التعاون الأمني بين المغرب وإسرائيل... تطور لافت في عملية السلام

اتفاقية أثبتت أنّ تل أبيب لاعب مرغوب فيه إقليميا
بوريطة لدى استقباله بيني غانتس وزير الدفاع الإسرائيلي

تل أبيب:  مذكرة التفاهم المشتركة التي وقع عليها وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني غانتس مع نظيره المغربي لدى زيارة غانتس إلى الرباط، وضعت مسألة السلام بين الدولتين في أكثر مواقعها الهامة من النواحي الاستراتيجية- الأمنية وليس فقط السياسية. وبتوقيع هذه الوثيقة تكون المغرب قد سبقت مختلف الدول العربية التي وقعت اتفاقيات سلام مع إسرائيل، حيث الاتفاقية الأخيرة تقتحم الجوانب الأكثر حساسية بين إسرائيل ودول المنطقة.

في إطار مذكرة التفاهم سيتم تشكيل لجنة توجيه تسمح بتعميق التعاون وتبدأ علاقات رسمية من الشراكة في المعلومات، وفي التخطيط العملياتي، وفي المشتريات، وفي البحث والتطوير، وفي التدريب.

 يجري الحديث عن وثيقة مبادئ ستسمح بتعميق التعاون الأمني بين إسرائيل والمغرب على مستويات عديدة من صفقات سلاح للمغرب والصناعات الأمنية الإسرائيلية وحتى التعاون في مواضيع الاستخبارات، والتدريب، وغيرهما.

 

تقييمات مختلفة

اختلف الإسرائيليون في تقييمهم لهذا الاتفاق، هناك من اعتبره اتفاقا ليس بمحض الصدفة بل هو عبارة عن تدخل إسرائيلي في الأوضاع الداخلية للمغرب بكل ما يتعلق بالناحية الأمنية، لا سيما وأن المغرب تتواجد في وضع سياسي أمني مركب جدا في أعقاب انهيار وقف إطلاق النار مع جبهة البوليساريو (حركة التحرر الوطني)، وفي ضوء التدهور في العلاقات المهزوزة بين المغرب والجزائر. ومن هنا اعتبر أمنيون سابقون في إسرائيل أن الاتفاقية هي بمثابة تدخل إسرائيلي في الشؤون المغربية.

غانتس من جهته اعتبر التوقيع على مذكرة التفاهم «بمثابة اتفاق إطاري للتعاون الأمني في كل المفاهيم مع المغرب»، مضيفا: «هذا شيء هام سيسمح لنا أيضا بتبادل الآراء، بالدخول إلى مشاريع مشتركة وللتصدير من إسرائيل إلى هناك».

 

وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس في زيارة إلى الرباط

 

حدث غير مسبوق

رئيس القسم السياسي- الأمني في وزارة الدفاع الإسرائيلية زوهر بالطي اعتبره حدثا غير مسبوق وهاما ضمن اتفاقات إبراهيم، واصفا أهمية تقدم مثل هذه العلاقات بقوله: «طائرة مع وفد أمني، بما في ذلك ضباط بالبزات العسكرية ووزير أمن يهبط علنا ويلتقي مع كل القيادة الأمنية والسياسية في المغرب بمن فيهم وزيرا الخارجية والأمن، رئيس الموساد، ورئيس الأركان، هو حدث لم نره في الماضي». وأضاف بالطي: «إن الاتفاق سيسمح لإسرائيل والمغرب بالتعاون في التدريب».

لقد عاد غانتس إلى تل أبيب وقد حقق إنجازا في التقدم في عملية السلام نحو جوانب كان الصعب على دولة عربية الحديث العلني عنها، لكن بتوقيعها أحدثت المغرب تقدما وانفتاحا يأمله الكثيرون في المنطقة من أجل دعم عملية السلام برمتها في الشرق الأوسط، ولكن في الوقت نفسه تبقى الحساسية بكل ما يتعلق بالعلاقات الأمنية والاستخبارية بين إسرائيل ودولة عربية سيدة الحدث والانتقاد والرفض من قبل جهات تعتبر أي اتفاق عسكري لن يكون في صالح الدول العربية.

