كيف حافظ الريال السعودي على ثباته منذ عقود رغم التحديات؟

مخزون القيمة والثروة الوطنية ضد عواصف السياسة والاقتصاد
موظف في أحد البنوك المصرفية السعودية يحمل ورقة نقدية من فئة 100 ريال سعودي (أ.ف.ب)

جدة: في أواخر عام 1990، وبينما كانت القوات العراقية الغازية تعيث فساداً في الكويت، تعرضت العملة الوطنية السعودية، الريال السعودي، لضغوط عنيفة ومحاولات استغلال ونزوح للعملات الصعبة من جانب المستثمرين والعمال المقيمين من الذين أصابهم عدم اليقين بمستقبل المملكة في ظل خطر وجودي آت من الشمال! 

ويتذكر صراف عملة عربي كان يعمل في المملكة- آنذاك- كيف قامت مجموعات من مستغلي الأزمات بمحاولات متواصلة لتجفيف أسواق الصرافة من الدولار الأميركي عبر تكثيف الشراء والتخزين في ظل وجود طلب مرتفع أصلاً على العملة الأميركية من الراحلين عن المملكة، إلى جانب تزايد المصروفات الحكومية بسبب النفقات التي تكبدتها لتحرير الكويت وتمويل واردات إضافية من المؤونة الغذائية، التي حلق الطلب عليها محلياً من أجل تخزينها خوفاً من المستقبل.

ويكمل الصراف العتيق قصته بأن تعليمات محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي (البنك المركزي) حمد بن سعود السياري كانت مشددة بضخ أي كمية من الدولارات مهما كان حجمها لمقاومة اندفاع طالبي الدولار، وعدم شراء العملة الأميركية بسعر أعلى، فلا نتخفض قيمة الريال دون المستوى الذي حددته مؤسسة النقد منذ ربط الريال بالدولار الأميركي عام 1986 عند 3.75 ريالات مقابل كل دولار. 

البنك المركزي السعودي

«لقد كانت قيمة الريال خطاً أحمر، لا يمكن تجاوزه حتى في عز حرب تحرير الكويت وسقوط الصواريخ العراقية على العاصمة الرياض»، يقول الصراف، مضيفاً: «لا أعلم ماذا حل بالمتلاعبين من مخزني الدولار وقت الحرب. هل اعتقلوا أم لا؟ لست متأكداً، الأمر الأكيد هو أن ظهورهم انتهى بسبب وجود دولارات تفوق طلبهم بكثير».

وفي ظل التدهور المريع لقيم العملات العربية والإقليمية بسبب الحروب والأزمات والحصارات الخانقة أو ما يسمى «الربيع العربي»، ظل الريال السعودي متماسكاً وثابت القيمة أمام الدولار منذ 35 عاماً وحتى الآن؛ رغم تعرضه هو الآخر إلى تحديات عنيفة مثل تدني أسعار النفط في الثمانينات والتسعينات وحرب تحرير الكويت والأزمة المالية العالمية (2008) وتحدي جائحة كورونا. 

فما هي الأسباب التي جعلت الريال السعودي مخزن القيمة ورمز الثقة وعنوان القوة الشرائية الحقيقية؟

ثبات القيمة

تعرض الاقتصاد السعودي لتحديات جمة وكان عجز الميزانية هو الغالب في سنوات الثمانينات والتسعينات لعدة أسباب، أبرزها تدهور أسعار النفط، الذي شكل وقتها نحو 90 في المائة من الإيرادات، إلى جانب حرب تحرير الكويت، التي تكلفت نحو 60 مليار دولار، دفعت السعودية والكويت معظمها، حيث وصف الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز تلك الحرب بألم بالغ بقول له أواخر التسعينات الميلادية: «لقد خرجنا من تلك الحرب ونحن نحمل أكفاننا!». وتزايد الاقتراض الحكومي خلال تلك الفترة، وبخاصة في التسعينات، حيث بلغ حجم الدين العام مستويات قياسية، إذ وصلت البلاد إلى الألفية، وهي تحمل عبء دين عام، قدر بنحو 183 مليار دولار عام 2002، قارب معدل الناتج الإجمالي المحلي آنذاك. 

كان الدين العام وقتها داخلياً، ولم تلجأ البلاد إلى الخارج إلا في أضيق الحدود، وكان من السهل اللجوء إلى تخفيض قيمة الريال عن مستوى 3.75 ريالا مقابل الدولار من أجل إطفاء الدين، لكن الكلفة ستكون كبيرة من حيث ارتفاع سعر الواردات وخفض القوة الشرائية وتبخر القيمة والمدخرات والدخول في موجة تضخم للأسعار. لم يكن خيار تخفيض قيمة العملة السعودية مطروحاً رغم تصاعد الدين العام بالعملة المحلية، وهو أمر يمكن اللجوء إليه كخيار سهل ذي تأثير مفيد للمالية العامة، فكمية الدولارات القليلة المتولدة من بيع نفط رخيص، ستكون كافية لتخفيض الدين. 

