ما أسوأ تداعيات «أوميكرون»؟

يحتاج العلماء إلى بضعة أشهر قبل الإجابة على هذا السؤال
وصول المسافرين من الرحلات الدولية، بما في ذلك من جنوب أفريقيا، إلى مطار نيوارك ليبرتي الدولي في 30 نوفمبر 2021 في نيوارك، نيو جيرسي. (غيتي)

تسبب فيروس كورونا المستجد بموت 5.2 مليون شخص حول العالم حتى الآن. لذا، لا شكّ في أنّ ظهور 50 طفرة جديدة من الفيروس سيكون بمثابة كابوسٍ للبشرية. ولكن يمكن للتغيّرات الجينيّة الكثيرة في المعركة القديمة والمستمرّة بين الجراثيم والجنس البشري أن تدير الدفة في أي اتجاه.

وقد يحمل الفصل الجديد من الجائحة متحوّر «أوميكرون» الذي ينتشر بسهولة أكبر من متحور دلتا الذي تم اكتشافه العام الماضي، ناسفًا الدفاعات التي تحصّن نظامًا مناعيًا ملقّحًا بالكامل. وقد يودي متحور أوميكرون بحياة ثلث المصابين به مثل فيروس كورونا الذي يسبّب متلازمة البحر المتوسّط التنفسيّة. وفي هذا السياق، اعتبر دكتور بروس وولكر، عالم متخصّص في المناعة والمدير المؤسّس لمعهد «راغون» في كامبريدج، ماساتشوستس، أنّ "هذا السيناريو السيّئ وغير المفهوم سيكون بمثابة الكارثة».

وفي المقابل، قد تتمكّن البشرية من الاستراحة قليلًا إذا اتّضح أخيرًا أنّ أوميكرون ليس إلّا متحوّرًا حميدًا ينتشر بنفس سرعة دلتا وقابلا للترويض بفعل اللقاح، وبالكاد يتسبّب بمرض ضحاياه تاركًا لهم بعض المناعة وانخفاض احتمالات إصابتهم بكوفيد طويل الأمد. ورأى وولكر أنّ «الطبيعة، في هذه الحالة، ستكون قد ابتكرت لقاحًا طبيعيًا».

ولكنّ معرفة ما إذا كان متحوّر أوميكرون سيغيّر مسار الجائحة وكيف سيفعل ذلك يتطلّب أسابيع وشهورا وعمل مجموعة كبيرة من العلماء حول العالم.

وسيقدم علماء الأحياء المجهرية والمناعة والجينات معلومات مهمّة ومبكّرة عن ميل المتحوّر الجديد للانتشار وقدرته على التصدّي للعلاجات واللقاحات في المختبر في الأيّام القليلة المتبقية من 2021.

وستحتاج فرق تعقّب الأثر وعلماء الأوبئة حتّى بداية العام المقبل ليتمكّنوا من رسم صورةٍ واضحة مصحوبة بمعلومات واقعية حول أنواع النّاس الذين سيتسبّب أوميكرون في مرضهم ودرجة خطورة العوارض. وبعدها، سيعمد واضعو النماذج الرياضية إلى استخدام جميع المعلومات والبيانات المعروفة لملءِ فجوات المجهول وتوقع النتائج المحتملة.

وفي هذا الإطار، رأى دكتور جوشوا شيفر، خبير الأمراض المعدية من مركز فريد هوتشيسون لأبحاث السرطان في سياتل، أنّه «حتى نضوج هذه الأدلّة المبعثرة، لا نملك إلّا القصص التي لا تبعث الكثير من الأمل».

ويعتبر شيفر أنّ تأثير متحوّر أوميكرون «يحتاج إلى التقييم بطريقة منهجية عبر إجراء اختبارات على عددٍ كبيرٍ من الأشخاص، وهذا الأمر قد يتطلّب بعض الوقت ليكتمل».

ومجددًا، ستكون الأشهر المقبلة كفيلة بتقديم درسٍ للعالم في علم الشك وافتقار العلوم إلى اليقين خصوصًا وأنّ الصورة الكاملة لتأثير أوميكرون ستظهر مجزّأة، كما أحجية الصور المقطعة.

