عندما يتم استغلال «حقوق الإنسان» لتحقيق مآرب سياسية

فضيحة البرلمان البريطاني نموذجاً
هيئة حقوق الإنسان: حقوق الإنسان في المملكة تحظى بدعم ومساندة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز

باكو: في خطوة جديدة كاشفة عن مدى التوظيف السياسي لملف حقوق الإنسان عالميا، أقر النائبان في مجلس العموم البريطاني؛ كريسبين بلانت عن حزب المحافظين، وليلي موران عن حزب الديمقراطيين الأحرار، باستخدام مكاتبهما في البرلمان للمشاركة في جلسة نقاش حول السجناء في السعودية، رغم أن قواعد مجلس العموم تنص على عدم استخدام النواب المرافق البرلمانية في عمل غير برلماني.

والحقيقة أن هذه القضية برمتها فتحت المجال واسعا على مستويين من المساءلة، الأول يتعلق بمدى مخالفتها لقواعد مدونة السلوك البرلماني في مجلس العموم. والثانى يتعلق بكيفية معالجة قضية حقوق الإنسان في العالم الغربي الذي يصدر كثيرا من التقارير الدولية المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان وحرياته من منطلقات غربية.

في ضوء ذلك يستعرض التقرير هذين المستويين من المساءلة من خلال محورين على النحو الآتي:

العمل البرلماني في مجلس العموم ومدونة السلوك

في كثير من البرلمانات العالمية ينظم عملها الدستور والقوانين واللوائح الداخلية، إلى جانب مدونات للسلوك التي تستهدف إضفاء أبعاد أخلاقية على ممارسات أعضاء البرلمان بهدف تعزيز قيمها إلى جانب التزاماتهم المنصوص عليها قانونيا ولائحيا، وهو ما ينطبق عليه الوضع في مجلس العموم البريطاني، إذ تنص مدونة السلوك على أن «الأعضاء مسؤولون بشكل شخصي وخاضعون للمساءلة عن ضمان استخدامهم لأية نفقات وبدلات وتسهيلات وخدمات مقدمة من الخزينة العامة وفقاً للقواعد الموضوعة بشأن هذه الأمور. ويجب على الأعضاء التأكد من أن استخدامهم للموارد العامة يكون دائماً في دعم واجباتهم البرلمانية. ولا ينبغي أن تمنح أي منفعة شخصية أو مالية لأنفسهم أو لأي شخص آخر».

ولذا، جاءت مشاركة النائبين في جلسة نقاش حول حقوق السجناء في السعودية التي نظمتها شركة المحاماة «بيندمانز» (Bindmans LLP) عبر تقنية زووم في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي (2020) مخالفة لصحيح ما نصت عليه مدونة السلوك، خاصة وأنهما تقاضيا آلاف الجنيهات الإسترلينية، حيث تقاضت النائبة ليلى موران ثلاثة آلاف جنيه إسترليني بالإضافة إلى 40 ساعة عمل مع الشركة نفسها، فيما تلقى كريسبين بلانت 6 آلاف جنيه إسترليني. صحيح أنهما قدما اعتذارهما عما قاما به، حيث قدمت موران اعتذارها في بيان جاء فيه أنها «تأسف بشدة للاجتماع» كما ذكرت موران في بيانها أيضا: «أشعر بالأسف الشديد لأنني شاركت في اجتماع واحد عن طريق (زووم) من مكتبي في البرلمان، عندما كانت قيود كورونا سارية. أتحمل المسؤولية الكاملة، ولن يتكرر ذلك مرة أخرى». ولكن من الصحيح أيضا أنه من المهم أن يتخذ المجلس قرارا بشأن ما تم ارتكابه من مخالفات منعا ليس لتكرارها من جانب النائبين فحسب، وإنما من جانب بقية النواب، حيث ذكرت النائبة موران أنها: «عملت، إلى جانب نواب من أحزاب أخرى، حول قضية سجناء في السعودية مع شركة بيندمانز»، فما هو موقف هؤلاء النواب الآخرين من المساءلة والتحقيق إذا ما قام مجلس العموم بتشكيل لجنة تحقيق في هذا الموضوع في ضوء عقده جلسة استماع شهدت مقترحات وتوصيات، كان من أبرزها ما اقترحه رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بتعديل مدونة السلوك البرلمانية لمنع النواب من الحصول على أجور عن عملهم كمستشارين سياسيين أو في مجال الترويج، فضلا عما طالب به زعيم حزب العمال كير ستارمر بإجراء تحقيق مستقل إذا كان يراد فعلاً اجتثاث الفساد على حد قوله.

