استعراضان لاستقلال تعيس

استعراض الاستقلال اللبناني كان على موعدين في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) من هذا العام. الأول استعراض رسمي حضره أركان دولة مفككة ومتناحرة فيما بينها لا تستطيع حكومتها الاجتماع بالرغم من الظروف الدراماتيكية التي يمّر بها لبنان قبل أن تقوم بإرضاء الثنائي الشيعي في موضوع إقالة المحقق في انفجار المرفأ القاضي بيطار من جهة وإرضاء دول الخليج بإقالة وزير الإعلام جورج قرداحي الذي أساء لها عبر تصريحات له في إحدى إطلالاته الإعلامية التي سبقت توزيره من جهة أخرى. مشهد حزين عنوانه الوحيد هو العجز، لا يمحوه استعراض عسكري هزيل أو استقبالات تهنئة بمناسبة العيد في قصر بعبدا.

على المقلب الآخر قرر بعض من «ثوار 17 تشرين»أن يقوم باستعراضه الخاص تحت عنوان «إيران برا»تعبيرا عن سخطه من سيطرة حزب الله على البلد ومقدراته. قسّم المشاركون أنفسهم إلى أفواج مختلفة تمثل شرائح المجتمع كلا حسب اختصاصه أو هوايته. فاستعرض أفواج الدراجين والمبدعين والآباء والمهندسين أمام جمهور ضئيل. يمكن وضع هذا الاستعراض في إطار تعبيري فقط يشبه الاستعراض الرسمي في شيء واحد: العجز. والعجز في حالة المجتمع المدني أو ثوار 17 تشرين هو على مستويين الأول فكري، والثاني عملي.

العجز العملي توصيفه سهل، إذ إن مجموعة صغيرة يستعرض بعضها على دراجات فاخرة أو سيارات رباعية الدفع ترفع شعارات باللغة الإنجليزية لا يمكنها الوقوف بوجه حزب الله بطبيعة الحال أو حتى السعي لقلب النظام، اللهم إلا إذا كان هدف الثورة قلب النظام وهو أمر ليس أكيدا. الثورة غاضبة أولا ثم فقيرة ومهمّشة وعنيفة وتسعى لقلب النظام بكل الوسائل المتاحة. هي سرّية تجتمع بالخفاء وتوزع بيانات وتسعى لزعزعة الاستقرار، مسلحة، تقاتل ويموت أبناؤها في المواجهة. هي ابنة الشعب الجائع الحاقد على الحكم القائم وعلى مستغليه. طبعا هذه أشياء لا يستطيع أن يقوم بها أصحاب الدراجات الفاخرة أو سيارات الدفع الرباعي أو المبدعون أو حتى حراك يعبّر عن مطالبه بلغة لن يفهمها الفقير الجائع المهمش وقود الثورة، أية ثورة.

إذا كان مبتغى هذا الاستعراض أن يقول إن لبنان الذي يسعى إليه «المستعرضون»هو لبنان الرفاهية مقارنة مع التزمت الديني الذي يمثله حزب الله وبيئته فهم مخطئون مرتين؛ أولا في اعتبار أن الشيعة الذين يوالون حزب الله لا يحبون الرفاهية. وثانيا في الإعراب عن رغبة في استعادة نموذج اقتصادي يقوم على الريع، فشل وانتهى ويرزح اليوم تحت ديون ضخمة لا يمكن لبلد مثل لبنان أن يتحمله، ومشاكل مالية كبيرة من الصعب جدا أن يتغلب عليها في المدى المنظور. وهذا عجز فكري يضاف إلى العجز العملي لتلك المجموعات التي تنسب لنفسها صفة الثورية.

للأسف يرى المتابع للحراك أنه أمام منافسة في الشعارات من دون أن يكون لتلك الشعارات أي وقع عملي على الأرض. مجرد كلام لا يترجم عمليا ولا تأثير له على مسار الأمور السياسية في البلد.

ما العمل إذن؟

انتظار الحلّ الآتي من الخارج والتأقلم معه. هذا ما حصل بعد الحرب الأهلية مع سيطرة نظام الأسد على مقدرات البلد وصحافته وسياسييه وهو ما حاصل اليوم مع إيران التي تتجه إلى الاتفاق مع الولايات المتحدة على تقاسم النفوذ مع إسرائيل وتركيا ربما.

لأن التخلص من الطائفية السياسية أحد أهّم المشاكل التي تعرقل عمل الحكومة، وقيام معارضة حقيقية والانتقال إلى المواطنة يبدو أمرا مستحيلا.