السعودية والقارة اللاتينية... حاضر راهن يستكمل تاريخاً زاهراً

صنع شراكات جديدة وتعزيز التنويع الاقتصادي
خلال افتتاح وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله المبنى الجديد لسفارة المملكة لدى جمهورية البرازيل الاتحادية (واس)

باكو: في واحدة من أبرز التصريحات لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بشأن رسم توجهات السياسة الخارجية للمملكة، جاء فيها: «نعمل على صنع شراكات جديدة مع الجميع، سواء روسيا أو الهند أو الصين أو أميركا اللاتينية أو أفريقيا أو غيرها، في مصالح السعودية بما لا يضر أي دولة أخرى»، إذ عكست هذه الكلمات جوهر التحركات السعودية إقليميا ودوليا، ذلك الجوهر الذي ينطلق من أهميتين:
الأولى، ضرورة العمل على صنع شراكات جديدة مع الجميع إقليميا ودوليا دون المساس بالشراكات القائمة.
الثاني، أن تكون هذه الشراكات متوافقة مع السياسة السعودية ومحققة لمصالحها دون الإضرار بأية دولة أخرى.


وتأكيدا على هذه التوجهات يمكن النظر إلى الجولة المهمة التي قام بها وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، إلى بعض دول أميركا اللاتينية، وتحديدا البرازيل والأرجنتين والمكسيك في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضى (2021)، إذ تحظى هذه الدول الثلاث باهتمام كبير من جانب المملكة على وجه الخصوص ومنطقة الخليج العربي بصفة عامة، كونهم أبرز الشركاء التجاريين لدول الخليج العربي في أميركا اللاتينية والكاريبي باستحواذهم معاً على 76 في المائة من إجمالي التجارة البينية بين المنطقتين، حيث بلغت تجارة البرازيل مع الدول الخليجية في 2018 نحو 9.1 مليار دولار أميركي، والأرجنتين ملياري دولار أميركي والمكسيك 1.3 مليار دولار أميركي، فضلا عن وجود أكبر جالية عربية وإسلامية في القارة اللاتينية، وهو ما يدفع المملكة لإيلائهم المزيد من الاهتمام، وذلك في إطار دعمها المستمر للمسلمين في مختلف مناطق العالم وحرصها على مساندتهم ودعمهم لتعميق مشاركتهم الإيجابية في بلدانهم، ولعل المشاركة السعودية بشكل دائم وفعال من خلال وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد مع مركز الدعوة الإسلامية في أميركا الجنوبية في تنظيم المؤتمر السنوي لمسلمي أميركا اللاتينية ودول البحر الكاريبي بدولة البرازيل مؤشر مهم على هذا الاهتمام، فقد جاء المؤتمر الثالث والثلاثين العام الماضى (ديسمبر/ كانون الأول 2020) عن موضوع الأحكام الفقهيه الإسلامية المتعلقة بالأوبئة والجوائح، ليؤكد على عمق التفاعل السعودي مع القضايا العالمية بصفة عامة وقضايا أميركا اللاتينية على وجه الخصوص كما أشار إلى ذلك الدكتور عبد الحميد متولي رئيس المجلس الأعلى للأئمة والشؤون الإسلامية في البرازيل بأن: «السعودية هي مملكة الخير التي تدعو الناس للمحبة والسلام والتعايش السلمي، وأنها راعية المسلمين في العالم وهذه الرعاية للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ليست أمرًا غريبًا على المملكة، إنما تأتي من سيادتها وريادتها ومكانتها».