لقد ولّد ثبات قيمة الريال؛ رغم كلفته العالية من حيث تمويل المستوردات والتحويلات المالية، ثقة أعمق بالعملة الوطنية، وجنب البلاد والمواطنين والمقيمين، متاعب كثيرة وضغوطاً تضخمية كما هو الحال في دول كثيرة، خفضت قيمة عملتها عبر تعويمها مثل مصر والسودان والمغرب أو دول انخفضت قيمة عملاتها رغماً عنها مثل إيران وتركيا وسوريا ولبنان واليمن لأسباب الحروب أو الحصار الاقتصادي أو السياسات المالية المتعثرة. 

 

سياسة الأقدام الثقيلة

تعاقب على مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما) التي تأسست في أبريل (نيسان) 1952 (تغير مسماها إلى البنك المركزي السعودي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020) 8 محافظون:

  • الأميركي جورج بلوارز (1952-1954)
  • الأميركي رالف ستاندش (1954-1958)
  • الباكستاني أنور علي (1958-1974)

وبعدهم تقلد المنصب كفاءات سعودية

  • عبد العزيز القريشي (1974-1983)
  • حمد بن سعد السياري (1983-2009)
  • الدكتور محمد بن سليمان الجاسر (2009-2001)
  • الدكتور فهد بن عبد الله المبارك (2011-2016)
  • الدكتور أحمد بن عبد الكريم الخليفي (2016-2021)
  • الدكتور فهد بن عبد الله المبارك (يناير 2021- إلى الآن) تولى المنصب ذاته مجدداً

إن تعيين 8 محافظين خلال ما يقارب 70 عاماً من عمر المؤسسة المعنية بالسياسة النقدية، والطول النسبي لفترات ولاية المحافظين، باستثناء 3 منهم (بلوارز وستاندش والجاسر الذين خدم كل منهما مدة سنتين)، يدل على تجذر سياسة «الأقدام الثقيلة» في حركة تعيين المحافظين.

لقد حافظت هذه السياسة المحافظة في تعيين المحافظين على الاستقرار وعزلها عن التأثيرات السياسية والاقتصادية والتمتع بالاستقلالية فيما يخص الحفاظ على قيمة الريال وتحديد أسعار الفائدة والإشراف الدقيق على أداء القطاع المصرفي وأسواق صرف العملة، والجدية البالغة في التعامل مع التلاعب بالعملة أو الاحتكار أو تخزين العملة الصعبة بغرض زيادة الطلب عليها. 

وخلال العام الماضي، وفي عز أزمة كورونا وانهيار أسعار النفط وقلة الإيرادات الحكومية، كان بإمكان أي شخص أو تاجر أو مستورد، الحصول على الكمية التي يريدها من العملة الصعبة مع الحرية الكاملة فيما يتعلق بسحب الأرصدة والإيداعات. وكما هو الحال في الثمانينات والتسعينات، لم يتغير شيء فيما يخص قيمة العملة طوال أزمة كورونا، وبخاصة مع معاودة مستويات الدين العام إلى الارتفاع  مع بلوغها إلى 253 مليار دولار بنهاية الربع الثالث من العام الجاري حسب أحدث البيانات الواردة من وزارة المالية. 

 

الارتباط بالدولار

وفر ارتباط الريال السعودي بالدولار الأميركي الاستقرار لقيمة الريال السعودي؛ رغم ظهور دعوات من حين لآخر لربط الريال بسلة عملات أو بيع النفط بالريال السعودي، وبخاصة عند انخفاض قيمة الدولار، الذي يصاحبه انخفاض قيمة الريال في سوق الصرف. 

إن بيع النفط بالريال السعودي، سوف يستدعي تذبذباً لقيمة الريال مع كل صعود أو هبوط لأسعار النفط، ما ينفي صفة استقرار القيمة. أما زيادة قيمة الريال مقابل الدولار عبر إعادة تقييم قيمته، وقد تكون قيمة الريال أعلى من القيمة الحالية، سوف يرتب المزيد من الكلف على الواردات من حيث ضرورة توفير دولارات أكثر لتمويل الواردات. وبالنسبة لحالة تعويم الريال، فإنها قد تؤدي إلى تذبذبات سعرية واختلال القيمة.

من جهة أخرى، يرتب الارتباط بالدولار على الريال اللحاق بأسعار الفائدة الأميركية، وكذلك استيراد التضخم الذي يصيب العملة الأميركية، لكن يبدو أن الاختيار الأسلم هو الإبقاء على الارتباط بالدولار بالقيمة الحالية في ظل معرفة أن التأثيرات مهما كانت سلبية، تبقى أقل ضرراً من السيناريوهات الأخرى.

وينبغي التذكر في هذا السياق أن الدولار لا يزال العملة الأولى للتداول وتسعير السلع، ولم تتمكن أي عملة أخرى، بما في ذلك اليورو، من أخذ مكانه أو منافسته. لذلك، وحتى ظهور بدائل أو منافسين حقيقيين، فإنه لا يبدو في الأفق أي تغيير منظور في ارتباط الريال بالدولار.