العملات الرقمية تغزو الأسواق العالمية

رئيس جمعية مصارف البحرين لـ«المجلة»: «المركزي» في المنامة يدرس إصدار عملة رقمية
تشكّل العملات الرقمية جزءاً من صناعة جديدة سريعة التطوّر

بيروت: تعتبر أسواق العملات المشفّرة أو الرقمية، من الأسواق الغامضة في عالم الأعمال، نظراً لغياب القوانين الضرورية التي تحمي المستثمرين، ومنهم الشباب والمبتدئين في حال تعرّضهم لعمليات احتيال.

وتشير بعض التقارير إلى أن تزايد الاستثمار في الأصول المالية الرقمية ينطوي على مخاطر قانونية جديدة، ومن المفترض أن يكون روّاد الأعمال والمستثمرون والمستشارون على دراية دائمة بالأنظمة الجديدة، وأن يأخذوا بعين الاعتبار جميع السوابق القضائية السارية في هذا الشأن.

وقد يعرّض عدم امتلاك المستثمر مهارات رقمية عالية لهجمات، إذ قد يقوم أحدهم باستهداف حاسوبه، وسرقة بياناته، وما يملكه من عملات رقمية. ولا يقتصر هذا الخطر على اختراق المتسللين للحسابات الفردية لكل مستخدم فحسب؛ بل إن نظام البلوكتشين معرّض بدوره لخطر الاختراق، مما يؤثر على قيمة العملات، ويسبّب اضطراباً في السّوق وخسائر مالية جمّة.

قبل فترة قصيرة ضجّت الأسواق الماليّة في لبنان بعد تلقّي بعض المستثمرين في العملات الرقمية ضربة جديدة، جراء عملية احتيال من قبل منصة Binancesfund التي تستثمر أموال الزبائن في العملات الرقمية على أن تعود وتوزع عليهم الأرباح، لكنها فجأة قررت التوقّف عن الدفع للمستثمرين مما أدى إلى خسارتهم حوالي 300 مليون دولار.

 

رئيس جمعية مصارف مملكة البحرين الدكتور عدنان يوسف

 

والمشكلة أن الأشخاص الذين يستثمرون في هذا النوع من المنصات يعلمون جيداً المخاطر المرتفعة، ورغم ذلك يستثمرون فيها بسبب الأخبار المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي عن الأرباح الهائلة التي يحققها البعض من التداول في العملات الرقمية.

فالعديد من أسواق العملات الرقمية تعمل ببساطة على تسهيل الاتصال بين المستثمرين دون تنظيم أو تقديم أي خدمات تعويض أو وساطة فيما بينها. في هذه الحالات، لا يكون للمشاكل المحتملة التي تنشأ بين المستثمرين منصة أو هيئة تشرف على حلها.

قبل شهرين تعرضت شبكة «بولي نتورك» (Poly Network) العاملة كمنصّة لتداول العملات الافتراضية المشفرة، إلى اختراق من جانب مجهولين، تمكّنوا خلاله من سرقة عملات بقيمة 600 مليون دولار.

واستغل المتسللون ثغرة أمنيّة في «بولي نتورك»، وهي منصة تعمل على ربط سلاسل الكتل المختلفة  (blockchain)  حتى يتمكنوا من العمل معًا. وسلاسل الكتل هي دليل الأنشطة التي تستند إليها العديد من العملات المشفرة. فكل عملة رقمية لها سلاسل الكتل الخاصة بها وهي مختلفة عن بعضها البعض. وتقوم شبكة «بولي نتورك» بجعل السلاسل المتنوعة تعمل مع بعضها البعض.

وذكرت الشبكة في سلسلة تغريدات عبر صفحتها على «تويتر»، أن السرقة جرت بعد اختراق مجهولين أن أنظمتها الأمنية، داعية عملاءها لتجنب أية مراسلات تتضمن رموزا مشفرة.

 

صناعة جديدة

تشكّل العملات الرقمية جزءاً من صناعة جديدة سريعة التطوّر؛ لكنها تخضع لدرجة عالية من عدم اليقين. بالنظر إلى محدودية نطاق استخدام العملات الرقمية في أسواق البيع بالتجزئة، وقد أنشأت المنصات عبر الإنترنت أنشطة تجارية موجهة للمضاربين، الذين يتطلّعون إلى الرّبح قصير المدى.