وبعد مرور عامين على الجائحة، يحتاج العلماء إلى اختبار فيروس «سارس- كوف-2» من جديد، وهذه المرّة، في مواجهة متحوّر ناتجٍ عن عددٍ غير مسبوق من الطفرات بتواريخ مقلقة. ويعمل هؤلاء اليوم على تقييم نقاط قوّة وضعف أوميكرون في مجموعة من العيّنات التي تتنوّع بين غير مصاب ومعرّض بالكامل وملقّح وحاصل على جرعة معزّزة من اللقاح.

ومن جهته، رأى دكتور جوناثان لي، متخصّص في الأمراض المعدية من جامعة هارفارد، ومدير مختبر علم الفيروسات في مستشفى بريغهام والنساء في بوسطن، أنّ «المشهد يضمّ أجزاء متحرّكة كثيرة».

إذ من المحتمل أن يكون رصد أوميكرون تزامن مع تفشٍ معزول أو حدثٍ فائق الانتشار دفع العلماء في جنوب أفريقيا إلى تحديث مجموعتهم من أنواع فيروسات كورونا المعدية.

ولفت فيشر إلى أنّه في حال فشل أوميكرون في تحقيق تأثيرٍ أكبر مع توسّع انتشاره، قد يثبت أن دوره الواضح في قيادة أحدث تفشٍ في جنوب أفريقيا ليس إلّا حالة إسناد خاطئة.

الآن وبعد رصد المتحوّر الجديد في دولٍ عدّة، سيُصار إلى اختبار قوّة انتشاره. إذا وجد العلماء أنّه يفرض حضوره، سيتمثّل التحدّي التّالي في تحديد ما إذا كان انتشاره المتزايد وظيفة بعض المزايا البيولوجيّة الفطرية التي تساعد في عملية انتقاله من شخصٍ إلى آخر، أو ما إذا كان مجهّزًا لمواجهة دفاعات الأشخاص الذي اكتسبوا مناعةً من لقاح أو إصابة سابقة.

ولكنّ النظرة السريعة على مجموعة الطفرات التي تقف خلف أوميكرون تثير مخاوف عميقة على الجبهتين.

بحسب لي، فإن "هذا المتحوّر يبدو وكأنّه الأقوى لناحية الطفرات».

يتّسم عدد لا بأس به من هذه الطفرات بتركيزٍ عالٍ بالإضافة إلى سلسلة من الرموز الجينية التي تحدّد شكل وسلوك البروتين الشوكي الذي يستخدمه الفيروس للالتصاق بالخلايا البشرية. وتتموضع اثنتان من هذه الطفرات في الموقع الذي يستخدمه الفيروس لشقّ طريقه إلى هذه الخلايا والسيطرة عليها ليستطيع التكاثر. ورصد العلماء أيضًا طفراتٍ كثيرة متوفّرة في متحوّرات أخرى قادرة على اجتياح الأجسام المضادّة التي أنتجها الجهاز المناعي استجابةً للّقاحات والإصابات السابقة.

ولكنّ هذه ليست إلّا البداية.

يقول لي إن «المقلق ليس عدد الطفرات الهائل فحسب»، بل التوسّع المريب في توزّعها في أنحاء جينوم الفيروس، ومجموعة الوظائف التي تستطيع تغييرها، مؤكّدًا على أنّ "المتحوّر يملك طفرات كثيرة جدًا منتشرة في كل مكان».

وإذا نجح أوميكرون في فرض سيطرته خارج جنوب أفريقيا، سيتوجّب على العلماء قياس المساهمات النسبية لقابليّة الانتقال المتزايدة التي يتمتّع بها هذا المتحوّر وقدرته على التغلّب على جهاز مناعي مهيّأ للتصدي للفيروس. وقد تساعد نتائج هذه القياسات في تحديد الخطوات التّالية والتي قد تتضمّن تجديدا محتملا لإجراءات الصحّة العامّة ووضع صيغة جديدة للقاحات الحمض النووي الريبيّ المرسال وتطوير جرعات معزّزة مصمّمة خصيصًا لمواجهة المتحوّر الجديد. وكان صانعا اللقاحات فايزر، وموديرنا قد صرّحا أخيرًا بأن اللقاحات الجديدة قد تكون جاهزة خلال أشهرٍ قليلة.

