مصرُ... إلى أين؟

خلال النصف الثاني من فترةِ حكمِ حسني مبارك (من 1995 وحتى 11 فبراير/ شباط 2011) كنت أحدَ من عبّروا بالقلمِ واللسانِ عن الكارثةِ التى كانت تحدث وقتها. وأعني قيام الابن الأصغر لحسني مبارك بتكوينِ ما يسمى «أوليجاركيا السلطةِ والثروةِ»أي حلف أو عصبة الحكامِ والأثرياءِ. ومن حسن حظ المصريين أن الشهورَ الثلاثين من 25 يناير (كانون الثاني) 2011 إلى 3 يوليو (تموز) 2013 شهدت تحطمَ مشروعين كارثيين:

 

* مشروع وصولِ عصبةِ السلطة/ الثروة لحكم مِصر.

* مشروع حكمِ الإخوانِ لمصر وما كان سيقود مِصر له.

والمشروعان، إن قُدر لهما الحدوث/ الاستمرار كانا سيأخذان مِصر لمآلٍ بشعٍ ومصيرٍ مترعٍ بالخرابِ والتأخرِ والصراعاتِ الاجتماعية، بل وحربٍ أهليةٍ.

ورغم أهمية تحطم هذين المشروعين المخربين، فإن فسيفساء واقع المجتمع المصري تؤكد أن مِصر وإن كانت قد نجت من «حكم الإخوان»فإن عشرات الظواهر والحقائق تؤكد أنها لم تُنقذ من «فكر الإخوان»بعد. ففكر الإخوان تغلغل فى ذهنية ملايين المصريين، خلال «عقود السبات الثلاثة من 1981 إلى 2011»؛ فمبارك ومعظم قيادات سنواتِ حكمِه كانوا لا يفهمون غيرَ التعامل بالوسائلِ والأدواتِ الأمنية مع عدوهم وعدو مِصر الأول أي الإخوان. أما وضع وتنفيذ رؤية وسياسات لوقفِ تغولِ وتغلغلِ فكرِ الإخوان، فكانا غير متاحين بسببِ تواضع ثقافة وفكر جل قيادات مِصر خلال تلك السنوات الثلاثين.

وقد استفاد الإخوان لأبعدِ الحدودِ من ذلك الواقع.

فداخلياً، تواجدوا كدولة موازية قامت فى أحيانٍ غير قليلة بمهام الدولة. وواكب ذلك تعب كبير من خلال المساجد والخدمات الطبية/ الصحية والتعليمية.

وخارجياً، تواصلوا مع جهات ومؤسسات وحكومات عديدة وباعوا لهؤلاء صورة غير حقيقية عنهم وعن مشروعهم السياسي. وكانت الولايات المتحدة الأميركية أول أهدافهم، ونجحوا لحدٍ بعيدٍ فى تسويق أنفسهم لمعظم هذه الجهات.

ونظراً لأنني كنتُ (ولا أزال) أدعى للحديثِ ببرلمانات وجامعات ومراكز البحوث والدراسات الشرق أوسطية بمعظم دول أوروبا وأميركا الشمالية وأستراليا، فقد كنتُ ألمس آثار عملهم الدؤوب والذي كانوا يوظفون كبار المحامين والعديد من المؤسسات لمساعدتهم فى ترسيخ صورة لهم تحظى بالقبولِ وفق معايير هذه الدول ومجتمعاتها.

وعودة لمصر، فإنني مع إدراكي لقيمةِ إنقاذ مِصر من المشروعين اللذين ذكرتُهما فى بدايةِ هذا المقال، ومع معرفتي بحجم وضخامة وأهمية ما أُنجز فى العديدِ من المشروعاتِ، فإنني أدركُ أن «الأهمّ»ما زال ينتظر أن يُنجز، وأعني وضع وتنفيذ مشروع ثقافي/ تعليمي/ إعلامي يكون قادراً على استئصال جرثومةِ فكرِ الإخوان من ثنايا العقل الجمعي المصري، وهو ما يستحيل تحقيقه للمراد والمأمول ما لم يواكبه تجديدٌ كلي (كامل وشامل) للخطابِ الديني.