الانهيارات الأرضية في إيران... خطر لا يؤخذ على محمل الجد

أدّت إلى تدمير البيئة ونزوح قسري للمواطنين من مناطقهم
نصف السهول في إيران معرّضة للانهيارات الأرضية

واشنطن: تتعرض خزانات المياه الجوفية في إيران لاستنزاف كبير، ويتراجع رصيدها بشكل لافت بسبب سوء إدارة الموارد المائية والحفر العشوائي للآبار، ما أدّى إلى مشكلة كبيرة أخرى وهي الانهيارات الأرضية.

فقد قالت منظّمة المسح الأرضي الإيرانية، بأنّ 29 محافظة إيرانية من أصل 31 محافظة أكثر عرضة للانهيارات الأرضية، منها طهران وكرمان ومشهد وأصفهان.

وبلغ خطر الانهيارات الأرضية في إيران مستوى حذّر فيه الخبراء من أنّ الوقت يداهم الإيرانيين من أجل الحد من هذه الظاهرة وإدارتها. وقال رئيس لجنة معنية بتقييم مخاطر الفيضانات وإدارتها مصطفى فدائي فر بأن الانهيارات الأرضية «ستؤدي إلى نزوح 37 مليون مواطن من مناطقهم».

 

طهران حطّمت رقماً قياسياً في عدد الانهيارات الأرضية

ويعتقد السكرتير التنفيذي لمشروع تنمية وإعادة تأهيل المياه الجوفية في إيران عبد الله فاضلي في حوار مع جريدة «همشهري» أن نصف السهول في إيران معرّضة للانهيارات الأرضية، مضيفاً: «ِإذا قمنا بدراسات أكثر فسيتبين أن 80 في المائة من السهول في إيران تتعرّض حالياً للانهيارات الأرضية خاصة في العاصمة طهران، التي حطمت رقما قياسيا عالميا بهذا الشأن وتعرضت عدة مناطق في الجنوب والجنوبي الغربي في العاصمة إلى انهيارات أرضية خلال الأشهر الماضية».

وقال رئيس لجنة التخطيط العمراني لمجلس بلدية مدينة طهران أحمد دنيا مالي في حوار مع صحيفة «اعتماد» نشر يوم الأحد (10 أكتوبر/ تشرين الأول) إن حوادث الانهيارات الأرضية في طهران تشهد زيادة كبيرة قد تدق «ناقوس الخطر» قريبا.

ويرى المراقبون أنّ الجفاف والاستنزاف الجائر للمياه الجوفية يشكلان أهم الأسباب التي تؤدي إلى الانهيارات الأرضية في إيران.

ولكن لماذا أصبحت الانهيارات الأرضية واسعة النطاق في البلاد؟

يقول خبير الموارد المائية المهندس خوسرو بندري في حوار مع «المجلة»: «لقد حذّر الخبراء مراراً وتكراراً منذ سنوات كثيرة من مغبة الإدارة الفاشلة للموارد المائية والمستقبل القاتم للمزارعين. لقد كتبت مقالاً منذ سنوات عدة حول أزمة المياه في إيران وقلت فيه إن هذه الأزمة التي أدت إلى الفقر والهجرة من الريف إلى ضواحي المدن الكبيرة، ستشكل أكبر تهديد للسلطة الحاكمة. نعلم جميعا أن المشاكل والأمراض الاجتماعية وغير الاجتماعية في إيران تحولت إلى أزمات كبيرة بسبب سوء إدارة السلطة بشكل متعمد أو غير متعمد. هناك تحديات وقتية على غرار فيروس كورونا الذي سيختفي يوماً ما وهناك مشاكل مزمنة ومستعصية».

 

نزوح قسري للإيرانيين

صرح رئيس لجنة معنية بتقييم مخاطر الفيضانات وإدارتها مصطفى فدائي فر، في حوار مع وكالة «إيلنا» للأنباء: «يعتبر النزوح القسري لأكثر من 37 مليون مواطن في إيران من أهم الآثار (المتوقعة) للانهيارات الأرضية في البلاد».

وأشار المهندس بندري إلى عواقب الانهيارات الأرضية، موضحاً: «يشكل إنشاء السدود العشوائية والعديدة بمختلف الأحجام وعدم وصول المياه إلى السهول السطحية الواسعة والآبار العشوائية واستنزاف المياه الجوفية مصدر تهديد للموارد المائية مما أدى في النهاية إلى جفاف العديد من الآبار في القرى ووقوع الانهيارات الأرضية ونزوح العديد من سكان القرى بسبب الفقر وعواقب مدمرة لا رجعة فيها. وأؤكد أن هذا التحدي سيكون من أهم الأسباب التي تركع السلطة الحاكمة».

