بين الاتحاد الأوروبي وبيلاروسيا... اللاجئون ذخيرة حرب غير إنسانية

المأساة تسقط المهاجرين جثثاً هامدة واحداً تلو الآخر
هدد الرئيس البيلاروسي في يوليو (تموز) بـ«إغراق» الاتحاد الأوروبي بتجار البشر ومهربي المخدرات والمهاجرين المسلحين

بون: نشبت أزمة الحدود بين بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي، خلال عام 2021 في أعقاب تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين، بشكل رئيسي من الشرق الأوسط وأفريقيا، إلى ليتوانيا ولاتفيا وبولندا عبر حدود تلك البلدان مع بيلاروسيا. يذكر أن الأزمة تعود إلى تدهور في العلاقات بين بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي، بعد الانتخابات الرئاسية البيلاروسية لعام 2020، والاحتجاجات البيلاروسية 2020-2021، وحادثة رحلة «خطوط رايان 4978» والعقوبات المفروضة عليها، ومحاولة الإعادة القسرية للمعارض كريستسين تسيمانوسكايا.

 

توتر العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وبيلاروسيا

هدد الرئيس البيلاروسي يوم 7 يوليو (تموز) 2021 بـ«إغراق» الاتحاد الأوروبي بتجار البشر ومهربي المخدرات والمهاجرين المسلحين. وفي وقت لاحق، بدأت السلطات البيلاروسية والشركات السياحية التي تسيطر عليها الدولة، جنبًا إلى جنب مع بعض شركات الطيران العاملة في الشرق الأوسط، في الترويج للجولات إلى بيلاروسيا من خلال زيادة عدد الاتصالات من الشرق الأوسط ومنح تأشيرات بيلاروسية لأغراض سياحية.

ولوح الاتحاد الأوروبي يوم 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 بإدراج شركات الطيران المرتبطة بتدفق الحدود على القائمة السوداء يقترح مشروع القانون عقوبات سواء كان التورط في محاولات زعزعة الاستقرار متعمدًا أم لا نشر الاتحاد الأوروبي مشروع قانون من شأنه أن يضع شركات الطيران وشركات السفر التي تنقل الأشخاص إلى دول على حدوده في القائمة السوداء كجزء من محاولات زعزعة استقرار الكتلة، في أحدث رد له على الأزمة على الحدود بين بولندا وبيلاروسيا.

الاقتراح لا يحدد بيلاروسيا، التي اتهم زعيمها، ألكسندر لوكاشينكو، بالتخطيط لوصول آلاف الأشخاص إلى الحدود البولندية، حيث ظهر وضع إنساني يائس في الأسابيع الأخيرة الاقتراح، يمكن أن يؤدي إلى حظر الشركات من الطيران عبر الاتحاد الأوروبي والهبوط والتزود بالوقود في مطارات الاتحاد الأوروبي، بغض النظر عما إذا كانت مشاركتها في محاولات زعزعة الاستقرار متعمدة أم لا.

وفي هذا السياق هدد زعيم بيلاروسيا يوم 11 نوفمبر 2021 بقطع إمدادات الغاز عن أوروبا إذا فُرضت عقوبات بسبب أزمة المهاجرين المتصاعدة على الحدود الغربية للبلاد. ويتواجد آلاف الأشخاص، معظمهم من العراق وسوريا واليمن، على الحدود مع بولندا، ويعانون من ظروف متجمدة على أمل العبور إلى الاتحاد الأوروبي. واتهم مسؤولو الاتحاد الأوروبي بيلاروسيا بإثارة الأزمة لتقويض أمنها، وهو ادعاء تنفيه روسيا.

