خبير اقتصادي: أمام الاقتصاد السوري مشوار طويل قبل أن يتمكن من استعادة عافيته

زياد غصن

 القامشلي: على الرغم من تراجع حدّة العمليات العسكرية في سوريا، لكن اقتصاد هذه البلاد التي تشهد حرباً طاحنة منذ نحو عقدٍ من الزمن، لا يزال هشاً، ويواجه تحدّياتٍ كبرى خلّفتها الحرب التي شاركت فيها أطراف دولية وإقليمية، علاوة على لاعبين محليين.
ومع الهدوء النسبي الذي تشهده الأراضي السورية، تعود مسألة إعادة الإعمار إلى الواجهة مرةً أخرى سيما مع محاولات الانفتاح العربي على دمشق، إلى جانب قضايا اقتصادية أخرى.
وقال زياد غصن، الإعلامي والمحلل الاقتصادي السوري، إن
«موارد البلاد من القطع الأجنبي تراجعت نتيجة الحرب»، كاشفاً أن «تأمين مصادر جديدة للقطع الأجنبي تتعلق باستعادة الحكومة سيطرتها على حقول النفط والغاز».
وإليكم النص الكامل للمقابلة التي أجرتها
«المجلة»هاتفياً مع غصن المقيم في العاصمة السورية:

 

* لماذا طالب المصرف المركزي، طلبة الجامعات الخاصة بدفع رسومهم المحددة بالليرة السورية، بالقطع الأجنبي؟

- القرار الأخير الصادر عن مجلس النقد والتسليف حدد بوضوح أن الطلاب السوريين المقيمين ومن في حكمهم يسددون رسوم تسجيلهم لدى الجامعات الخاصة بالليرة السورية. أما الطلاب السوريون غير المقيمين والعرب والأجانب فيسددون رسوم تسجيلهم بالقطع الأجنبي (الدولار الأميركي- اليورو). وتضمن القرار إجراءات محددة لإدارة وضبط القطع الأجنبي الناجم عن رسوم التسجيل في الجامعات الخاصة. وتالياً فالقرار هو إجراء تنظيمي لا أكثر، بالنظر إلى أن تسديد الطلاب السوريين غير المقيمين والعرب والأجانب لرسوم تسجيلهم في الجامعات الخاصة كان يتم سابقا بالقطع الأجنبي.

 

* هل من الممكن تأمين وسائل جديدة يستطيع المصرف المركزي من خلالها تأمين القطع الأجنبي؟

- تراجعت كثيراً موارد البلاد من القطع الأجنبي خلال سنوات الأزمة نتيجة الضرر الهائل الذي لحق بالقاعدة الإنتاجية، وانخفاض الصادرات، وخروج حقول النفط عن سيطرة الحكومة السورية، والشلل الذي أصاب السياحة، والعقوبات الاقتصادية الغربية التي أعاقت تحويلات المغتربين والعاملين السوريين في الخارج.

لذلك فإن مسألة تأمين مصادر جديدة للقطع الأجنبي مرتبطة باستعادة الحكومة سيطرتها على حقول النفط والغاز في المنطقة الشرقية، وزيادة كميات الصادرات السورية إلى الأسواق الخارجية لا سيما مع مؤشرات انفتاح عربي على سوريا، وتخفيف العقوبات الغربية التي أثرت سلباً على الوضع الاقتصادي والمعيشي للأسر السورية، لاسيما وأن نسبة ليست بالقليلة تعتمد في دخلها وتأمين احتياجاتها الأساسية على التحويلات الخارجية من الأهل والأقارب.

لكن تحقيق ما سبق يحتاج إلى تعاون إقليمي ودولي، وهذا يبدو أنه لن يتوفر إلا مع التوافق على حل سياسي للأزمة السورية، يضمن وحدة أراضي البلاد وسيادتها على مواردها وثرواتها.