لا يتمّ دعم معظم العملات المشفرة من بنك مركزي أو منظمة وطنية أو دولية، أن ما يتم تحديد قيمتها بدقّة من السّوق. قد يعني هذا أن فقدان الثقة يمكن أن يؤدي إلى انهيار الأنشطة التجارية وانخفاض حاد في قيمة استثماراتك في العملة الرقمية.

تتباين وجهات نظر المشرعين فيما يتعلق بالوضع القانوني للعملات الرقمية، فما هي وجهة نظر القيادات المصرفية والمالية؟ وما رأي أهل الاختصاص بعد اعتماد بعض الدول مثل الصين العملة الرقمية؟
 وهل هناك خوف بعد حصول عمليات احتيال، وما هو المطلوب لحماية الناس من هذه العمليات؟ وهل تداول هذه العملة بعيدا عن مراقبة المصارف المركزية يمكن أن يؤدي إلى أزمات مالية عالمية؟ أم إن هذه العملة ستكون عملة المستقبل، خصوصاً أن بعض الدول بدأت تحد من استعمال العملة الورقية والاعتماد على بطاقات الائتمان؟

 

عملة المستقبل

رئيس جمعية مصارف مملكة البحرين الدكتور عدنان يوسف استهل حديثه لـ«المجلة» بالقول: «العملة الرقمية هي عبارة عن قيمة مالية كقيمة العملة الورقية، إلا أنها غير موجودة بأشكال فيزيائية ملموسة، بل هي افتراضية، وعادة ما تحمل وتُتناقل عبر الإنترنت، وتهدف إلى الدفع الإلكتروني في المعاملات التجارية أو نقل الأموال وتحويلها من دون حدود ومعوقات».

ويتابع يوسف: «لا بد من التمييز بين العملات الرقمية التي عادة ما تكون مركزية وتصدرها وتتحكم بها المصارف المركزية، والعملات المشفرة وأشهرها بيتكوين، وهي عملات لا مركزية، أي لا يمكن لحكومة أو مؤسسة ما أن تتحكم في إنتاج مزيد منها أو مراقبتها. كما يجب أن نفرق بين العملات الرقمية المشهورة مثل البتكوين وغيرها من العملات المشفرة وبين العملات التي تصدرها حكومات الدول، إذ تختلف العملات الصينية الجديدة عن العملات المشفرة المعروفة والتي تكون لا مركزية وغير مضمونة، بعكس العملات الصينية التي هي معتمدة من البنك المركزي ومضمونة كعملة قانونية من قبل الدولة. لذلك، فإن المعاملات الرقمية التي تتم وفقا لهذه العملات تخضع لرقابة البنك المركزي وتساعد في مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب».

ويشير يوسف إلى أن «العملة الصينية يطلق عليها اسم (شيا) وهي تعتمد على تقنية الـ blockchain، وسعة تخزين الأقراص الثابتة في عملية استخلاص العملة، على عكس بيتكوين التي تستهلك كميات كبيرة من الطاقة أثناء تعدينها. لذلك، فهي أكثر أماناً من العملات المشفرة وكما ذكرنا مضمونة من البنك المركزي الصيني وتحمي الناس من الاحتيال».

أما بالنسبة لمستقبل العملة الرقمية وإذا ما كانت ستعتمد مستقبلاً، يقول يوسف: «نعم في حال نجاح البنوك المركزية في إصدار عملات رقمية وفقا لتشريعات وبنية تقنية متطورة تضمن سلامة المعاملات في هذه العملات وتحميها من الاحتيال، فإنها ستكون عملة المستقبل. وتخطط الصين أن تصبح عملتها الرقمية بديلاً للشبكات المالية التقليدية، لتوفير شبكة آمنة للتمويل والمدفوعات الحديثة. كما تقلل العملات الصينية بشكل كبير من استهلاك الطاقة والتلوث البيئي، ما يجعلها مفضلة مقارنة بالعملات الأخرى. كما أن استخدام العملة المشفرة سيكون أسهل من استخدام الأوراق النقدية، وأصعب من حيث خسارتها، ويستحيل تقريبا سرقتها».

ويشير يوسف إلى أن مصرف البحرين المركزي أعلن مؤخراً أنه يدرس إصدار عملة رقمية أيضاً. و«يجب أن ننوه هنا إلى أن العملات الرقمية التي تصدرها البنوك المركزية غرضها الأساسي استخدامها في المعاملات الحقيقية للأقراد والشركات والمؤسسات والحكومات بدلاً من استخدام العملة الورقية، بينما نلاحظ أن العملات المشفّرة تستخدم في الغالب لأغراض المضاربات، وبالتالي فهي خطيرة للغاية ويجب تجنّب التعامل فيها».

