بين «الإدارة الذاتية» وحكومة الأسد.. حوارات متقطّعة حول ملفاتٍ عالقة

مباحثات خالية من المفاوضات السياسية
تواصل «الإدارة الذاتية» جولاتٍ متقطعة من الحوار والمباحثات مع حكومة دمشق (غيتي)

القامشلي: تستمر «الإدارة الذاتية» لشمال سوريا وشرقها، والتي تشمل مناطق سيطرتها أجزاء من محافظات حلب والرقة والحسكة ودير الزور، بإجراء مباحثاتٍ ولقاءاتٍ مع حكومة رئيس النظام السوري بشار الأسد، بهدف الوصول إلى حلولٍ توافقية ترضي كلا الطرفين اللذين دخلا بالفعل في حوارٍ علني للمرة الأولى في صيف العام 2018، وهو أمرٌ يتواصل إلى الآن.

وتعليقاً على استمرار هذه المباحثات التي تحظى بتأييدٍ روسي، قال كمال عاكف المتحدّث الرسمي لدائرة العلاقات الخارجية إن «الإدارة الذاتية منذ تأسيسها تسلك الخط الثالث، بمعنى أنها تجنبت أن تكون طرفاً في الصراع القائم في البلاد حول السلطة، وهي كذلك لا تريد أن تكون طرفاً في هذه المشكلة، ولذلك تطالب بشكلٍ مستمر بالوصول إلى حلول سلمّية عن طريق المفاوضات والحوار، وبما أنها جزء من سوريا وجغرافيتها ومجتمعها وتاريخها، فهي تركّز على هذه الأسس لإيجاد حلول داخلية وتحديداً مع دمشق، وهذا أمر يؤكد كم أن الإدارة الذاتية حريصة على وحدة سوريا جغرافياً وسياسياً ومجتمعياً».

وأضاف في حوار مع «المجلة» من مدينة القامشلي أن «الإدارة الذاتية تطالب حكومة دمشق بالتخلّي عن فكرة العودة لما قبل عام 2011، والأخذ بعين الاعتبار التغيّرات التاريخية التي حصلت على الأرض، خاصة في شمال وشمال شرقي سوريا، ففي هذه المناطق هناك متغيرات ينبغي رؤيتها، وقد عملت الإدارة بكل إمكانياتها منذ نحو 8 سنوات، لمنع احتلال هذه المناطق وصدّت الإرهاب الذي استهدفها، وهو أمر تستمر فيه مؤسسات الإدارة العسكرية حتى الساعة».


الإدارة الذاتية لم تكن طرفا

وتابع أن «الإدارة منعت تحوّيل مناطقها إلى منبعٍ للإرهاب، حتى إنها حين خسرت مدناً كانت تخضع لسيطرتها لم تكن طرفاً في هذا الضرر الذي لحِق بالأراضي السورية»، في إشارة منه إلى المدن السورية التي وقعت تحت سيطرة الجيش التركي في السنوات الأخيرة بعد مواجهاتٍ عسكرية مع قوات سوريا الديمقراطية التي تعد بمثابة «جيش الإدارة».

ورأى المتحدّث باسم دائرة العلاقات الخارجية أن «احتلال هذه المدن تمّ نتيجة صفقاتٍ دولية، ولم تكن الإدارة الذاتية طرفاً في هذه الخسارة، وهي مع ذلك أنهّت الإرهاب في مناطقها ووقفت ضدّ محاولات احتلالها مؤخراً، وبالتالي هي تطلب من حكومة الأسد القبول بها، فهذه الإدارة التي لعبت دوراً تاريخياً في المحافظة على وحدة الأراضي السورية ومحاربة الإرهاب، هي حقيقة يجب أن تراها دمشق، ومن هذا المنطلق تطالب الإدارة بإنشاء نظامٍ لا مركزي، وهي مستعدة لإيجاد الحلول لكل الملفات العالقة بين الطرفين في مختلف القطاعات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والتربوية والتعليمية وغيرها من المجالات، حتى تصل إلى حلولٍ توافقية في نهاية المطاف».

كمال عاكف المتحدّث الرسمي لدائرة العلاقات الخارجية

وتواصل «الإدارة الذاتية» جولاتٍ متقطعة من الحوار والمباحثات مع حكومة دمشق، ويشارك فيها أيضاً «مجلس سوريا الديمقراطية» المعروف اختصاراً بـ«مسد»، وهو المظلة السياسية لقوات سوريا الديمقراطية المعروفة بـ«قسد» والمدعومة من الولايات المتحدة والتحالف الذي تقوده ضد تنظيم داعش.

وقال عاكف في هذا الصدد إن «مجلس سوريا الديمقراطية هو مظلة سياسية لمختلف المناطق السورية، ولذلك فإن الإدارة الذاتية هي المعنية بالتفاوض مع دمشق لأنها مختصة بشؤون شمال وشرق سوريا».