 

انفجار حقيقي في المنطقة

المدير السابق لمركز موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط والمؤرخ، إيال زيسر، اعتبر أن التطور في العلاقات بين إسرائيل والمغرب يشكل انفجارا حقيقيا في المنطقة، فيما وصف «اتفاقات إبراهيم» بـ«المرجعية الجديدة في الشرق الأوسط».

وإزاء تقدم العلاقات بين تل أبيب والرباط قال زيسر: «من يوم إلى آخر تتضح شدة التغيير الذي أحدثته اتفاقات إبراهيم في علاقات إسرائيل مع العرب. من الخطأ أن نرى فيها مجرد اتفاق آخر، يضاف إلى اتفاقات السلام التي وقعت عليها إسرائيل حتى الآن. فهذه خطوة اختراقية للطريق أحدثت انفجارا حقيقيا في منطقتنا».

وفي تقييمه لاتفاقيات السلام قال زيسر: «أنور السادات، الرئيس المصري الأسبق، سيبقى له دوما الحق الأول كمن شق، مع مناحيم بيغن، سور العداء الذي فصل بين إسرائيل والعرب. فاتفاق السلام مع مصر، وبعده مع الأردن كانا بالتالي اتفاقين هامين أبعدا خطر الحرب وساهما في حلول هدوء واستقرار على الحدود. ولكن سلاما حقيقيا لم يكن هنا، وذلك لأن بنود التطبيع التي كانت فيهما لم تتحقق أبدا، وبقي السلام باردا بل حتى مجمدا. سلام الحكام والمصالح».

وفي «أيام أوسلو البهيجة»، يقول زيسر: «حين كان يخيل أن شيئا ما تغير في نهج العالم العربي مع إسرائيل، طرح شيمعون بيريس كوزير الخارجية في حكومة رابين ضم إسرائيل إلى الجامعة العربية، كمتساوية بين متساوين، لكن اقتراحه لم يلقَ اي جواب، والدول العربية لم تحمل نفسها عناء الرد عليه. كل هذا تغير مع التوقيع على اتفاقات إبراهيم. هذه أصبحت مصدر إلهام، وأكثر من ذلك خلقت نموذجا جديدا لعلاقات إسرائيل مع العرب- علاقات فيها حميمية وتعاون واسع- يحل محل النماذج الناقصة لعلاقات إسرائيل مع مصر والأردن. لكن أهميتها الحقيقية تكمن في أنها حولت إسرائيل من عشيقة يخفي الجميع علاقاتهم معها أو من مجرد لاعب آخر بين كثيرين على لوحة الشطرنج الشرق أوسطية إلى لاعب محوري مركزي في كل تطور في المنطقة»، وفق زيسر.

يخيل لي، يقول إيال زيسر: «إن الدول العربية أيضا تتخذ جانب الحذر من الاعتماد عليها مثلما في الماضي لغرض أمنها. كما أنه انقضت الأيام التي كانت فيها الجامعة العربية جهة موحدة ومكبلة، إطارا للبحث ومحفلا لاتخاذ القرارات التي تلزم كل الدول العربية. كما أن إيران وتركيا، اللتين سعتا قبل عقد بأن تقودا المنطقة، تكتشفان أنه لم يعد أحد يريدهما، وفق ما يقول زيسر الذي أضاف: «لقد خلق كل هذا لإسرائيل فرصة تمكنت من استغلالها لتصبح دولة محورية يرغب الجميع في قربها ويسعون للاستعانة بها. في واقع الأمر أصبحنا منارا إقليميا للاستقرار وقوة اقتصادية وتكنولوجية، لرفاه دول المنطقة».

 

المستوى الثقافي أولا

لم يتوافق الإسرائيليون على أن أي تقدم في العلاقات مع المغرب يبقى محصورا فيما اتفق عليه وزير الدفاع غانتس، في زيارته الأخيرة إلى المغرب، بكل ما يتعلق بالجوانب الأمنية.