وزير الخارجية البرازيلي كارلوس ألبيرتو مستقبلاً نظيره السعودي فيصل بن فرحان (واس)


ومن هذا المنطلق، يستعرض التقرير جولة وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في الدول الثلاث من خلال محورين على النحو الآتي:

محطات لاتينية ثلاث
بدأت جولة وزير الخارجية السعودي إلى دول القارة اللاتينية بالمحطة الأولى إلى جمهورية البرازيل، حيث إنها الزيارة الرسمية الأولى على مستوى ثنائي لوزير خارجية المملكة العربية السعودية، عقد خلالها كثيرا من اللقاءات بدأت مع نظيره البرازيلي، حيث ناقشا جملة من الملفات ذات الاهتمام المشترك، كان من أبرزها سعي بلديهما نحو شراكة وثيقة في مختلف المجالات، وأهمية تكثيف العمل الثنائي المشترك في القضايا الإقليمية والدولية التي تخدم مصالحهما في ظل عالم يموج بالتحولات والتحديات، مع الإشادة البرازيلية برؤية المملكة 2030 وما أوجدته من فرص استثمارية ضخمة قدمتها للمنطقة والعالم، وقد عززتها بمبادرتي ولي العهد لحماية كوكب الأرض والمتمثلتين في مبادرة السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر. كما عقد الوزير السعودي لقاء مع رئيس مجلس النواب البرازيلي وعدد من أعضائه هدفت إلى تعزيز أوجه التعاون البرلماني في البلدين، والتأكيد على أهمية الدور الذي تقوم به البرلمانات ومؤسسات المجتمع المدني حول العالم من أجل تعزيز الحوار بين الحضارات والثقافات المختلفة، ودعم التنمية المستدامة، وكل السبل التي تحقق الرفاه والازدهار للشعوب. ويذكر أنه تم على هامش الزيارة افتتاح المبنى الجديد لسفارة المملكة لدى جمهورية البرازيل انطلاقا من الحرص على تعزيز العلاقات وتوسيع مجالاتها بين البلدين.


وفي السياق ذاته جاءت زيارته إلى المحطة الثانية في جولته اللاتينية إلى جمهورية الأرجنتين، حيث عقد لقاءات مع كل من وزير الخارجية والتجارة الدولية الأرجنتيني، ورئيس مجلس النواب الأرجنتيني، وتم خلالها تسليط الضوء على العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تعزيزها في جميع مجالات التعاون المشترك خاصة في ضوء رؤية المملكة 2030، فضلا عن أهمية تكثيف التعاون البرلماني ومؤسسات المجتمع المدني في البلدين لتعزيز الحوار المشترك بين الجانبين. كما عقد لقاء مع نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع حمل دلالة مهمة على مدى الأهمية التي تعكس رؤية البلدين في مجال الأمن والاستقرار في منطقتي أميركا اللاتينية والشرق الأوسط.


وجاءت المحطة الثالثة في الجولة الوزارية إلى جمهورية المكسيك، حيث عقد الوزير السعودي لقاءات مع وزير الخارجية المكسيكي ناقشا تنسيق الجهود المشتركة بين البلدين في مكافحة الإرهاب والتطرف والجريمة ونبذ العنف بأشكاله وصوره كافة، فضلا عن النظر في ملف الأمن الدولي ووقف انتشار الأسلحة التي تهدد الشعوب في جميع أنحاء العالم، كما عقد لقاء مع وزير الطاقة بحث خلاله تعزيز فرص الاستثمار في عدد من القطاعات والجهود الثنائية في استقرار أسواق الطاقة وقضية مكافحة التغير المناخي في ضوء مبادرتي السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر. فضلا عن ذلك، عقد الوزير اجتماعا مع كل من رئيس المجلس المكسيكي للشؤون الخارجية، ورئيس مجلس الشيوخ المكسيكي، حيث شارك في الاجتماع الأخير عدد من أعضاء المجلس بهدف البحث في كيفية تعزيز العلاقات البرلمانية وتبادل الخبرات في هذا المجال بين البلدين. وجدير بالذكر أنه خلال الشهر ذاته (وتحديدا في 8 نوفمبر/ تشرين الثاني 2021) كانت قد استقبلت المملكة وفدا من رجال الأعمال والصناعة والتجارة المكسيكي هدف إلى البحث في سبل زيادة حجم التعاون التجاري، والاستفادة من الفرص الاقتصادية من خلال إقامة العديد من المشاريع الاستثمارية المشتركة لا سيما في قطاعات الصناعة والاتصالات وتقنية المعلومات ومجالات البناء والتشييد والزراعة.