وأضاف رداً على سؤالٍ لـ«المجلة» حول الدور الأميركي والروسي في هذه المباحثات أن «الإدارة الذاتية طلبت مراتٍ عدّة من موسكو لعب دور إيجابي وضامن في التفاوض مع دمشق، واليوم أستطيع القول إن هناك اتصالات على مستوى عالٍ مع موسكو، ومؤخراً كان هناك لقاء جمع بين مسؤولين في مجلس سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية بالإدارة الروسية، وقد أبدّت الإدارة حينها عن جاهزيتها لبدء التفاوض شريطة أن تكون موسكو هي الضامن لها».

وكشف أن "الإدارة وافقت في ذلك الاجتماع الذي تمّ في موسكو، على بدء التفاوض وتشكيل لجان تعليمية وأخرى على علاقة بالسجل المدني، لبدء التفاوض مع دمشق، لكن بعد ذلك تراجعت الحكومة ولذلك على موسكو اليوم لعب دور الضامن».

وتابع: «أما فيما يتعلق بواشنطن، فهي لم تعترض على إجراء هذه المباحثات والمفاوضات التي تدخل في خدمة المنطقة وأمنها واستقرارها، لا سيما وأنها تشمل أيضاً قضايا سيادية».

تبادل الآراء حول المسائل الإدارية والخدمية

ومن جهته، قال عمر أوسي، العضو الكردي السابق في مجلس الشعب السوري ورئيس المبادرة الوطنية للكرد السوريين، إن «الاتصالات بين الإدارة الذاتية ومجلس سوريا الديمقراطية مستمرة رغم أن المفاوضات بينهما متوقفة منذ مدة».

 

عمر أوسي العضو الكردي السابق في مجلس الشعب السوري

وأضاف لـ«المجلة» أن «دمشق والإدارة ومسد على تواصل لتبادل الآراء فيما بينهم حول المسائل الإدارية والخدمية المتعلقة بمناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، كإدخال القمح والمشتقات النفطية إلى المصافي الحكومية على سبيل المثال، لكن المفاوضات السياسية مؤجلة إلى الآن».

وتابع: «نحن في المبادرة الوطنية للكرد السوريين تقدمنا بمبادرة وطنية لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، أعني الجانب الحكومي والكردي وهي عبارة عن مسودة تقدمنا بها في المبادرة بالاتفاق مع خمسين شخصية من أطباء ومحامين وممثلين وإعلاميين من الكرد والعرب والآشوريين ومكونات دينية وعرقية أخرى، ونهدف من ذلك إلى بدء حوار جدّي وفوري بين الحكومة في دمشق وأيضاً الكرد معارضةً وموالاة».

وكشف أوسي: «قمنا بالفعل بتسليم هذه الوثيقة إلى القيادة السياسية في الحكومة السورية في دمشق، وهي قيد الدراسة منذ شهر تقريباً، وقدّمنا هذه الوثيقة أيضاً إلى الإدارة الذاتية وبعض القوى الكردية الأخرى. لأن المنطقة في ريف حلب وشرق الفرات تعيش حالة توتر دائمة في ظل الانتهاكات والجرائم التركية بحق مكونات شعبنا، وهناك مخاوف جدّية هذه المرة من تنفيذ تركيا لعملية اجتياح رابعة مثل (غصن الزيتون) وغيرها، والتي احتلت من خلالها الخاصرة الشمالية في الوطن السوري من عفرين وحتى رأس العين»، لافتاً إلى أن «الأتراك يهددون وهم جادّون رغم التهدئة، فالمشروع الاحتلالي الاستعماري لا يزال مطروحاً على طاولة أنقرة وهي تريد ضمّ كل الشمال السوري إلى أراضيها ضمن ما يعرف بالميثاق الملّي».

وبدأ تداول «ميثاق ملّي» (Misak-i Milli) بين السياسيين والمحللين الأتراك بعدما تطرق إليه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بشكل مباشر وعلني في العام 2016 للردّ على رفض الحكومة العراقية مشاركة قواته العسكرية في عملية تحرير مدينة الموصل من قبضة تنظيم داعش. وهذا الميثاق يرمز لنيّة أنقرة في اقتطاع أجزاءٍ من سوريا والعراق وبلدانٍ أخرى لضمها إلى أراضيها لاحقاً.