 

كشفت حادثة البرلمان البريطاني عن مدى التوظيف السياسي لقضية حقوق الإنسان، حيث يتم التلاعب بأوضاعها لمن يدفع أكثر

 

 

وغني عن القول إن ما حدث إنما يكشف عن مظهرين مهمين فيما يتعلق بالعمل البرلماني في بريطانيا:

الأول: يتعلق بأهمية وضع الضوابط الكفيلة بمنع استغلال النواب لدورهم فى ممارسة ضغوط على دول بشأن قضايا هي من صميم الشؤون الداخلية للدول، بما يتطلب التفرقة بين ما هو عالمي وما هو وطني.

الثاني: يتعلق بأهمية المحاسبة والشفافية التي يجب أن يتسع مداها للكشف عن كافة الملابسات والتفاصيل التي لا تزال غير واضحة بشأن خلفية الجهة أو الجهات التي تقف خلف تمويل شركة المحاماة «بيندمانز» وغيرها من المنظمات التي شاركتها في دفع الأموال ليس فقط للنائبين البريطانيين، وإنما لغيرهما من أعضاء آخرين في البرلمان.

«رؤية المملكة 2030» تهدف إلى تحقيق التنمية الشاملة من منطلق قيم المملكة وثوابتها وتوظيف إمكانات البلاد وطاقاتها

 

مجلس العموم وحقوق الإنسان السعودي

ليست مبالغة القول إن الحادثة التي شهدها مجلس العموم البريطاني بمشاركة نائبين أو أكثر في جلسة نقاشية بشأن أوضاع السجناء في المملكة العربية السعودية، حادثة كاشفة عن حقائق مهمة ودلالات ذات أهمية، بعضها يتعلق بالمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، وبعضها الآخر يتعلق بملف حقوق الإنسان على وجه العموم، ويمكن أن نجمل هذه الدلالات وتلك الحقائق في مجموعة من النقاط الرئيسية، أبرزها ما يأتي:

  1. كشفت الحادثة عن مدى التوظيف السياسي لقضية حقوق الإنسان، حيث يتم التلاعب بأوضاعها لمن يدفع أكثر، وهو ما يحولها من قضية أخلاقية نابعة عن إيمان بالقيم والقوانين التي يدافع عنها المعنيون والمهتمون إلى قضية تجارية تتعلق بحجم الأموال المدفوعة وجهات الدفع، وهو ما يفقد الجميع في مدى مصداقية كثير من التقارير التي تصدر عن جهات غربية، إذ يصبح من المنطقي أن يثار التساؤل حول مصادر تمويل مثل هذه المنظمات والهيئات التي تصدرها، خاصة وأن ثمة غموضا كبيرا بشأن من يقف وراء هذه المنظمات ويمول العاملين فيها والتقارير الصادرة عنها. الأمر الذي يتطلب فتح تحقيق أوسع للتدقيق في مبادئ الامتثال والنزاهة والشفافية الحاكمة لعمل هذه المنظمات الحقوقية في ظل التجاوزات حيال اعتمادها للاستغلال المالي الممنهج في كثير من تقاريرها وأنشطتها الإعلامية التي تستهدف دولاً بعينها.
  2. كشفت الحادثة أيضا عن أن ملف حقوق الإنسان يعد كما هو في السرد الشعبي «مسمار جحا»، تلك الطرفة التي تحكى عن بيع جحا لمنزله مع احتفاظه بمسمار داخل المنزل يعطيه حجية لدخول المنزل حينما يريد أن يطمئن على مسماره، فأصبحت قضية حقوق الإنسان هي المسمار الذي يحاول البعض استغلالها للتدخل في الشؤون الداخلية للدول ولكن بشكل انتقائي على غرار ما يحدث مع بعض الدول كما هو الحال في المملكة العربية السعودية ومصر أيضا، في حين يغض الطرف عن جرائم ضد الإنسانية ترتكبها دول أخرى مثل إيران حينما ترتكب مثل هذه الجرائم ليس فقط على أراضيها وإنما في بعض دول المنطقة كما هو الحال في اليمن وسوريا ولبنان، بل وفي بعض الدول الغربية.
  3. يُعد ملف حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية من الملفات التي تشهد مزيدا من التطور منذ انطلاق رؤية المملكة 2030، إذ إنه لا يمكن لأي باحث حقوقي أو إعلامي متخصص أو منظمة حقوقية جادة أن ينكر ما تشهده أوضاع حقوق الإنسان في المملكة من تطورات عدة وإنجازات عديدة ونجاحات متميزة في مختلف المجالات الحقوقية، بدءا مما يحدث في مجال المرأة مرورا بما يحدث في مجال الإعلام والثقافة وصولا إلى ما يحدث في مجالات العمل السياسي. وهو ما يجعل ثمة حاجة ملحة لإلقاء المزيد من الضوء على الرؤية السعودية التي تتبناها بشأن المنظومة الحقوقية، وهي تلك الرؤية التي تتسق فيها مع عديد الدول التي تختلف في توجهاتها عن الرؤية الغربية للمنظومة الحقوقية، إذ إن ما يميز الرؤية السعودية هو ما يمكن أن نطلق عليه الرؤية التكاملية في إدارة ملف حقوق الإنسان، تلك الرؤية القائمة على ضرورة العمل على كافة المسارات الحقوقية بشكل متوازٍ، فإذا كانت هناك أهمية لتوسيع المجال العام ومنح المزيد من الحقوق والحريات السياسية بمفهومها الواسع وبدلالاتها المتعددة وفي مقدمتها حرية الرأي والتعبير، فإن الأمر يجب أن يمتد إلى النواحي الاجتماعية والاقتصادية والمعيشية والتعليمية للمواطن، إذ إن انشغال الغرب بجانب واحد لمنظومة الحقوق والحريات وهي تلك المتعلقة بالأبعاد السياسية فحسب، إنما يعني السير على قدم واحدة دون أن نعطي اهتماما إلى القدم الأخرى المتمثلة في المنظومة المتكاملة للحقوق بدءا من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وصولا إلى ما يطلق عليه البعض الجيل الثالث من الحقوق والتي من بينها الحق في التنمية والحق في الأمن ومواجهة التطرف والإرهاب، إذ تمثل مثل هذه الحقوق أولوية أيضا لا تقل أهمية عن الحقوق السياسية التي تشهد تطورا ملموسا، مع الأخذ في الاعتبار نقطة ذات أهمية تتعلق بضرورة التمييز بين الحق في التعبير وممارسة العمل السياسي وبين التجاوز والإساءة إلى رموز الدولة ومكانتها، إذ كثيرا ما يحدث خلط وتداخل في مثل هذه الحالات، فكل إساءة أو تجاوز يجب أن يجرمه القانون.