وحول السياسة الحكومية بشأن مكافحة الانهيارات الأرضية وإدارتها في إيران يعتقد بندري أنّ «كل القطاعات والمتخصصين الذين يؤدون دوراً في إدارة الموارد المائية والزراعية والنظام البيئية في إيران على غرار المسؤولين في السلطة والمخططين وأرباب العمل والمهندسين والمنفذين والمستشارين والمقاولين والباحثين والمنتقدين وأساتذة الجامعات و...على عاتق كل منهم مسؤولية هذه الكارثة التي لا يمكن إصلاحها والتعويض عنها حسب قدراتهم ونفوذهم. وفق تجربتي الطويلة في إدارة الموارد المائية والأراضي وتنميتها أعتقد أن أغلب الخبراء والمراقبين في الفئات المذكورة يحاولون العمل بما يجب القيام به غير أن الموارد المائية والنظام البيئي وموارد التربة تتعرض لاستنزاف كبير حيث لا يمكن إصلاح جزء كبير منها».

 

وتدمير البيئة وزيادة مضطردة للمهاجرين

وأضاف المهندس بندري أن هناك جانبا أهم لا يتم الاهتمام به وهو ظروف سكان القرى الذين يضطرون لمغادرة أراضيهم متوجهين لضواحي المدن الكبيرة. إن الظروف الحرجة لموارد المياه والتربة والانهيارات الأرضية التي تشهدها المدن بسبب استنزاف المياه الجوفية وهجرة المزارعين إلى ضواحي المدن بسبب الفقر تؤدي أيضا إلى انخفاض حاد في الإنتاج الزراعي وتدمير البيئة وزيادة مضطردة للمهاجرين الفقراء حيث إن المدن الكبيرة غير قادرة على استيعاب هذه الموجة الكبيرة من القادمين إليها.

 كما أن هذه الهجرات الكبيرة من القرى إلى المدن تؤدي عادة إلى تحديات اجتماعية وبيئية مستعصية ومدمرة.

وتقع المسؤولية على عاتق الجماعات والكيانات المتنفذة في أركان الحكم والتي لا تنفك تعمل على استنزاف كل الموارد الطبيعية دون أن يكون لهم خطط ورؤية بعيدة المدى حول الموارد الطبيعية والنظام البيئي».

وقال بندري «إن رجال الدين خاصة أئمة الجمعة والمنتمين إلى منظمات الحرس الثوري والتعبئة على غرار شركة خاتم الأنبياء هم المتهمون الرئيسيون في الإهمال وسوء الإدارة التي أدت إلى الانهيارات الأرضية وتدهور الأراضي الزراعية».

وتابع: «السحب المفرط للمياه الجوفية وجفاف آبار قليلة العمق للمالكين الصغار هو أساس مشاكل المياه والتربة في إيران. المالكون الصغار هم الأصحاب الحقيقيون للأراضي وموارد المياه فيها».

 

ازدادت الانهيارات الأرضيّة بسبب سوء إدارة الموارد المائية والحفر العشوائي للآبار

 

 

وأضاف: «تطورت هذه المشكلة لأن أئمة الجوامع في المحافظات يمارسون ضغوطاً على رؤساء مؤسسات المياه المحلية لإصدار تراخيص لحفر الآبار خاصة العميقة منها مما يؤدي إلى استنزاف المياه الجوفية. هناك ضغوطات تمارس أحيانا مباشرة من قبل مندوبي البرلمان وقيادات الحرس الثوري في المحافظات على وزير الطاقة. يؤدي سحب المياه الجوفية فوق السقف المحدد إلى انهيارات أرضية لا يمكن إصلاحها. تشبه خزانات المياه الجوفية وعاء طينيا بحجم السهول وهي مليئة بالرمال وصخور صغيرة ويمكن تعبئتها بالمياه. تغطي التربة هذا الوعاء ويسكن الناس على هذه التربة ويعملون في الزراعة وحفر الآبار. أدت مضخات المياه إلى زيادة القدرة على سحب المياه الجوفية بشكل أكبر وقام المهندسون والخبراء بتحديد سقف لعملية سحب المياه. يمتلئ هذا الوعاء سنويا بواسطة الأمطار. ويتم تحديد سقف سحب المياه الجوفية بناء على الحد الأدنى السنوي للأمطار».