يتوجّب اليوم على العلماء، الذين يعتمدون على الدراسات المخبرية لاتخاذ خطوتهم التّالية، البحث بقابلية الانتقال المتزايدة وما يُعرف بالتهرّب المناعي بشكلٍ منفصل. فإذا حدثت الإصابات المرتبطة بمتحوّر أوميكرون لدى الأشخاص غير الملقّحين بشكلٍ رئيسي، يمكن الاستنتاج أنّ قابليّة الانتقال هي الأقوى في هذا الفيروس. أمّا إذا ثبتت إصابةالملقّحين وغير الملقّحين بنفس الوتيرة، فهذا يعني أنّ المتحوّر الجديد نجح في الالتفاف على الأجسام المضادّة المخصصة لمحاربته.

ولكنّ هذا التحليل المباشر سيواجه تعقيدات بفعل عوامل عدّة أبرزها أنّ لقاحات الكوفيد-19 المتوفّرة حول العالم مختلفة جدًا لناحية القدرة على منع الإصابة مرّة أخرى.

وساهمت هذه المناعة المتضائلة التي ولّدتها اللقاحات بمنح هذه العوامل بطاقة قوّة إضافية. فإذا نجح أوميكرون في التسبّب بمرض شخصٍ ملقّح، لن يتّضح فورًا ما إذا كان المتحوّر تغلّب حقًا على دفاعات اللقاح، أمّ أنّ الدفاعات ضعفت من تلقاء نفسها.

من جهته، اعتبر دكتور تشارلز تشيو، المتخصص في الأمراض المعدية من جامعة كاليفورنيا، أنّه إذا تبيّن أنّ اللقاحات لم تنجح في ردع أوميكرون فورًا، سيعود العالم لنقطة الصفر.

ولكنّه أضاف أنّ تسبّب المتحوّر الجديد في هذه الفوضى سيتطلّب أكثر من ذلك.

وقال تشيو إنّ متحوّري بيتا الذي رُصد في جنوب أفريقيا وغامّا الذي رُصد في البرازيل أثبتا قدرتهما على التهرّب من دفاعات اللقاحات، ولكنّهما عندما تنافسا مع المتحوّر دلتا الذي يتمتّع بقابلية انتشار مرتفعة في الولايات المتّحدة وأماكن أخرى، لم ينجحا في فرض هيمنتهما.

الملخص: حتّى وإن برع أوميكرون في التغلّب على اللقاحات، سيبقى تأثيره محدودًا إذا لم يتفوّق على دلتا.

ويتوقّف الاختبار الأخير لقدرة أوميكرون في مفاقمة الجائحة على فهم ما إذا كان يستطيع زيادة حالات المرضى سوءًا ورفع عدد الوفيات أكثر من المتحوّرات التي سبقته. وهنا، شدّد وولكر على أنّ النتائج ستكون كارثية إذا تبيّن أن المتحوّر الجديد خبيث وأكثر قابليّة للانتقال.

وأضاف أنّه من المهم االإجابة على هذا السؤال.

واعتبر وولكر أنّه على العلماء أن يكونوا صبورين لأنّ مرض أيّ إنسان بالدرجة االتي تتطلّب نقله إلى وحدات العناية المركّزة أو التي تؤدي إلى الوفاة يتطلّب أسابيع. كما على العلماء أيضًا أن يمزجوا البيانات السريرية والتسلسل الجيني للمتحوّر مع بعضها ليحدّدوا ما إذا كانت طفرات أوميكرون المسؤولة عن المرض الشديد أو الوفاة.

من جهته، قال توليو دي أوليفيرا، عالم الجينات الذي ترأس الفريق الذي رصد أوميكرون، إنّ العلماء في جميع أنحاء أفريقيا سيعملون دون توقف على جمع البيانات في الأسابيع القليلة المقبلة. وأضاف أنّه يشتبه بأنّ قوّة أوميكرون لناحية قابلية الانتقال والتهرّب المناعي هي التي كشفته أمام العالم. ولكنّه لا يزال متردّدًا في التنبؤ حول قدرة المتحوّر على التسبّب بالمرض.

وختم قائلًا إنّ «الأسابيع المقبلة مهمّة وحسّاسة جدًا».

نُشر هذا المقال في صحيفة «لوس أنجليس تايمز»


مقالات ذات صلة