منتهى القول إن المملكة العربية السعودية بما حققته من نجاحات مشهودة وإنجازات متعددة في مختلف المجالات وعلى كافة المستويات، فضلا عن تفعيل إرادتها في كثير من الملفات الإقليمية والدولية التي رسخت لها مكانة في صنع القرار العالمي والإقليمي بشأن مختلف القضايا والأزمات، أثارت حفيظة البعض الذي حاول النيل مما حققته المملكة عبر دفع أموال قذرة إلى منظمات مشبوهة لشن حملات مغلوطة عن أوضاع غير موجودة في الداخل السعودي، تحت شعارات رنانة وخطابات طنانة سرعان ما تتكشف حقيقتها وتتبين دوافعها وأهدافها المغرضة التي تحاول النيل ليس فقط من المملكة العربية السعودية وإنما من كافة الدول الداعمة والمساندة لها ولسياستها في المنطقة، بل لعل ما تتعرض له الدولة المصرية من جانب جماعة الإخوان الإرهابية وأذنابها المنتشرة في كثير من المنظمات والهيئات الحقوقية التي تتخذ من الدول الأوروبية والولايات المتحدة مقرا لها، تتبنى ذات النهج فيما تعده من تقارير وفيما تنشره من بيانات غير صحيحة، لخدمة أجندات مشبوهة، وهو ما يفرض على مراكز البحوث والدراسات في الدول العربية لإعداد مزيد من الدراسات والتقارير عن هذه المنظمات والجهات التي تقف وراءها ومصادر تمويلها، مع تفعيل دور الإعلام الوطني لفضحها وكشف سترها ليس فقط أمام الرأي العام المحلي وإنما إقليميا وعالميا حتى نميز بين المنظمات الحقوقية الجادة الهادفة إلى تصحيح الانحرافات إذا ما وقعت، وتقويم الاعوجاج إذا ما حدث، وبين المنظمات الحقوقية المشبوهة التي تتخذ من هذا الملف مصدرا للثراء على حساب مصالح المواطن في بلدان تسعى إلى تحقيق تنمية حقيقية مستدامة تنعكس على حياته ومستقبل أبنائه.

 

 

 


مقالات ذات صلة