عضو الكنيست روت فيسرمان، عن حزب «أزرق- أبيض»، ترى أن العلاقات بين إسرائيل والمغرب تنطوي على عدة مستويات وأولها، بل أبرزها المستوى الثقافي. وتقول: «يتعاطى الشعب المغربي مع يهود المغرب كجزء منه بكل معنى الكلمة. فكل مغربي تقريبا أعلن أمامنا في زيارتنا الأخيرة هناك أن «دولتنا هي دولتكم»- ظاهرة استثنائية وجديرة بالإشارة في المجال الذي يضم الشرق الأوسط، وحوض البحر المتوسط، وشمال أفريقيا والخليج العربي».

ووصفت فيسرمان زيارة غانتس إلى المغرب بـ«الخروج من الظلام إلى النور» في كل ما يتعلق بعلاقات الدولتين في السياق الأمني، وإسرائيل التي تفتقد لموطئ قدم متينة في شمال أفريقيا، ستخرج رابحة من تعزيز العلاقات مع المغرب. فهذه العلاقات يمكنها الآن أن تتعزز في أعقاب تحول العلاقة بين الدولتين إلى علاقة رسمية».

وعن أهمية العلاقات بين الدولتين ترى فيسرمان أنها «تعزز مكانة إسرائيل في المجال كله، سواء من ناحية الاعتراف والشرعية أو على مستوى التعاون الإقليمي»، وتقول: «في أعقاب هذا التقدم في العلاقة يتوجب علينا العمل على مضامين ثقافية، اقتصادية وتجارية في العلاقات ليشعر الطرفان بثمار السلام والحرص على العمل بتبادلية في كل ما يتعلق بإصدار التأشيرات لآلاف المغاربة الذين ينتظرون زيارة إسرائيل».

ومن الأمور التي ستسعى النائبة إلى التقدم بها ضمان تأشيرات الدخول للطرفين، «وضمان قنصلية إسرائيلية في الرباط، تقوم بكافة المهام المطلوبة كما فعل المغاربة في تل أبيب، كي لا تفوت فرصة تاريخية. وبالتوازي ينبغي الاستعداد- عندما يعاد فتح السماء أمام السياح الأجانب، التي أغلقت بسبب كورونا، باستيعابهم في المطار برقّة زائدة، إلى جانب الفحص الأمني اللازم»، شددت النائبة الإسرائيلية على الفحص الأمني لكنها استدركت تقول: «المغاربة مستعدون لأن يصلوا إلى هنا بجموعهم. وعلينا أن نستعد لاستقبالهم بأذرع مفتوحة وبتبادلية. نافذة الفرص لذلك ليست واسعة، وهذا في نهاية الأمر موطئ قدمنا في القارة الهامة جدا هذه والتي نقل في الانشغال بها».

 

الفلسطينيون في حسابات المغرب

في مقابل الرفض الفلسطيني لهذا الاتفاق طالب ملك المغرب محمد السادس، بالعمل على إعادة بناء الثقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، من أجل التوصل إلى تسوية القضية الفلسطينية، في إطار حل الدولتين، وهذا المطلب، من دون شك، يعزز إمكانية الحفاظ على العلاقة بين تل ابيب والرباط. فقد أوضح ملك المغرب في الرسالة التي بعث بها إلى رئيس اللجنة الأممية المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، شيخ نيانغ، بمناسبة اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني: «نجدد الدعوة إلى إطلاق جهد دبلوماسي مكثف وفاعل، لإعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات، في أفق التوصل إلى تسوية القضية الفلسطينية، في إطار حل الدولتين».

ولم يكتلف ملك المغرب في ذلك بل دعا المجتمع الدولي لمساعدة الطرفين على بناء أسس الثقة، والامتناع عن الممارسات التي تعرقل عملية السلام.

وشدد ملك المغرب على أن «المغرب سيواصل جهوده من أجل توفير الظروف الملائمة، للعودة إلى طاولة المفاوضات، مستثمرا مكانته والعلاقات المتميزة التي تجمعه بكل الأطراف والقوى الدولية الفاعلة».

 

 

 

 


مقالات ذات صلة