وحث زعماء دول البلطيق يوم 16 نوفمبر 2021 الاتحاد الأوروبي على «معاقبة بيلاروسيا على الإتجار بالبشر» 2021، وحث رؤساء ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا المجتمع الدولي على تحميل نظام لوكاشينكو المسؤولية عن الإتجار بالبشر، خلال مؤتمر صحافي مشترك في فيلنيوس. ودعا قادة دول البلطيق إلى تشديد سياسة اللجوء في الاتحاد الأوروبي، وحثوا المسؤول التنفيذي في الاتحاد الأوروبي المتردد حتى الآن على تقديم الدعم المالي الكافي للاتحاد الأوروبي لبناء الحواجز المادية والبنية التحتية. وقال رئيس ليتوانيا، جيتاناس نوسودا: «يمكننا أن نرى كيف يتدهور الوضع على حدود ليتوانيا. هذا الوضع يتطلب حلولًا وإجراءات فورية على المستويين الأوروبي والدولي. التهديد المتزايد على الحدود مع بيلاروسيا ليس فقط مشكلة ليتوانيا وبولندا نحن نحمي الخارج»، حدود الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. وأضاف نوسودا أن ليتوانيا مستعدة لدعم بولندا إذا قامت بتنشيط المادة 4 لحلف شمال الأطلسي لطلب المشاورات، وهو ما يمكن لأي دولة عضو القيام به إذا اعتقدت أن «سلامة أراضيها أو استقلالها السياسي أو أمنها» في خطر.

وردًا على ذلك، ورد أن الاتحاد الأوروبي يخطط لمجموعة جديدة من العقوبات، لكن الرئيس ألكسندر لوكاشينكو حذر من أنه «إذا فرضوا عقوبات إضافية علينا... فيجب أن نرد».

 

لاجئون «تمنوا الموت» في غابات بيلاروسيا (أ.ف.ب)

 

معاناة المهاجرين كبيرة

كانت معاناة المهاجرين كبيرة من بيلاروسيا إلى داخل حدود الاتحاد الأوروبي، الوثائقيات وتحديدا داخل دول أوروبا كشفت حجم المعاناة، ووقع الكثير منهم ضحية مهربي البشرـ عائلات تقطعت بها السبل داخل الغابات على الحدود بين بولندا وبيلاروسيا. تضطر العائلات التي قامت بالرحلات من الدول التي مزقتها الحرب، بما في ذلك أفغانستان والعراق واليمن، إلى لف نفسها في أكياس نوم والتجمع معًا للدفء مع انخفاض درجات الحرارة. ويقوم متطوعون ونشطاء بولنديون بتقديم الحساء والملابس في الظلام، وتجنب استخدام المصابيح الكهربائية حتى لا يجذب انتباه حرس الحدود البولنديين، الذين يقولون إنهم سيجبرون المهاجرين على العودة عبر الحدود إذا تم العثور عليهم. ولم يأكل بعض المهاجرين لأيام عندما وصل المتطوعون إليهم.

تقول آنا ألبوث، وهي ناشطة وعضوة في مجموعة «جرانيكا»، وهي شبكة بولندية من أربع عشرة منظمة غير حكومية تساعد المهاجرين: «الناس يتضورون جوعاً وليس لديهم أي شيء، يجب أن تكون هناك مساعدة منهجية من المنظمات الإنسانية».

تشعر المنظمة الدولية للهجرة (IOM) بقلق بالغ إزاء الظروف الأليمة التي يواجهها المهاجرون على الحدود بين الاتحاد الأوروبي وبيلاروسيا، وتقول إن التقارير التي تتحدث عن عمليات صد المهاجرين عبر الحدود، بما في ذلك العائلات والأطفال، وعدم توفر سبل الوصول الملائمة للجوء لأولئك الذين يسعون للحصول على الحماية الدولية، فضلاً عن المأوى والمساعدة، تثير القلق بشكل خاص. وتراقب المنظمة الوضع عن كثب وتشدد على أنه لا ينبغي استغلال المهاجرين، وأن حمايتهم واحترامهم لحقوق الإنسان يجب أن يكونا في صميم أي استجابة من الدول. وأن إدارة الحدود يجب أن تتماشى مع التزامات الدول بموجب القانون الدولي والإقليمي.