وعن أبرز المخاطر التي قد يتعرض لها المتداول غير المهني، قال: «بالنسبة للعملات المشفرة، نحن ننصح بعدم التعامل فيها سواء بالنسبة للمتداول المهني أو غير مهني، لأنها تخضع لمضاربات وهمية ولا تخضع لرقابة سلطة معينة. وقبل أيام سمعنا عن استيلاء قراصنة على كافة أموال إحدى العملات المشفرة وخسارة المتعاملين مليارات الدولارات. أما بالنسبة للعملات الصادرة عن بنوك مركزية، فهي عملات كما ذكرنا غرضها إجراء معاملات حقيقية وتخضع لرقابة مركزية، وكذلك التعاملات التي تتم بموجبها».

 

رئيس مجلس إدارة مجموعة الجناحي الإماراتية الدكتور عبد السلام الجناحي

 

العملات الرقمية افضل من الدولار

من ناحيته يعتبر رئيس مجلس إدارة مجموعة الجناحي الإماراتية الدكتور عبد السلام الجناحي، أن «الفكرة من إنشاء العملات الرقمية هي إنشاء التعاملات بعيداً عن مركزيّة البنوك، لأن ارتفاع وهبوط العملات الرقمية قائم على مبدأ العرض والطلب. لذا بدأت الناس تفهم أنّ العملات الرقمية وارتفاعها أفضل قيمة من مشكلة صعود وهبوط الدولار والنفط والذهب. فالناس بدأت تلتجئ إلى العملات الرقمية كأفضل قيمة متوفرة رغم الارتفاع والهبوط، إذ من الممكن في الارتفاع أن تحقق ثروات عالية، كما من الممكن أن يؤدي الهبوط إلى خسارات هائلة، ومع ذلك فإنّ الأرباح التي تتحقق عن طريق العملات الرقميّة أكبر بكثير من الأرباح التي تتحقق عن طريق البنوك أو الاستثمار في الأسهم وهذا الأمر ثبت على المدى القصير والطويل».

ويرى الجناحي أن وجود العملات الرقمية كمستقبل هو واقع لا مفر منه، وأنّه على البنوك الاستثمار في هذا الاتجاه، بالاستثمار في عملات على نظام «البلوكتشين» الذي يخدم تعاملاتها البنكية، وهذا موجود في عملة «شيا» الصينية وعملات ثانية مشابهة لها، بالإضافة إلى اعتماد العملات الرقمية الموثوقة التي تخدم مشاريع معينة، لأننا بحسب الجناحي سنشهد عاجلاً أم آجلاً ارتفاعاً في العملات الرقمية وارتفاع أسعارها بثبات قيمتها. يقول: «نحن نادراً ما شهدنا انهياراً في سوق العملات الرقمية إلا أننا رأينا مئات المرات انهياراً في سوق الأسهم وسوقي الذهب والنفط خصوصاً بعد جائحة كورونا».

ويتابع: «لقد أصبحت بيتكوين عملة رسمية في دولة السلفادور تمامًا مثل الدولار الأميركي، ويمكن استخدامها لشراء المنتجات، كما يمكن للشركات والأفراد في الدولة استخدامها لسداد الديون والضرائب، وأحد أسباب اعتماد السلفادور على البيتكوين، هو تسهيل الأمر على مواطنيها الذين يعملون في الخارج لإرسال الأموال إلى الوطن، لأن بيتكوين لا تتطلب حسابًا مصرفيًا لتلقيها أو إنفاقها. إن تبني السلفادور عملة البيتكوين، أكبر عملة رقمية في العالم، قد جعل إحدى أفقر دول أميركا الوسطى رائدة غير متوقعة في التحول التكنولوجي العالمي».

ويشير إلى أن العديد من الشركات الشهيرة تنشط في دعم العملة الرقمية ومنها شركة مايكروسوفت وهي واحدة من أكبر شركات البرمجيات في العالم، وقد تم قبول استخدام البيتكوين فيها كخيار لشراء التطبيقات والألعاب والمحتويات الرقمية الأخرى، لأن هذه الشركة معروفة عالميًا وموثوقة، فإن قرارها بقبول استخدام عملة البيتكوين قد عزّز درجة الثقة في استخدام العملة عالميًا.