجهات سياسية وأزمات قانونية تنعكس على الشارع الليبي الذي سيدخل في نفق مظلم.

منتهى القول: إن الأزمة التي تعيشها الدولة الليبية اليوم أزمة مصيرية ذات أبعاد سياسية وتباينات قانونية وتدخلات خارجية وتحركات داخلية، وتتعلق بالرهان على مستقبل غامض يحمل كثيرا من السيناريوهات التي هي أقرب إلى منعطفات خطرة تحتاج إلى رؤى مغايرة ومقاربات متنوعة قادرة على التعامل مع مخرجاتها المعقدة ونتائجها المتشابكة، خشية أن تتحول ليبيا إلى مستنقع لمختلف التنظيمات الإرهابية التي تبحث عن ساحة جديدة تهيمن على مقدراتها وتعيد ترتيب أوضاعها على أراضيها بعد فقدانها لساحات نجحت في إخراجها على غرار ما حدث في سوريا والعراق، ويجري اليوم في أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي منها، فهل ستكون ليبيا الساحة الأنسب لهذه التنظيمات؟