بايدن وإيران وسياسة الجزرة

العصا والجزرة مصطلح يستخدم بشكل كبير في مجال العلاقات الدولية، وخصوصا فيما يتعلق بسياسة الدول القوية تجاه دول أضعف، ويتراوح الأمر بين التهديد باستخدام القوة العسكرية وفرض عقوبات على دولة ما أو جهة ما وبين الوعود بإعطائها حوافز ومساعدات ورفع عقوبات.

منذ وصول الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض غلب على السياسة الخارجية الأميركية وخصوصا تجاه إيران سياسة الجزرة متجاهلين تماما لسياسة العصا. ومع اقتراب موعد الجولة السابعة من مفاوضات الملف النووي، التي تستضيفها العاصمة النمساوية فيينا، يزداد الحديث عن انقسامات بين الطرفين، وفي الوقت الذي يصر فيه الجانب الأميركي على ضرورة التغلب على هذه الخلافات والانقسامات، يتعامل الجانب الإيراني مع الأمر بتعنت، فتصر إيران مثلا على أن تدفع لهم واشنطن والقوى الغربية أموالاً مجمّدة بسبب العقوبات قبل الوصول إلى اتفاق، وكذلك رفضها مناقشة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وميليشياتها الإرهابية في المنطقة، هذه كله إضافة إلى استمرارها بتخصيب اليورانيوم مما قد يوصلها إلى السلاح النووي في وقت تلتزم فيه الإدارة الأميركية سياسة الجزرة رغم محاولاتها بالأقوال لا الأفعال الإيحاء بأنها لن تبقى مكتوفة الأيدي تجاه التهديدات الإيرانية.

فقد ذكر المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس في مؤتمر صحافي أنه إذا ما أظهرت إيران بأفعالها أو ردودها أنها لا تتمتع «بحسن نية وشفافية في الموقف»، فستضطر الولايات المتحدة إلى أن تلجأ إلى «طرقها الأخرى». ولكن هل يثق حقا حلفاء أميركا التقليديون فيما تقوله؟

لقد كان لافتا تصريح رئيس وزراء إسرائيل نفتالي بينيت الذي قال إنه «ليس منطقياً أن نطارد مَن ترسلهم إيران عبر فيلق القدس. علينا أن نصل إلى العنوان»، مضيفاً: «نأمل أن لا يتساهل العالم مع إيران، نحن نواجه فترة معقدة، وقد تكون هناك أيضاً خلافات مع الطيبين، حتى لو كانت هناك عودة للاتفاق النووي، فإن إسرائيل بالطبع ليست طرفاً في الاتفاقية وليست ملزمة بها. لن نكرر الخطأ الذي ارتكبناه بعد الاتفاق النووي الأول في 2015».

كذلك في حوار المنامة الذي انعقد قبل أيام في العاصمة البحرينية، والذي حضره وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، وحاول تبديد مخاوف وهواجس الحلفاء، ولكن يبدو دون جدوى. فرغم أنه تحدث عن  وجود «خيارات أخرى»للتعامل مع إيران في حال فشلت الدبلوماسية، وتأكيده أن بلاده «باقية لسنوات وسنوات في الشرق الأوسط»، إلا أن الرد جاء من رئيس الاستخبارات السعودية السابق، الأمير تركي الفيصل، الذي طالب في كلمته واشنطن «بالأفعال وليس فقط الأقوال»في دعمها لأصدقائها.

ولكن يبدو مع إصرار المسؤولين الأميركيين على التأكيد أن ثمة «طرقا أخرى»للتعامل مع إيران، إلا أن أحدا من حلفاء الولايات المتحدة التقليديين لم يعد يثق بهذه التطمينات.

فلقد بات واضحا أن الديمقراطيين فقدوا ثقة حلفاء أميركا التقليديين بسياساتها المتعلقة بالمنطقة، وإن كان كلام رئيس الوزراء الإسرائيلي هو الأشد وضوحا فيما يتعلق بتكرار خطأ 2015، إلا أن أيضا تصريحات وسياسات دول الخليج تدل على أن الحذر هو سيد الموقف فيما يتعلق بما قد تؤول إليه الأمور بين واشنطن وطهران.

فإدارة بايدن التي ترغب في التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، تحاول الإيحاء بأنها قادرة بعد ذلك على التفاوض مع إيران على باقي الملفات، فما الذي سيجبر إيران على التفاوض لاحقا حول نشاط ميليشياتها الإرهابية في المنطقة على سبيل المثال لا الحصر؟

لقد صار من الواضح أن ما يشغل إدارة بايدن هو الوفاء بوعودها الانتخابية مثل العودة إلى الاتفاق، فهناك مقولة تصف السياسة الأميركية وهي «all politics is local»،أي «كل السياسات محلية»، بمعنى أن كل ما يحرك السياسة في واشنطن يرتبط بشكل أو بآخر بأمور داخلية محلية. ومن هنا يمكن أن نسأل: هل وجدت دول الخليج أن الطريقة الأنسب في فتح حوار مباشر مع طهران، ولذلك رأينا انفتاحا إماراتيا على إيران وحوارا سعوديا إيرانيا، وهل في هذا الأمر «تسليم»بما ستصل إليه الأمور بين واشنطن وطهران كما يحاول البعض القول؟ أم إن الأمر يتعلق بمفاوضات مباشرة على أمور أساسية تقع على رأس قائمة الأولويات لهذه الدول بينما تراها واشنطن مواضيع قابلة للانتظار، ومنها زعزعة أمن المنطقة من خلال ميليشيات إرهابية تابعة لإيران؟

وماذا عن إسرائيل؟ هل ستخضع لضغوط من إدارة بايدن وتسلم بالوجود العسكري الإيراني مقابل ضمانها عدم حصول إيران على السلاح النووي؟

كلها تبقى احتمالات طالما أن الإيراني مستمر بتعنته، وطالما أن إدارة بايدن مستمرة بسياسة الجزرة متجاهلة سياسة العصا، والتي رأينا نتائجها يوم قررت شطب اسم الحوثيين عن قوائم الإرهاب، بما عللته حينها بالأسباب الإنسانية، ولم تتوقف من لحظتها ميليشيات الحوثي عن ممارسة الإرهاب وانتهاك كل ما له علاقة بالشؤون الإنسانية.