 

سهول أصفهان وكاشان الأكثر تضرّراً

وتابع: «إن الأمطار ليست كافية لملء طبقات المياه في إيران. لماذا؟ بسبب الإهمال وعدم الأخذ بآراء الخبراء حول الواقع وسبل المعالجة واستغلال السلطة والسحب غير الآمن وغير المدروس للمياه الجوفية من باطن الأرض وخصوصا إذا كان تواجد المياه الجوفية قريبا من الأساسات الخرسانية مما يتسبب في حدوث انهيارات جزئية للمباني القريبة منها وتآكل أجزاء منها. إذن، نحن أمام مشهد انخفض فيه حجم المياه الجوفية بملايين الأمتار المكعبة. السهول في أصفهان وكاشان الأكثر تضررا حاليا حيث وقعت تصدعات وتشققات في العديد من المواقع التاريخية على غرار جسر الثلاث والثلاثين (33 بول) في أصفهان».

تتصاعد التحذيرات بشأن السحب المفرط للمياه الجوفية في إيران، وقال الأستاذ الجامعي في جامعة طهران بهرام ملك محمدي في مؤتمر «أزمة كمية وجودة المياه في إيران؛ الأسباب والحلول» إن إنشاء الآبار وسحب المياه الجوفية شهدا مسارا تصاعديا من 1966 حتى 2015 حيث سجلت عملية إنشاء الآبار زيادة بنسبة 61.9 في المائة خلال الـ15 عاما الماضية».

وقال المهندس بندري: «لقد تسببت سياسة بناء السدود المرتفعة وغير المرتفعة والتعدي على حصة المزارعين من المياه في السهول السطحية في زيادة الفقر وارتفاع مستوى الهجرة إلى ضواحي المدن وحمل المدن ما فوق طاقتها وألحق ضررا بمستوى معيشة سكان المدن ونقصا في المستلزمات والخدمات العامة على غرار المياه والكهرباء والصحة وأدى إلى خلل في الجانب الثقافي والاجتماعي والبيئي للمدن».

ويعتقد الخبير في الموارد المائية حول الحلول المتاحة للحد من الانهيارات الأرضية: «ِإن الجزء الأكبر من الخسائر والأضرار التي ألحقتها المؤسسات الحاكمة التي لا تتحمل مسؤولياتها لا يمكن إصلاحها.

لقد عمل النظام الحاكم من خلال سياسات غير سليمة على تدمير البيئة وموارد المياه والتربة والأراضي الزراعية.

ويبقى الحل الوحيد للحد من هذه الأضرار هو تقليم أظافر هذه المؤسسات. يجب في البداية أن يكون المدراء والرؤساء في كل القطاعات من أصحاب التخصص والخبراء في تلك القطاعات. لا تستطيع منظمة التخطيط والميزانية التخطيط لإدارة الموارد المائية والتربة ولا يتم تعيين وزراء ومدراء تنفيذيين متخصصين ومؤهلين في المناصب المهمة بهدف تنفيذ الخطط والبرامج. وبالتالي لا يمكن تقديم حلول عملية للخروج من الأزمة في ظل هذه الظروف لأن المقترحات لا تنفذ. وتابع: «لست متفائلاً بكف التيارات المهيمنة في أركان النظام عن التدخل. وفي النهاية فهذه التيارات والجماعات المسيطرة هي التي خلقت هذه الأزمات والتحديات».

وأضاف بندري: «يجب في البداية أن تقوم السلطات بتجميد كافة مشاريع تخزين مياه التساقطات والسطحية منها خزانات المياه على كافة مستويات التشييد والتنفيذ ويجب إعطاء الأولية لبناء السدود على مجاري الأنهار والمسطحات المائية ومجاري تصريف المياه».

وقال: «لدينا مشاكل وتحديات عديدة تتعلق بتملك الأراضي وبالتالي لا يتم الاهتمام بتنظيم وتنفيذ مشاريع مجاري الصرف الصحي تحت الأرض. يجب في البداية إيجاد حلول تصميمية شاملة ومتكاملة لمجاري تصريف المياه وإعطاء حصة المزارعين من الموارد المائية. ينبغي دعم شركات متخصصة في إدارة الموارد المائية وبناء السدود على غرار شركات (مهاب قدس)، و(قدس نيرو)، و(سابير) لتحديد حصة المزارعين وتنفيذ مشاريع تصريف المياه».

أعلنت منظمة الجيولوجيا في إيران بأن خطر الانهيارات الأرضية بات منتشرا في كل المحافظات باستثناء محافظتي مازندران وغيلان الشماليتين.

وقال مرکز أبحاث الطرق والإسكان والتخطيط العمراني في إيران إن إيران لديها أقل من 10 أعوام للحد من الانهيارات الأرضية والسيطرة عليها وإذا لم تعتمد السلطة الحاكمة سياسات مناسبة في أسرع وقت ممكن فإن البلاد ستتجه نحو المزيد من الأزمات في الأمن الغذائي والزراعة والهجرة.


مقالات ذات صلة