إلى ذلك، شدد أوسي على أن «الحوارات السابقة بين الإدارة الذاتية ودمشق، لم يتطرق فيها الجانبان إلى النقاط الخلافية السياسية الأساسية. مثلاً لم يناقش في هذه الحوارات مستقبل الإدارة الذاتية. هناك خلاف بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية التي ترى في الإدارة المحلية وتوسيع القانون 107 كحلٍ لكل سوريا، وأيضاً لم يناقش مصير (قسد). لذلك طالبنا هذه المرة بتقريب وجهات النظر والخوض في هذه النقاط الخلافية وهي ليست مستحيلة الحلّ. طالبنا الطرفين ببعض التنازلات والوصول إلى حلول وسطية وممكنة في الإطار الوطني وأكدنا على سيادة التراب السوري جغرافياً».

ورأى أنه «يمكن مقاربة قانون الإدارة المحلية وتوسيعه وتطويره مع النقاط الأساسية في الإدارة الذاتية والوصول إلى حلول مشتركة ترضي الطرفين، أما فيما يخص (قسد)، فيمكن ضمها إلى التشكيلات العسكرية السورية الرسمية، وأن تبقى كقوات محلية، وجزءا من الجيش السوري الرسمي بصيغة يتفق عليها الطرفان».

وأشار إلى أن «النقاط الأخرى، مثل اللامركزية، ليست موضع خلاف، فالرئيس بشار الأسد أشار إلى أن النظام المركزي لم يعد صالحاً، ويفترض أن نتحول إلى اللامركزية ولا يمكن عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه في العام 2011، وبالتالي الخلافات ليست كبيرة ومن الممكن الوصول إلى اتفاق».

ومن شأن أي اتفاقٍ بين «الإدارة الذاتية» ودمشق أن «تحل المشاكل الاقتصادية في البلاد خصوصاً مسألة النفط والقمح، كما أن هذا الاتفاق سيؤدي إلى استقرار المنطقة أمنياً وعسكرياً، كما يصف أوسي الذي طالب كلا الجانبين بخلق المناخات المناسبة لمثل هذا الحوار والمفاوضات من خلال وقف الحملات الإعلامية المتبادلة كي يساهم هذا الأمر في الوصول لاتفاقٍ شامل قد يكون له بُعد استراتيجي كبير خاصة وأن هناك رغبة لدى عموم السوريين باستمرار هذا التفاوض»، على حدّ وصفه.

كما كشف العضو السابق في مجلس الشعب السوري عن «تقديمه نسخة من الوثيقة التي اقترحها، للجانب الروسي أيضاً لأنها يمكن أن تكون ضامناً وهي حليفة دمشق وكذلك تربطها علاقات جيدة مع الإدارة الذاتية، وبالتالي تستطيع مدّ الجسور بين الجانبين، للوصول إلى اتفاق يقطع الطريق أمام الاحتلال التركي، ولا يبقى أي مبرر لأي احتلال تركي أو أميركي في البلاد».

وبحسب أوسي، فقد نصّت الوثيقة التي عمل عليها بشأن المفاوضات بين دمشق و«الإدارة الذاتية»، على وحدة الأراضي السورية وضرورة تطبيق اللامركزية واعتبار القضية الكردية قضية وطنية تُحل في دمشق مع ضمان حقوق الأكراد وبقية المكونات دستورياً. وقال أيضاً: «لقد شعرت بعد تقديم هذه الوثيقة ومناقشتها مع عدّة أطراف، بوجود جدّية في دراستها بعكس المرات السابقة، فالردود الروسية وأيضاً ردّ الإدارة الذاتية كانت إيجابية بخصوصها، وقد أعلن القيادي البارز في الإدارة آلدار خليل قبل فترة عن رغبتهم في التفاوض مع دمشق وهو أمر حثّ عليه الرجل الثاني في حزب العمال الكردستاني جميل باييك».

وكان القيادي الكردي آلدار خليل قد أعلن قبل أسابيع عن رغبة «الإدارة الذاتية» في التفاوض مع الحكومة السورية، لكن مع ذلك لم ينجم عن هذه المباحثات المستمرة بين كلا الجانبين، أي مفاوضاتٍ ونتائج جدّية وواضحة، علماً أن دمشق أبدت مرونة في التعاطي مع مسألة تعليم اللغة الكردية في مناطق الإدارة الذاتية، والتي لا تدرّس حتى الآن في المدارس الحكومية، لكنها في الوقت نفسه ترفض الاعتراف بالإدارة الذاتية التي تدّرس الطلبة في مدارسها بلغاتهم الأمّ كالكردية والعربية والسريانية وهي لغات رسمية في مناطقها.

وتبقى مسألة ضمّ قوات سوريا الديمقراطية إلى الجيش السوري وشكل نظام الحكم في سوريا، من بين الملفات الأكثر تعقيداً والعالقة بين الجانبين. علاوة على ملف المعابر الحدودية والحقول النفطية التي قد تحتاج إلى بعض الوقت للتوافق على حلول تناسب الطرفين.