في ضوء تلك الزيارة، يمكن القول إن العلاقات السعودية مع الدول اللاتينية الثلاث تمحورت في مجالين محددين:
الأول سياسي، من خلال التأكيد على مواقف الطرفين حيال القضايا ذات الاهتمام المشترك عالميا وإقليميا وإن ظلت ثمة تباينات في بعضها، وهذا طبيعي في مسار العلاقات بين الدول، فالتباينات بينهم في بعض القضايا دليل على صحة علاقاتهم. وفي هذا الخصوص، تجدر الإشارة إلى أن هذه الزيارات شهدت اهتماما بالبعد البرلماني في علاقات البلدين من خلال اللقاءات التي عقدها وزير الخارجية مع رؤساء المجالس النيابية وأعضائها بهدف توسيع مجالات التقارب على مستوى الدبلوماسية البرلمانية.


أما المجال الثاني، فكان اقتصاديا من خلال التأكيد على أهمية تعزيز الاستثمارات والتبادل التجاري بين الجانبين، فضلا عن التفاهم في مجال الطاقة؛ إنتاجا وتسويقا في ظل التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية.

لقاء الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله، وزير الخارجية، مع وزير خارجية الولايات المتحدة المكسيكية مارسيلو إبرارد، ووزيرة الطاقة المكسيكية روسيو نالي، وذلك خلال زيارته الرسمية إلى العاصمة مكسيكو سيتي. (واس)

الوجود في القارة اللاتينية
يحمل التاريخ تقاربا واضحا في العلاقات السعودية مع دول القارة اللاتينية منذ سبعينات القرن المنصرم، حينما افتتحت أول سفارة لدولة خليجية وهي سفارة المملكة العربية السعودية في الأرجنتين عام 1977. صحيح أن العلاقات الدبلوماسية بين المملكة ودول أميركا اللاتينية تعود إلى ستينات القرن الماضي حينما أسست كل من فنزويلا والسعودية إلى جانب بعض الدول الأخرى منظمة الأوبك (منظمة الدول المصدرة للبترول)، فضلا عن مشاركتهما سويا في تأسيس مجموعة الـ77 وذلك عام 1964 والتي هدفت إلى الدفاع عن مصالح دولها وتعزيز قدراتها التفاوضية في مواجهة دول الشمال، فصحيح أيضا أنه منذ ذلك الحين تشهد العلاقات السعودية مع دول أميركا اللاتينية تطورا ملحوظا وإن ظل دون المأمول لكثير من الأسباب والعوامل التي حدت دون توسيع هذا التقارب، بعضها يتعلق بتطورات الأوضاع في منطقة الخليج بصفة خاصة والشرق الأوسط بصفة عامة،

وبعضها الآخر يتعلق بتطورات الأوضاع في دول أميركا اللاتينية، رغم ما يحمله الواقع من فرص عديدة ومتنوعة لتعزيز علاقات الجانبين خاصة في المجالات الاستثمارية والتجارية، وهو ما يتطلب اتخاذ حزمة من التدابير والإجراءات يمكن ان نجمل أبرزها فيما يأتي:
أهمية العمل على افتتاح مكاتب تمثيلية خارجية في أسواق دول أميركا اللاتينية، إذ تمثل هذه الخطوة ركيزة أساسية في خطط دعم التنويع الاقتصادي وتعزيز التبادل التجاري الثنائي في ظل وجود فرص تجارية واستثمارية عديدة للتعاون بين المملكة وكثير من الأسواق اللاتينية في قطاعات ومجالات متنوعة، حيث تمتلك هذه الأسواق مقومات جاذبة ومغرية للاستثمار. وعليه تمثل المملكة بابا مهما لمنطقة الخليج العربي للولوج إلى الدول اللاتينية.