 

الحدود بين بيلاروسيا وبولندا

أدان أعضاء غربيون في مجلس الأمن الدولي بيلاروسيا يوم 12 نوفمبر 2021 لتصعيدها أزمة المهاجرين على حدودها مع بولندا. وفي بيان شديد اللهجة أدان أعضاء غربيون في مجلس الأمن الدولي بيلاروسيا لتصعيدها أزمة المهاجرين واتهموا بيلاروسيا باستخدام المهاجرين لزعزعة استقرار الحدود الشرقية للاتحاد الأوروبي. ورفضت روسيا، الحليف الرئيسي لبيلاروسيا، الاتهامات. وفي وقت سابق من هذا العام 2021 ، هدد رئيس بيلاروسيا بقطع إمدادات الغاز عن أوروبا إذا فُرضت عقوبات جديدة. يذكر أن آلاف الأشخاص، كثير منهم أكراد وصلوا من الشرق الأوسط، يخيمون على الحدود مع بولندا، ويعانون من ظروف قاسية على أمل العبور إلى الاتحاد الأوروبي. والمهاجرون هم في الغالب من الشباب- ولكن هناك أيضًا نساء وأطفال.

 

مراقبة حدود الاتحاد الأوروبي

نشرت بولندا 20 ألفا من حرس الحدود والجنود على الحدود مع بيلاروسيا. وكان الرد الأوروبي «مركّزًا على الأمن ومشحونًا سياسيًا»، حيث اتهمت الأمم المتحدة دول الاتحاد الأوروبي بالفشل في التعامل مع حقوق الإنسان للأشخاص على الحدود باعتبارها مصدر القلق الرئيسي. أثار القادة الأوروبيون مخاوف من أن الوضع قد «يتحول إلى أزمة عسكرية»، مع إصرار بولندا على أن بيلاروسيا تسعى إلى إشعال «مواجهة كبيرة». استخدم حرس الحدود البولنديون الغاز المسيل للدموع في صد الأشخاص الذين زُعم أنهم حاولوا قطع الأسلاك الشائكة أو هدم السياج. كما دعت ألمانيا الاتحاد الأوروبي إلى «اتخاذ إجراءات» لتأمين الحدود الشرقية، واعتبرت ألمانيا أن الهجرة «سلاح» أو «هجوم هجين». تدعي السلطات أن 4000 شخص على الحدود، و10000 آخرين ينتظرون في الغابة، وحاول 17300 شخص عبور الحدود في أكتوبر (تشرين الأول) وحده، وفقا لتقرير صادر من المجلس الأوروبي لمساعدة اللاجئين يوم 12 نوفمير بعنوان: «أوروبا تنشر قواتها عند الحدود».

 

اتفاقية شينغن

تم توقيع الاتفاقية بتاريخ 14 يونيو (حزيران) 1985 من قبل خمس دول (ألمانيا، فرنسا، بلجيكا، هولندا، لوكسمبورغ)، أخذت اسمها من بلدة «شينغن» في لوكمسبورغ. دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في 26 مارس (آذار) عام 1995. ووقعت على الاتفاقية دول ليست من الاتحاد الأوروبي (سويسرا، ليشتنشتاين، النرويج، أيسلندا). وحددت اتفاقية شينغن كيفية وإمكانية مراقبة الحدود لفترة مؤقتة وفقا للمادة (29) في اتفاقية شينغن. وتعد هي الأساس القانوني لإدراج مراقبة تتجاوز الشهرين، وذلك عندما يكون هناك خلل كبير ومستمر في مراقبة الحدود الخارجية، يهدد عمل المنطقة دون مراقبة الحدود الداخلية، ومنذ عام 2008 كانت إعادة إجراءات مراقبة الحدود الداخلية تكاد تكون منعدمة.

تضمن اتفاقية شينغن حرية التنقل بين البلدان الأطراف فيها، إذ لا يحتاج المرء لتأشيرة دخول ولا يخضع للتفتيش أو السؤال عن جواز سفره. غير أن الحالة الوحيدة التي يتوجب فيها إظهار وثيقة السفر عند دخوله أول بلد في شينغن، الذي يعرف باسم الحدود الخارجية للمنطقة، حيث يصدق جواز السفر بختم صادر عن هذا البلد الذي دخله. وعند عبور حدود إضافية داخل منطقة شينغن، لن يتم التحقق من أي وثائق، أو طبع أختام.أما بالنسبة للاجئين فإنهم غالبا ما يحصلون في البداية على تصريح إقامة مؤقت حتى البت في طلب لجوئهم. لكن هذا التصريح لا يسمح لهم بالتنقل بين دول الاتفاقية، لكن بمجرد منحهم حق اللجوء، يمكنهم السفر والتنقل بحرية بين جميع دول منطقة شينغن باستخدام وثائق اللجوء الخاصة بهم.