 

* كيف تؤثر البطالة على الاقتصاد السوري وكم هي نسبتها اليوم؟
- حقق معدل البطالة في سوريا خلال سنوات الأزمة مستويات مخيفة وصلت في بعض السنوات إلى أكثر من 55 في المائة وفقاً لتقديرات بحثية مستقلة، وإلى أكثر من 48 في المائة  بحسب بيانات المكتب المركزي للإحصاء عام 2015 (تقديرات ما قبل الأزمة كانت تشير إلى أن معدل البطالة هو بحدود 8.5 في المائة). وهذا الأمر كان نتيجة طبيعية لخروج آلاف المعامل والورش الصناعية والحرفية من الخدمة، وتوقف زراعة مساحات واسعة من الأراضي بفعل الحرب والعقوبات وارتفاع التكاليف. لكن المعدل بدأ في التراجع منذ العام 2016 على خلفية استعادة الحكومة سيطرتها على مناطق واسعة من البلاد، وعودة العديد من المنشآت للعمل والإنتاج من جديد، حيث سجل المعدل في العام 2019 حوالي 31 في المائة بحسب البيانات الرسمية.

أسهم ارتفاع معدل البطالة خلال الفترة السابقة في تضرر مصدر دخل الكثير من الأسر السورية التي وجدت نفسها عاجزة عن تأمين احتياجاتها الأساسية، وهذا كان سبباً مباشراً في ارتفاع معدل الفقر أيضاً. كما أن ارتفاع معدل البطالة دفع بآلاف الشباب القادرين على العمل إلى الهجرة بحثاً عن فرصة عمل، ولتخسر بذلك البلاد نسبة لا يستهان بها من قوة عملها الشابة، والكثير من الكفاءات والخبرات التي دفعت البلاد تكاليف مالية كبيرة لتأهيلها وإعدادها.

 

* باعتقادكم، كيف يمكن المحافظة على استقرار سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية؟

- ضبط وتحسين سعر استقرار سعر صرف الليرة السورية مدخله الأساسي زيادة الإنتاج المحلي بما يحقق للبلاد اكتفاء ذاتياً من السلع والمحاصيل الرئيسية التي كانت سوريا مشهورة بإنتاجها، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى تخفيض فاتورة استيراد بعض السلع كالقمح مثلاً، فضلاً عن زيادة كمية الصادرات المتجهة إلى الأسواق الخارجية، وتالياً زيادة كميات القطع الأجنبي الداخلة إلى البلاد.

كما أن تحسين سعر الصرف يحتاج إلى إعادة استقطاب الحوالات الخارجية باعتبارها مصدراً مهماً للقطع الأجنبي، لتدخل البلاد عير القنوات المصرفية المرخصة، إذ إن ارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي في السوق غير النظامية مقارنة بسعر الصرف الرسمي المعتمد، والعوائق التي تضعها بعض الدول أمام السوريين الراغبين في تحويل مبالغ مالية إلى أقاربهم، عاملان يسهمان في اعتماد التحويلات الخارجية على القنوات غير النظامية.

 

* وهل يمكن للاقتصاد السوري العودة للمستوى الذي كان عليه قبل الحرب الحالية خاصة مع إغلاق مصانع ومعامل وخروج أصحابها من البلاد؟
- الحديث يجري اليوم عن إجراءات متتابعة لتحسين الواقع الاقتصادي والإنتاجي، وإعادة استقطاب الأموال السورية والأجنبية للاستثمار في عملية إعادة الإعمار، التي تحوي اليوم قائمة طويلة من الفرص الاستثمارية الهامة، ولهذه الغاية صدر مؤخراً قانون جديد للاستثمار يتضمن مجموعة واسعة من التسهيلات والمزايا التي تأخذ بعين الاعتبار تأثيرات الأزمة واحتياجاتها. المرحلة التالية، إعفاء المواد الأولية الداخلة في الصناعة من الرسوم الجمركية، وإصدار تشريعات جديدة لمنح قروض ميسرة لدعم وتشجيع المنشآت الصغيرة والمتوسطة.

لكن يبدو أن هناك مشواراً طويلاً قبل أن يتمكن الاقتصاد السوري من استعادة ما كان عليه قبل الأزمة، والتي أضاعت ما يزيد على أربعة عقود من التنمية، فإلى جانب توفير البيئة التشريعية المناسبة فإن هناك أولويات أخرى يجب العمل عليها، تتعلق بمعالجة إفرازات الأزمة وسلبياتها الكثيرة، وتوفير حوامل الطاقة، وخفض التكاليف، وتحسين القوة الشرائية لزيادة الاستهلاك، وغيرها.


مقالات ذات صلة