خاصة وأن المملكة أقدمت على خطوات جادة في سبيل تعزيز الربط الجوي المباشر مع كثير من دول القارة كان توقيع مذكرة تعاون في مجال الطيران الجوي بين المملكة العربية السعودية وجامايكا في يونيو (حزيران) 2021، والتي من شأنها زيادة الربط الجوي بين المملكة ودول المنطقة ودول أميركا اللاتينية، وفتح فرص إضافية أمام خطوط الطيران السعودية، إذ من شأن هذا الاتفاق السماح بوصول أكبر لكبرى شركات الطيران في دول أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي في المملكة العربية السعودية ودول الشرق الأوسط، كما أنها توفر تجارب أكبر لهذه الدول في إطار ترتيب تسويقي وتسعيري موحد، خاصة في ضوء ما أشار إليه وزير السياحة الجامايكي إدموند بارتليت، بأن هناك خمس دول رئيسية تشارك في الاتفاق، هي كوبا وبنما وجمهورية الدومينيكان والمكسيك إلى جانب جامايكا.

لقاء وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله، وزير الخارجية والتجارة الدولية الأرجنتيني سانتياغو أندريس كافيرو، وذلك خلال زيارته الرسمية إلى العاصمة الأرجنتينية بيونس آيرس. (واس)


أهمية تعزيز الدور الثقافي والحضاري كمدخل رئيسي وفعال في التواصل بين الشعوب، إذ يسهم هذا الدور في خلق فهم متبادل لطبيعة المجتمعات وثقافتها وحضاراتها، بما يسهم في مزيد من التقارب والتعاون. ويتأتى ذلك من خلال توسيع البعثات الدراسية في شتى العلوم والمعارف والتعاون في مجال التدريب والتقنية بين الطرفين وتكثيف تبادل البرامج الثقافية والتفاعل بين الأكاديميين والباحثين والمثقفين.


في خضم الاستراتيجية الإعلامية الرائدة للمملكة والتي تستهدف تعريف مختلف دول العالم بالدور السعودي في خدمة القضايا العربية والإسلامية والعالمية، تأتي أهمية تنفيذ المقترح الخاص بإطلاق قناة سعودية ناطقة باللغة الإسبانية للوصول إلى مواطني دول أميركا اللاتينية.


ديمومة عقد القمة العربية اللاتينية التي يرجع تاريخ انطلاقها إلى عام 2005، ويتم عقدها بشكل تناوبي بين الكتلتين العربية واللاتينية، ورغم ما حققته القمة الرابعة التي عقدت في نوفمبر 2015 بالعاصمة السعودية الرياض، من مخرجات ونتائج سياسية واقتصادية وثقافية مهمة، إلا أنها لم تلتئم حتى اليوم، وهو ما يحتاج إلى أسباب دافعة وعوامل محركة وتوجهات محفزة لمزيد من التقارب بين هذين الكتلتين، وفي هذا الخصوص، يمكن للمملكة العربية السعودية في ضوء مكانتها الإقليمية والدولية أن تكون رائدة في ضمان ديمومة عقد هذه القمة التي تعد بمثابة ملتقى للتنسيق السياسي بين دول كلتا المنطقتين، تسهم في تعزيز تعاون دولهما في مختلف المجالات؛ اقتصاديا وثقافيا وتعليميا وتكنولوجيا وبيئيا وغيرها من المجالات ذات الصلة لتحقيق التنمية الدائمة في تلك البلدان والمساهمة في تحقيق السلام العالمي.


منتهى القول إن الجولة الوزارية التي قام بها الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي والتي شملت ثلاثة محطات رئيسية في القارة اللاتينية (البرازيل والأرجنتين والمكسيك) حملت في طياتها رؤى متطورة ومنطلقات جديدة لتعميق الدور السعودي وتوسيع تحالفاته مع مختلف دول العالم بما يعزز من مكانتها الإقليمية والدولية، ويعمق من دورها في ترسيخ أسس الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة لمختلف شعوب المعمورة، وتلك هي رسالة الخير التي تحملها المملكة العربية السعودية في سياستها الخارجية وعلاقاتها الدولية.