وتحافظ ست دول أوروبية على الرقابة الداخلية المؤقتة على الحدود والتي تم تمديدها بشكل مستمر لأشهر بسبب مخاوف فيروس كورونا والهجرة والهجمات الإرهابية، وتظهر قائمة الهجرة والشؤون الداخلية التابعة لمفوضية الاتحاد الأوروبي بشأن إعادة الإدخال المؤقت لمراقبة الحدود أبرزها النرويج وفرنسا وألمانيا والنمسا.

 

بولندا تتهم بيلاروسيا بإجبار اللاجئين على العبور إلى حدودها

 

وكالة «فرونتكس»

استفادت وكالة «فرونتكس» من استثمارات الاتحاد الأوروبي المالية في الطائرات المسيرة (درونز). ومن برامج «فرونتكس» تدريب قوات حرس حدود الدول الأعضاء وكذلك من خارج الاتحاد، لتحسين كفاءتها في الحد من تدفق اللاجئين إلى قارة أوروبا والمساعدة على ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية. وتتوافر قوة دائمة لتحسين حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي في ظل الهجرات غير الشرعية منذ عام 2027، والمكونة من (10) آلاف عنصر بين حرس حدود وخفر سواحل سلطات لمراقبة وحماية الحدود الخارجية لمساندة الدول التي تواجه تدفق المهاجرين. وتضم القوة الدائمة 5 آلاف عنصر عام 2021، قبل أن يزداد عديدها تدريجيا. ويكون بمقدور عناصر حرس الحدود «التحقق من وثائق الهويات الشخصية، والتصريح بالدخول أو رفض الدخول إلى نقاط عبور حدودية، وختم وثائق السفر، وتسيير دوريات عند الحدود وتوقيف الأشخاص الذي يعبرون حدودا بصوة غير شرعية».

وقد أشارت المفوضية الأوروبية إلى المادتين 25 و26 من اتفاقية شينغن، فالمادتان المذكورتان تشكلان الإطار الأساسي لإعادة إدراج المراقبة، إذ إنه فقط تحت ظروف غير عادية حتى 30 يوما يمكن تمديدها حتى 6 أشهر إلا إذا ظهر وضع حسب المادة 29. والمادة 29 في اتفاقية شينغن هي الأساس القانوني لإدراج مراقبة تتجاوز الشهرين، وذلك عندما يكون هناك خلل كبير ومستمر في مراقبة الحدود الخارجية، يهدد عمل المنطقة دون مراقبة الحدود الداخلية. وتصاعد التوتر في شرق أوروبا في الأسابيع الماضية بعد اتهام الاتحاد الأوروبي روسيا البيضاء بنقل الآلاف من المهاجرين جوا لخلق أزمة إنسانية على الحدود مع بولندا العضو في الاتحاد، في نزاع يهدد بجر روسيا وحلف شمال الأطلسي إلى مواجهة.

 

الخاتمة

ما تقوم به بيلاروسيا، هو محاولة واضحة من حاكم بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو «للانتقام» من الاتحاد الأوروبي، بعد أن فرض الاتحاد سلسلة من العقوبات. ما يسعى إليه الاتحاد الأوروبي هو مسك الحدود عبر إيجاد اتفاقات مع بعض الدول التي يشكل رعاياها نسبة عالية من المهاجرين من بيلاروسيا أبرزها العراق وسوريا واليمن، وكذلك من خلال إيجاد اتفاق مع بعض خطوط الطيران لوقف موجات الهجرة، وكانت الخطوط التركية واحدة من أكثر الخطوط التي شغلت رحلاتها إلى مينسك- عاصمة بيلاروسيا.

ومع تصاعد التوترات وتلويح الاتحاد الأوروبي بالعقوبات الاقتصادية، ورغم بعض التحليلات أقحمت روسيا تحشيداتها في القرم عند حدود أوكرانيا، وربطتها بما يجري من توتر بين بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي، تبقى لغة الدبلوماسية هي الأكثر ترجيحا، في أعقاب اتصالات ميركل وماكرون بالرئيس الروسي وبرئيس بيلاروسيا.

 

 


مقالات ذات صلة